“بن توما”، “سرجون مارانو” و”مارتن ميرزا” ثلاثة فرسان بلا أحصنة وبدون أقنعة

 

يجب الاشارة الى ان هذا الموضوع يبقى استمرارا لمشاركة “”سرجون مارانو” السيئة الذكر وتعليقي عليها كما نشرتهما في مكان آخر من هذا الموقع.

قبل كل شيء لا بد من التنويه ان معرفتي لهؤلاء النماذج حصلت في آخر فترة من حياتي العملية وضمن مؤسسة حكومية مرموقة تابعة لوزارة العدل الأمريكية باستثناء السيد مارانو الذي كنت قد شاهدته قبل ذلك، مرّة او اثنتين، حين كان يعمل بقّالاً في حانوت يقع على شارع “ديفان” ضمن مدينة شيكاغو. وفي بداية علاقتي مع هؤلاء وبحكم المتطلبات التي كان يمليها العمل، تبين لي ان صلاتهم مع بعضهم البعض وثيقة جدا، اذ كانت تجمعهم معرفة سابقة فيما بينهم وذلك قيل انتقالهم للعمل داخل هذه المؤسسة حيث استمروا بنشاطاتهم المشتركة المتعلقة اما بقضايا الكنيسة أوقضايا الترويج للنشاطات القومية الاشورية، وكانت تحدو بكل واحد منهم الرغبة العارمة لاحتلال مكان الصدارة في اوساط الجالية اي ان كل واحد منهم كان يحلم ان يكون الشخص او الزعيم الأوحد الذي لا بد من وجوده على رأس القوم باعتباره وجها يمليه التاريخ على غرارصدام او القائد الضرورةان هاتين القضيتين، الكنيسة والمسألة القومية، كانت تشغل جلّ اهتمامهم اليومي اثناء العمل وتشكل مركز اهتمام الفرسان الثلاثة (مع الاعتذار ل “الكسندر دوما”)، وطبعاً هذا الاهتمام لم ينشأ بسبب حرصهم الشديد على مبادئ الدين المسيحي (كما يدّعي مارانو) او بدواعي الدفاع عن قضايا حقوق الانسان وحرية الشعوب. ولقد لعب السيد ميرزا حينها دوراً انشقاقيا محموما، اثناء عمله داخل تلك المؤسسة الحكومية الامريكية، وكان نشاطه ينصب على حشد جماعة من افراد الجالية الآشورية للوقوف الى جانب الاسقف اشور سورو الذي كان يقود تكتلا انشقاقياً داخل الكنيسة ولقد استغل السيد ميرزا وشركاه (بن توما وسرجون مارانو) استياء وسخط افراد الجالية من حادثة مسلكية ارتكبها احد المطارنة الآشوريين فقام هؤلاء الثلاثة بشن حملات تحريضية ضد اتباع الكنيسة والتهجم على القيادة الدينية للكنيسة غير ان اغلب افراد الجماعة الذين كانوا يؤيدون هذا النشاط الحثيث لهؤلاء الفرسان تخلوا عنهم لاحقاً بعد ان قام الاسقف بالانفصال والتحول الى صفوف الكنيسة الكاثوليكية حتى ان بعض هؤلاء الاتباع وجهوا الى مارتن ميرزا تهماً ضمنية بمحاولة تضليلهم وخداعهم. لقد ادت الجهود والنشاطات العدائية لهؤلاء الثلاثة الى خلق وضع متشنج وعنيف داخل اوساط الجالية افصح عنه السيد سرجون مارانو ابلغ فصاحة بمداخلته الخالدة التي كان قد نشرها في احد المنتديات على “النت” ولا يعادلها اهمية إلا (رسالة البعث الخالدة) وهي مداخلة نشرنا نسخة منها في مكان اخر من هذا الموقع، وستبقى (الى الأبد) نموذجاً زاخرا بكل الموبقات، اذ انها تعجّ بكل اصناف الشتائم والتحقير والاهانات الموجهة للجالية الآشورية بشكل خاص وللجالية المسيحية عموما، وهي مواقف غريبة ومرفوضة داخل المجتمع الأمريكي الذي يعيشون في كنفه الآن، لقد استمر هؤلاء الثلاثة في ممارسة هذا السلوك والنشاط داخل وخارج العمل وفي اوساط الجالية يتعاملون مع الآخرين على نهج الثقافة الفاشية التي تلقنوها واتقنوها في مدرسة صدام حسين اي ثقافة التخلص من الآخر باستخدام كل الوسائل والاساليب اللااخلاقية كقيام مارتن ميرزا، بعد ان صار في مركز المشرف من الناحية المهنية، بتلفيق روايات كاذبة عن احد العاملين المتعاقدين في تلك المؤسسة وذلك بالتعاون مع ساعده الأيمن سرجون مارانو، بهدف الانتقام الشخصي ومن أجل تصفية حسابات وغيرها من الطرق والاساليب التي تنتمي الى ثقافة الفساد وثقافة المكاتب الامنية ايام صدام حسين وحاشيته. ومن المظاهر التي تعيد الى ذهن المرء ذكرى عوالم الاستبداد والفساد داخل أنظمة الطغيان في العراق او سوريا هو مشهد السيد مارانو وهو يحاول الدخول الى مكتب سيده ميرزا الساعة السابعة صباحا من كل يوم وكأنه يحج الى مكان مقدس والاهم من هذا انه كان يقوم بهذه الزيارة الصباحية وهويبذل كل جهد  ممكن للفت أنظار بقية العاملين للدلالة على مكانته الاستثنائية التي تتيح له هوفقط ودون احد سواه الدخول بسهولة وبلا كلفة الى مكتب السيد المشرف، اي بالطريقة التي تلقنها وكما املتها عليه ثقافة الفساد الشائعة في البلدان المتخلفة والاستبدادية والتي مازالت تتحكم حتى هذا اليوم بكامل سلوك السيد سرجون مارانو،الذي يطيب له ان يجذب انتباه بقية العاملين ليشاهدوه وهو ىدخل الى مكتب السيد ميرزا لان له موقعاً متميزاً لا بدّ لهم من ملاحظته حين يدلف الى محراب سيده بحرية بينما هم محرومون من هذه النعمة التي تجلبها مثل هذه العلاقة الحميمة، السيد مارانو يجهد ويناضل بشغف دائم من اجل اثارة حسد الآخرين، وتشحن كيانه الفارغ غيرة عمياء كما تتنارع وتتضارب في شخصيته كل اللواعج والغرائز الرثّة والبدائية لدى الانسان. ان “سرجون مارانو” الذي يشتهر بكونه لا يهوى ولا يعشق الّا ذاته النرجسية ، و يصب كل هيامه وعشقه نحو ذاته فيلاحق بخياله المريض اوهامه التي كونها عن شخصيته التافهة، يتمعن باعجاب نادرتفاصيل ملامح شخصيته الفذّة فتتقيأ ذاته صوراً ومشاهد محفورة حتى النخاع في راسه تفصح كلها عن مدى عظمته باعتباره كائناً فريداً من نوعه (وهو فعلاً هكذا من ناحية ما) ورغم معرفته المسبقة والتذكير الدائم له بقصة الضفدعة والبقرة والنتيجة الوخيمة التي لحقت بالضفدعة من جراء اصرارها على وهمها، ها هو سرجون مارانو ينافس تلك الضفدعة باصراره على ضخامة شخصيته المتضخمة اصلا اي صورته التي كونها بذاته عن ذاته ولذاته، فيصدق نفسه المخادعة دوماً معتبرا انه شيئ ما، وهذا الحرص على الذات من قبل مارانو يزيد شخصيته السوقية تفاهة وغرورا. ان هذا الهيام الذاتي بالذات المخادع دوماً يذكرني بقصة عنوانها “ثياب الامبراطور الجديدة” للكاتب الدانمركي الكبير “هانز كريستشيان اندرسون” والمنشورة عام 1837 وكأنه كان يتنبأ بقدوم الامبراطور “سرجون مارانو” بعد حوالي قرنين من الزمن. وعلى المرء ان يتساءل كم كانت ستعاني اجيال البشرية لاحقاً لو حرمت من هذه البركة، من هذا الفكر التنويري الصادر عن مؤخرة سرجون مارانو البيولوجية (التي استعرضها امام كل افراد الجالية الاشورية ليلحسوا مؤخرته باسلوب حضاري يتلاءم مع تربيته كما وردت في مشاركته باللغة الانكليزية الموجودة في مكان آآخر من هذا الموقع)، المؤخرة التي لا يملك السيد سرجون شيء ما يفتخر به سواها، لان بداخلها تكمن كل تجليات عقله المحض.

لنعود الآن الى السيد “بن توما” او بالأحرى “بنيامين توما” الذي يشارك رفيقيه الاخرين نشاطهما وسلوكهما الموروثين عن جمهورية الخوف التي انشأها صدام في العراق. وهو يتميزعنهما بأنه أشدّهما وأكثرهما ارتباطا والتصاقاً بممارسات تلك الحقبة، التي لم يعفو عليها الزمن بعد، حتى انه جعل من نفسه رأس حربة يستخدمها رفيقي نضاله الآخرين في المهام القذرة التي يريدان القيام بها. لقد اتصل بي “بن توما” قبل حوالي اكثر من شهريلومني بقسوة ويعاتبني بغضب شديد على نشري مداخلة “سرجون مارانو”، الموجودة في مكان اخر من هذا الموقع وكذلك على تعقيبي عليها، ربما ظنّ مارانو ان مداخلته قد اختفت الى الابد بعد ان تمت ازالة الموقع بالكامل مما يوحي ان مارانو كان قد بدأ يشعر بالخوف ممزوجاً بخجل كاذب من القذارة التي أفرزها رأسه ويداه فصار كالهرّ الذي يسرع الى تغطية واخفاء برازه دون ان يدرك ان استراتيجية النعامة والقطط تنتمي كلها الى عالم الحيوان. قلنا ان ما يميز السيد (بن توما) عن زميليه ضمن الجوقة الثلاثية هو شدة التصاقه بماضيه التعيس اي ان سلوكه وذهنيته وطريقة تصرفه تدل وكأنه لم يغادر العراق بعد، عراق ايام زمان، عراق جمهورية الخوف أو عراق صدام حسين والبعث. كان “بن توما” وهو يخاطبني على الهاتف في معرض لومه وعتابه بسبب نشري للمداخلة ثم تعليقي عليها رغم اني لم اشر ابدا اليه، لا من قريب او بعيد، ولم اذكر مطلقا اي شيء عن ” بن توما” ولم اتطرق اليه ابداً كما هو واضح لكل من يقرأها، الا انه انه اندفع يحادثني على الهاتف بتهجم وبحدّة قاسية وتوتر شديد اضطرني الى كتابة هذا الرد والى التساؤل عن الدوافع التي تجعل “بن توما” يورط نفسه في الدفاع المستميت عن شخص من طراز “سرجون مارانو” أي كمن يريد ان يؤدي مهمة مقدسة بالنيابةعن سيده فيسوق التهم ضدي بسبب نشري لتلك المداخلة وتعليقي عليها فاذا كان لم يرد اي ذكر ل”بن توما” ضمن تعليقي المذكور فما الذي يفسر مبادرته الفورية لتهجم علي في مكالمته التلفونية سوى انه كان ينفذ اوامر غيره او يتصرف بالنيابة عنهم مدفوعا من قبل”الرفاق” اولياء الامر حيث اعتادوا على تسيير الامور بهذه الطريقة (الحضارية جدا) والتي نشأوا على ايقاعها حين كان صدام ضارب الطبل الوحيد في العراق. ولعل الحادثة الاكثر دلالة على هذا الدور الامني القذر الذي يقوم به “بن توما” هو تحوله الى رجل امن عراقي قبيح وبنفس الاساليب التي كان يمارسها هؤلاء، مع فارق انه يستمر بأداء هذا الدور اثناء تواجده في عمله كموظف لدى مؤسسة مرموقة تابعة لوزارة العدل الامريكية والمعنية بحماية حقوق المواطن والفرد الامريكي وضمان حريته وحقوقه وفق المبادئ القانونية والدستورية النافذة في الولايات المتحدة. أما الحادثة الاخرى التي اريد ذكرها هنا فقد جرت في بداية فترة عملي التعاقدي ضمن تلك الؤسسسة ولم يكن لي اي معرفة مسبقة بأي من هؤلاء العاملين والقادمين من داخل الجالية الاشورية المقيمة في مدينة شيكاغو ومحيطها. لقد جاءني ” بن توما” ذات يوم بشكل مفاجئ ومن دون اية مقدمات كما يأتي عادة رجل من رجال المخابرات او الامن في العراق يأتي اليك ويلقي في وجهك تهمة ما تكفي للتخلص منك دون اي مبررات او تسويغ قانوني، اذ بكل بساطة لا وجود للقانون فرجل المخابرات هو القانون، لقد أمسك “بن توما” بيدي يريد ان يقودني الى مكان ما وكأنه ينفذ مهمة تم تكليفه بها، استغربت هذا السلوك الشاذ الغريب والغير متوقع، فاستدرك قائلاً : “أريد ان أكلمك في موضوع خاص”. ثم تابع وبصوت فيه شيء من العصبية والتوتر، وهو لا يزال يشدني بيدي، قائلاً: “انتم المثقفون والشيوعيون ….” وهنا لم اعد اعرف او اذكر ما قاله “بن توما” بعد ذلك. في تلك اللحظة بدأت تختلط في رأسي الكثير من الأمور. كان هو يتابع حديثه الذي لم أعد قادراً على سماع اي شيئ منه وتحول حديثه الى دمدمات وهذيان لا معنى له. لقد مرت بذاكرتي وبلحظات خاطفة، ونحن نسير داخل اروقة ذلك البناء الكبير، لمحات متلاحقة من المواقف التي عشتها في الماضي، ربما جاء بعضها بفعل ما قد توحي به كلمة الثقافة التي نطقها “بن توما” باعتبارها بمثابة تهمة موجهة الى المرء مثلها مثل اي كلمة اخرى توحي بكونها تهمة، ليس المهم مضمون الكلمة هنا بل مجرد استخدامها كاداة اتهام ضدك حتى وان لم ينطبق عليك التوصيف الذي توحي به الكلمة مادام من يطلقها هو رجل الامن، ما يهم هنا فقط هو كونك متهم شئت هذا ام ابيت، لقد خطر حينها في مخيلتي مشهد قديم كان قد حصل لي في أحد الايام ومنذ زمن بعيد، مشهد وقوفي امام قائد كتيبة الاستطلاع في منطقة الرستن شمال مدينة حمص، أمام الرائد مفيد العلي وبحضور نقيب نسيت اسمه الآن كان مسؤولاً عن الامن في الكتيبة فهددني الرائد حينها قائلاً انه لن يتورع عن اعدامي في ساحة الكتيبة بسبب وجود كتاب عن النقد الادبي بحوزتي وهو امر محظور تماما اثناء تأدية الخدمة العسكرية، فالثقافة تعني نشاطاً فكرياً، تعني أفكارا، والافكار بطبيعتها لا يمكن الامساك بحركتها والتحكم بها فهي، ولكونها أفكاراً، قد تنفتح على كل المواضيع فتتناول قضايا لا حدود لها في سعيها الحر للتعبيرعن مكنوناتها وتتحول الافكار عبر مسيرتها الى قوة جارفة تحدث عنها كل من المفكرين الانجليزين فرانسيس بيكون وتوماس هوبز، هذه القوة الجارفة التي تجتاح كل شيء فتجرف كل ما كان معترفا به ، كل ما كان سائدا داخل الاطار الرسمي للسلطة وهذا امر لا يمكن للدولة التي تهيمن على كل تفاصيل الحياة السياسية والاجتماعية والاقتصادية داخل البلاد ان تتساهل او تتسامح في حدوثه اطلاقا، فالنار التي تحرق كل شيء قد تبدأ بشرارة بسيطة وهذه الشرارة بدورها لم تكن سوى مجرد فكرة جاثمة تتقد في رؤوس البعض ممن يريدون اشعال ذلك الحريق، هذا ما قصده الروائي الروسي دوستويفسكي ب “النار” التي تبدأ جذوتها اولاً في رؤوس الرجال قبل ان تشب وتلتهم كل شيء وذلك في روايته “الشياطين” او”الممسوسون” الصادرة عام 1872، لقد استمر “بن توما” يهذي وهو يسير الى جانبي منهمكا ومتوترا من جراء القضية التي يريد ان يحدثني عنها وانا اسير الى جانبه لا اسمع ماذا يقول بل اتساءل عن مدى تعلقه وتمسكه بثقافة الاستبداد التي كونت شخصيته الرثة هذه وجعلته يتصرف معي على هذا النحو دون اي رادع، كرجل مخابرات عراقي محترف يتصرف وكأنه في دائرة أمن عراقية اثناء فترة حكم صدام حسين وحين كانت مثل هذه التعابيروالاوصاف التي اطلقها السيد “بن توما” تكفي للتخلص من اي شخص، أكان مفكرا مستقلاً او عاديا ام لم يكن، لقد كان مثل هذا التوصيف في ظل الفاشية العراقية كافيا لوضع حد لحياة كل من لا ترغب في رؤيته او لكل من تريد التخلص منه وازاحته من امامك اذا كان عائقا في طريقك. الم يستخدم صدام حسين تعبير الخيانة للتخلص من كل شخص كان من المحتمل ان يقف عائقاً امام جهود صدام لتركيز السلطة بيديه للهيمنة المطلقة على الدولة وذلك اثناء الاجتماع الحزبي لقادة البعث في العراق عام 1979 داخل قاعة الخلد حيث كان يتم اعدام كل من كان صدام حسين يناديه باسمه فوراخراجه من القاعة مباشرة. المهم بالنسبة لي الآن هو “بن توما” ومحاولته اعادة تطبيق ما كان سائدا ايام صدام في العراق ولكن هذه المرة داخل اروقة بناء تابع لوزارة العدل الامريكية، الى اي مدى تشرب “بن توما” اساليب وطرق ملاحقة افراد المجتمع العراقي وزجه في أقبية جمهورية الخوف، من هو الذي كلف المدعو “بن توما” للمجيء الي واطلاق اوصاف تضفي علي قالباً معينا من طراز مثقف، شيوعي، بوهيمي، وجودي، وغيرها. باي حق يستطيع شخص مثل “بن توما” الذي لا أعرفه على الاطلاق ان يتمادى ويتطاول ليصفني بأنني كذا وكذا وذلك خلال أوقات الدوام وداخل تلك الدائرة الحكومية والتابعة لورارة العدل الامريكية، لقد كان يسلك سلوكا يتناقض مع المعايير المهنية والاخلاقية التي وضعتها تلك المؤسسة الحكومية لنفسها، بل ان سلوك بن توما يضرب بعرض الحائط كل تلك القيم والمعايير، هل يا ترى تخيل نفسه سهوا انه في بغداد يقوم بتنفيذ مهمة امنية تتعلق بمطاردتي ام ان هناك من دفعه لاداء هذا الدور القذر، وإلا ما الذي خطر على بال “بن توما” الذي لم اعرفه ولم يعرفني ان ينهض من غيبوبته فجأة وبدون سابق انذار ليقودني بيدي داغل ذلك المبنى الحكومي ليصفني بصوته المتوتر اني كذا وكذا. أذكر اننا عدنا سوية الى الدور الذي تقع فيه مكاتب عملنا دون ان أقول كلمة واحدة أرد بها عليه فانا لم أكن اصغي اليه قطعاً.

في مساء ذلك اليوم وبعد عودتي الى المنزل اتصلت ببعض المعارف من ابناء الجلية العراقية لأسألهم عن السيد “بن توما” فأفادني احدهم أن “بن توما” كان من سكان مدينة كركوك وقد أقام احتفالا في احد الايام بمناسبة حصوله على درجة ” نصير ” في صفوف حزب البعث العراقي. في اليوم التالي اتصلت ب”بن توما” وطلبت منه ان يأتي الى غرفة الطعام اثناء فترة الغداء لاني اريد ان اقول له شيئا ما، وفعلا ذهبت في ذلك الوقت الى غرفة الطعام، فتحت الباب ووجدت مجوعة من العاملين هناك، لا أذكر اي وجه منهم الان، لا أذكر إلا وجه “بن توما” وهو يتناول طعامه، وجهت اصبعي نحوه وسألته ” ألم تقيم انت في مدينة كركوك (العراقية) حفلاً خاصاً وذلك ابتهاجاً بحصولك على درجة “نصير” في صفوف حزب البعث العراقي؟” أغلقت باب غرفة الطعام ورجعت لاتوقف قليلا عند احد الزملاء العاملين هناك وبعد فترة وجيزة وصل “بن توما” الى حيث كنت واقفا، جاء وهو يرتجف فأخذ يردد وبصوت يكتنفه الخوف والتوسل والاستجداء بشكل مثير للاشمئزازطالباً مني المحافظة على صمتي فيما يتعلق بهذا الموضوع لانه قد يمس وضعه المهني او قد يؤثر على عمله. هكذا هم هؤلاء النماذج الذين يسعون دوما للسيطرة والتغطرس على الاخرين ما ان يواجهون موقفا يحاصرهم في زاوية ما حتى يندفعون للتوسل والاستجداء الذليل لانقاذ انفسهم ولكنهم يضمرون في نفس الوقت رغبة عنيفة للانتقام ولا يتورعون عن فعل اي شيء للشخص الذي رفع الغطاء عنهم،بحيث تجتمع في شخصيتهم صورتي الجلاد والضحية معاً (مع الاعتذار ل”بودلير”)، صورة الجبان الذي يزحف نحو مصيره مذلولا ورغبته الدائمة للتحول في اول فرصة تسنح له الى صورة المتكبر المتغطرس القاسي، الجلاد. وقبل ان نغادر وكر “بن توما” واشباهه لا بد من الاشارة الى المدى الذي وصل اليه في تعنته وتزمته وتعصبه وذلك من خلال موقفه الذي كان يفتخر به حين يتعلق الامر بالنادي الاجتماعي الاشوري (لا ادري اذا كان هذا هو اسمه الرسمي) والكائن على تقاطع شارعي كلارك وديفان في مدينة شيكاغو، وهو ناد يؤمه افراد الجالية بغض النظر عن انتماءاتهم الدينية والفكرية والقومية، اذ ليس غريباً ان تجد فيه الاشوري المسيحي المتعصب لقوميته او اللبناني المتعصب للطائفة المارونية وربما تجد هناك شخصاً ذو أصول اسماعيلية او شيعية وربما سنّية قادماً من الباكستان، فهذا النادي كما اختبرته شخصيا يفتح ابوابه وقلبه معاً الى كل انسان قادم من اينما كان اصله وفصله باستثناء السيد “بن توما” ليس لأن النادي سيرفضه بل على العكس تماما اي لأن “بن توما” هو الذي يرفض هذا النادي رفضاً مطلقاً على طريقة السلفيين في هذه الايام. ولكن ما الذي يدفع ب”بن توما” الى ان يصرح لي ولغيري ان قدماه الذهبيتان لن تطآن ارض هذا النادي بحجة ان بعض من يرتادونه يتبعون الكنيسة التي كان يحاربها مع رفيقي دربه الشائك، “مارتن ميرزا” و” سرجون مارانو”، ولا يستطيع مشاهدة اي وجه أي فرد ممن يتبعون تلك الكنيسة المغضوب عليها من قبل هذه الزمرة الثلاثية المتعصبة حتى النخاع. ان “بن توما” المتصلب،، المتعنت، المتعصب، الايديولوجي الذي يرفض ان يرى ويقبل بمثل هذا التنوع الذي يعيش في أجوائه داخل الولايات المتحدة الأمريكية هذا التنوع الذي يشكل احد مقومات الشعب الامريكي ومصدراً لا ينضب لعزيمة هذا الشعب واصراره الدائم على التغيير والابداع، ولا يوجد من يشهد على مثل هذ الغنى في التنوع وحيوية التغيير أكثر من ابن أمريكا البار الشاعر ” والت ويتمان” اذ تختزن قصائده هذه الفكرة، العلاقة التي تطور بين الإنسان الفرد والعالم الذي يعيش فيه والذي يجعله يتعرف على ذاته من خلال علاقته بالعالم، من خلال صلته بالاخر الذي يشكل مصدر قوته بل ومصدر احلامه الجميلة. اي على عكس السيد “مارانو” الذي يؤمن ايماناً اعمى انه هو مصدر كل شيء، وعلى عكس المتزمت “بن توما” الذي أعلن قطيعته ورفضه التام بان بان لا يرى نهائيا اي وجه من وجوه هؤلاء الذين يرتادون ذلك النادي رغم ان شقيقه هو احد هؤلاء الوجوه المألوفة ضمن زوارالنادي ، فعند “بن توما” يرتقي هذاالعناد في الموقف الى مستوى مبدأ وجودي لا يمكن التراجع عنه.

.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *