كلمة حول الكذب

فيودور دويستوفسكي

       عاش الكاتب والروائي الروسي فيودور دويستوفسكي بين عامي ١٨٢١ـ ١٨٨١ وكان والده طبيباً يملك ارضا وخدماً يعتنون بها. تخرج من مدرسة المهندسين العسكرية، وبينما كان تولستوي ينهل من مؤلفات جان جاك روسو وستاندال عكف دوستويفسكي على قراءة أعمال جورج ساند، بلزاك، هوفمان، والاشتراكي الفرنسي فورييه. روايته الاولى “المساكين” التي صدرت عام ١٨٤٦ حيث الشخصية الرئيسية كاتب يقوم بالنسخ على غرار أكاكي أكاكيفيتش في قصة “المعطف” ل “غوغول”. كان دويستوفسكي حينها يتردد على حلقة بيتراشيفسكي التي كان يقودها ميخائيل بيتراشيفسكي احد اتباع الطوباوي الاشتراكي الفرنسي ” شارل فورييه” وكانت تضم كتابا واساتذة وطلابا بالاضافة الى موظفين حكوميين صغار وضباط من الجيش ورغم اختلافهم في وجهات نظرهم السياسية فقد اتفقوا جميعا ضد الاوتوقراطية القيصرية ونظام القنانة الروسي. واثر الثورات التي اجتاحت اوروبا في عام ١٨٤٨ قامت السلطات القيصرية باعتقالاعضاء الحلقة وكان دوستويفسكي من بين الذين حكم عليهم بالاعدام رمياً بالرصاص ولكن وبينما كان الحرس على وشك تنفيذ الحكم وصل أمر بتبديل العقوبة الى السجن ٤ سنوات مع الاشغال الشاقة في سيبيريا حيث اخذت نوبات الصرع التي بدأت تنتابه في عام ١٨٣٩ تزداد وتيرة وحدة. زار دويستوفسكي اروبا الغربية حيث ادمن على المقامرة مما وضعه في حالة الافلاس المالي.

ترجمت أعماله الى معظم لغات العالم وتركت أثراً كبيرافي مجالات الادب والفكر ولقد كان همّه الاساسي هو التركيز على الحالة النفسية والاجتماعية التي يعيشها ابطاله فالحدث او تسلسل الأحداث في أعماله الادبية ليست سوى الشرط الخارجي من اجل الكشف عن العالم الداخلي والنفسي المتحول لتلك الشخصيات.

فيدور دوستويفسكي

كلمة حول الكذب

         لماذا يكذب جميع الناس هنا؟ كلَ واحد منهم يكذب! أنا واثق إن الجميع سيطالبني بالتوقف فوراً عن الاستمرار في هذا الموضوع، وسيصرخون قائلين” اواه! ما هذا الهراء، ليس الجميع يكذب بأية حال! يبدو أن ليس لديك موضوع تتحدث عنه، ولهذا فانت تقوم بعرض مواضيع كهذه لكي تبدو طريقتك مؤثرة منذ الوهلة الأولى.”

لقد كانوا يلومونني دوماً على انني أفتقر الى المواضيع. ولكن المهم الآن إنني مقتنع تماماً بمدى الشمولية التي وصل اليها كذبنا. إن المرء يعيش 50 عاماً مع فكرة ما، يدركها ويشعر بها طوال هذه امدة، ثم فجأة تظهر الفكرة في حالة تجعلها تبدو وكأنها غير مألوفة لديه أبداً.

     في الفترة الأخيرة خطرت لدي فجأة فكرة أذهلتني وهو أنه لا يوجد لدينا نحن هنا في روسيا، وضمن جماعاتنا المثقفة، لا يوجد حتى شخص واحد ليس مدمنا على الكذب، وللدقة يوجد بيننا ناس شرفاء يمارسون الكذب. أنا واثق تماماً أنه ضمن غالبية الأمم الأخرى لا يكذب إلا الأوغاد، وهم يكذبون من أجل الحصول على مكاسب مادية أي لأن لديهم مباشرة نوايا إجرامية. هذا مفهوم، لكن في حالتنا نحن هنا فان أغلب الناس ممن اكتسبوا احترام المجتمع قد يمارسون الكذب دون أي سبب على الإطلاق وبنوايا نبيلة أيضاً، إننا في الغالب نواظب على الكذب من أجل حسن الضيافة. ربما يهدف المرء من وراء ذلك الى تكوين إنطباع جمالي لدى المستمع، أي أن يقدم له إحساساً ممتعا، وبإمكاننا القول إنه كان يكذب حتى وان جاذف بسمعته أمام مستمعيه.

     لنتذكرْ جميعا: من منا، على سبيل المثال، لم يقم بمضاعفة، ولأكثر من عشرين مرَة، عدد الكيلومترات التي قضَاها على صهوة جواده خلال ساعة واحدة، إذا كان ذلك الرقم كافيا ليثير انطباعا بالسرور لدى محدثه، ذلك السرور الذي سيدفعه ليروي لك بدوره قصته عن تلك العربة التي كانت تجرَها الأحصنة والتي استطاعت أن تسبق القطار، والى ما هنالك من هذه الحكايات، مثلاً تلك المرأة التي تتحدث عن كلاب الصيد! أو كيف أن أحد الأشخاص قام بتركيب طقم أسنان صناعي جديد أثناء وجوده في باريس؟ أو أن تنقل لمحدثيك قصصا عن كيفية شفاء الناس على يد المدعو “بوتكين”؟ وبمناسبة الحديث عن المرض، ألم تعيد النظر بعد في كلْ تلك القصص التي تتلوها عن المعجزات التي تشفي الناس والتي بدأت تصدقها بنفسك وأنت في منتصف روايتك (لأن المرء يبدأ بتصديق روايته حين يبلغ منتصفها) وعندما يحلّ وقت النوم ويحين وقت ذهابك للفراش تبدأ باستعادة، وببهجة كبيرة، مشهد مستمعيك وملامح وجوههم الموافقة على كل ما كنت تريد ان تقوله لهم، ثم فجأة تتوقف عن سرد ذكرياتك لتحدث نفسك بعفوية قائلاً “أواه! كم كنت أكذب عليهم؟” غير ان هذا لا يبدو وكأنه مثال مقنع، لأنه لا يوجد ما يقنع الناس أكثر من سماعهم قصصا عن أمراض أصابت شخص ما، في حال ان وجد من يستمع الى الراوي والذي ما إن يبادر الى الحديث يفقد القدرة على الإمتناع عن الكذب. فحين تعود مثلاً من سفرة قضيتها في الخارج وتبدأ بالحديث عن آلاف الأشياء التي شاهدتها هناك” وبعينيك الاثنتين….”؟ لا. .لا سأسحب هذا المثال، لأنه من المستحيل أن يوجد روسي واحد عائد الى الوطن من سفرة الى الخارج ولا يبالغ في وصف ما قد شاهده من أشياء غرييه هناك. وإلا ما الفائدة اذن من جولاته البعيدة تلك؟

خذ العلوم الطبيعية مثلاً! ألم تخوض في مناقشات تتعلق بالعلوم الطبيعية واخرى في قضايا الإفلاس أو الهرب عبر الحدود من قبل أهالي بطرسبرغ وغيرهم، أو من قبل اليهود، رغم أنك لا تفهم أي شيء عن هؤلاء ولا تعرف شيئاً عن العلوم الطبيعية.

     لكن اعذرني-ألم توحي لك بعض تلك النوادر وكأنها قد حصلت معك بالفعل؟ هل من المحتمل أنك حين وصلت الى منتصف الرواية، نسيت فجأة أنك بدأت تتذكر هذه الواقعة والتي باتت تؤكدها ملامح الألم البارزة بوضوح على وجه ذلك الذي كان يصغي الى حكايتك وينصت اليك بإنتباه شديد (ما دام الناس في هذه الحالات، ولا أدري لماذا يفعلون ذلك، ينظر الواحد منهم نحو الآخر بإمعان تصل شدته الى عشرة أضعاف)؟ هل تذكر كيف إنك، ورغمم فقدانك المفاجئ لروحك الفكاهية، واصلت رواية قصتك بشجاعة؟ لهذا حين تدبرت أمر إنهائها على عجل، بادر كلاكما، وبعصبية متسرعة ومتمدنة، الى المصافحة، وابتسم الواحد لللآخر، ثم أنطلق كل واحد مسرعاً باتجاه مضاد للآخر؟ ولهذا مثلا حين اصابتك، وبدون أي سبب واضح، نوبة حادة من التشنج فدفعك شيطان ما لتصرخ في وجه محدثك والذي كان يهرول نازلا الدرج فتسأله عن صحة خالته، أما هو فلم يلتفت اليك اطلاقا ولم يردّ عليك متجاهلا وجودك تماما، ولعلّ هذه الواقعة هي كلّ ما التصق بمخيلتك كمحصلة اجمالية لما حدث لك حينها.

     باختصار، اذا أنكر شخص ما كل ما سبق وذكرناه ولم يقم بالربط بين تلك الشائعات عند الحديث عن “بوتكين” أو تلك الكذبة عن “اليهود” أو انه لم يصرخ بأعلى صوته حين تطرق الى ذكر صحة خالته أثناء صعوده على الدرج، أو نفى حصول أي شيء من ذلك القبيل-فلن أصدق ذلك! لكوني أعرف تماما ان الروسي الذي يكذب ثم يعيد ويكرر كذبته فهو يفعل ذلك تلقائيا دون ان يلاحظ هو نفسه ذلك، لكي لا يدرك أي من المستمعين انه يكذب. اذ بعد ان يطلق الشخص الروسي أول كذبة ناجحة له سيقوم بذكر الشائعات والنوادر في سياق وقائع حياته الشخصية التي لا يمكن الشك بها.

ان المجاملة المتبادلة من خلال الكذب تعتبر الشرط الضروري لحياة المجتمع الروسي في كافة نشاطاته، سواء جرى ذلك اثناء الاجتماعات او خلال السهرات الليلية، داخل النوادي الاجتماعية ام ضمن الهيئات العلمية والى ما هنالك.

وبالرغم من ان مجمل هذا الكذب هو من الصنف البريء، غير انه يشير أيضاً الى توجهات أساسية في سلوكنا لدرجة انها تكشف لنا عن ملامح عامة نتصف بها. فعلى سبيل المثال: أولاً، نحن الروس وقبل كل شيء آخر، شعب يخشى الحقيقة أو على الأقل نعتبر الحقيقة عنصراً مثيراً للقلق ضمن علاقاتنا مع بعضنا البعض، نعتبر الحقيقة شيئاً عادياً، مبتذلا، مسألة غير شاعرية، مسألة تافهة، ولهذا نحاول ان نتجنبها دوماً، ولذلك جعلنا من الحقيقة في آخر المطاف أكثر القضايا استثنائية وندرة في عالمنا الروسي وكأننا نسينا تماماً البديهية التي تعلمنا ان الحقيقة هي أكثر القضايا شاعرية في العالم. انها اكثر من ذلك. . . ان الحقيقة هي اكثر روعة من قدرة الذهن البشري على اختلاق القضايا وادراكها.

تمتاز الحقيقة في روسيا بكونها تمتلك بثبات مزايا رائعة. فالناس هنا تمكنوا في الواقع من تحويل كل الأكاذيب التي يمكن ان يبتكرها الذهن البشري الى قضية تتجاوز نطاق الحقيقة نفسها، الى قضية تسود العالم. منذ قرون والحقيقة تقبع أمام أنظار الرمس ومداركهم غير انهم لا يريدونها ولا يأبهون لها بل كل ما يبحثون عنه ويلاحقونه هو القصص المختلقة فقط لأنها تعبير عن كل ما هو خيالي وطوباوي. ويبدو ان كل هذا الركام من الكذب الروسي ان دلّ على شيء فهو يشير الى كوننا، نحن الروس، شعب يخجل من نفسه، فكلّ واحد بيننا يحمل في داخله خجل فطري من نفسه ومن ملامحه. فمنذ اللحظة التي يجد فيها الروس انهم يلتقون ويجتمعون مع بعضهم البعض يبادرون فوراً، ومهما كلّف الامر، الى الظهور بمظهر يختلف كلياً عن حقيقتهم، كل واحد منهم يسرع لانتحال شخصية مختلفة. حتى ان الناقد الادبي “هيرتزن” كان قد ألمح ان الروس الذين يسافرون الى خارج البلاد لا يعرفون كيف يتصرفون ضمن المجتمع. فهم يتحدثون بأصوات مرتفعة وعالية وحينما يكون الصمت والهدوء مخيماً على الآخرين، كما انهم ينطقون كلّ كلمة بطريقة مصطنعة ومفتعلة بعيدة عن التهذيب. وما ذكره “هيرتزن” صحيح تماما: في البدء نلاحظ التواء في الحديث، كذبة ما، يتبعه مغص مؤلم وحينها تبرز الحاجة للخجل من كل ما هو واقعي وحقيقي في الحياة، تبرز الحاجة لكي يخفي المرء حقيقة وجهه، الوجه الذي وهبه الله لكل شخص روسي وهو يقوم الآن بتبديله بوجه أجنبي بقدر المستطاع

وهذا التزييف يجري لأن القناعة المترسخة عند كل روسي تشير الى ان وجهه الخاص الذي ولد به هو بالضرورة وجه تافه، وجه كرتوني مخجل. وإذا تبنّى وجهاً فرنسياً أو بريطانياً، على سبيل المثال، فسيحوذ من خلاله على شيء من الاحترام بالإضافة الى صعوبة التعرّف عليه بوجهه الجديد هذا.

     وبهذا الخصوص أود ان أقدم ملاحظه تعبر عن حالة نمطية مميّزة: وهي ان ضيق الافق هذا، التافه والبائس، الذي يدفع الانسان لكي يخجل من نفسه ويدفعه نحو الرغبة الحقيرة لنكران الذات هو في أغلب الأحوال سلوك غير واع، انه سلوك متشنّج لا يمكن قهره. رغم ذلك فان الروس، حتى أشدهم حماساً لنفي الذات، لا يعترفون بتفاهتهم بل ويطالبون ان يكونوا موضع احترام الآخرين. ان لسان حال الروسي يقول:” انا مثل البريطاني تماماً، لهذا يجب ان انال احترام الجميع ما دام الجميع يحترمون الأنكليز”.

     لقد استطاع مجتمعنا ان يصوغ حالته النمطية هذه، خلال مائتي عام من تاريخه، على المبدأ القائل:” يتحتم على كل شخص ان لا يعبر عن حقيقته ابداً، بل يجب عليه ان يتلبس شخصية أخرى ويضع لنفسه وجهاً آخر بعد التخلص من وجهه الحقيقي. وعليه ان يخجل من ذاته الحقيقية وان لا يعبر عن تلك الذات مطلقاً.”

لا يوجد في العالم شخص الماني او فرنسي او إنكليزي يخجل من نفسه أثناء لقائه الآخرين الا إذا كان قد ارتكب معصية ما. الروسي يدرك تماما انه لا يوجد إنكليزي من هذا الطراز، والمثقف الروسي يدرك ايضاً ان المسألة الجوهرية في احترام الذات لا تكمن في الخجل من الذات، ولعل هذا هو السبب الذي يجعل المثقف الروسي يستعجل انتحال شخصية الفرنسي او الإنكليزي، أي حتى يتم قبوله والاعتراف به باعتباره شخصا غير مصاب بمرض الخجل من الذات.

     مهما تغيرت الأحوال واختلفت الظروف فان الروسي من الطراز المثقف او المتعلم لن يتخلى ابدا اثناء اختلاطه بالمجتمع عن فكرة انه كائن ذكي، فمسألة ذكائه هي نقطة أساسية لا يمكنه التخلي عنها، اذ لا يمكنه التخلي عن رغبة أساسية لديه وهي الظهور بمظهر الذكي، وحقيقة الامر ان رغبة الروسي ليست في ان يظهر باعتبار انه أكثر ذكاء او مهارة من غيره بل فقط ليدل على انه ليس أكثر حماقة او غباء من غيره، ان كل ما يريد ان يقوله للآخرين:” هيّا، اعترفوا أنى لست أكثر غباء من أي شخص آخر لأقرّ لكم في المقابل بذات الشيء.”

     هنا نجد أيضا اعترافاً متبادلاً بالجميل، اذ كما هو معروف، فان الروسي ينحني امام الأوروبي بسرعة وسرور ولكنه وفي نفس الوقت يرفض الاعتراف انه اكثر غباء من ذلك العبقري الذي انحنى له قبل قليل ، معللا ذلك بالقول:” وانا كذلك اعتبر نفسي شخصاً ما” هكذا يتراء بالضرورة لكل روسي حتى وان كان شخصاً بائساً او وغداًحقيراً. يمتلك الروسي احساس مزمن بالطموح الخامل الذي لا يمكن تبريره باي شكل من الاشكال. بكلمة أخرى، ان الروسي الذي ينتمي الى الطبقات العليا سوف لن يصل ، وتحت اي ظرف كان، الى مستوى كاف ليجعل منه تجسيدا للكرامة البشرية، اي الى المستوى الذي يملي على المرء ان يقرّ بأنه أكثر غباءً من شخص آخرحين يكون هذا الاخيرفي الواقع اكثر ذكاءً، ولا أدري اذاكان هناك أي استثناء لهذا الاعتبار.

     عند هذا المنعطف تنشأ ظاهرة يمكن ملاحظتها وهي تسكن فقط داخل شخصية الروسي الذي ينتمي الى الفئات المتعلمة، فحالما تشعر تلك الشخصية انها موجودة بين الجماهير ينتابها احساس قوي بقدرة ذكائها بل و يزول اي شك لديها بكونها متفوقة حقاً في مجال المعرفة حين يتعلق الامر بسعة اطلاعها. ولا يحصل بالطبع هذا الامر مع تلك الشخصية إلّا بوجود الغرباء وضمن التجمعات البشرية، بينما لا يهتمون اطلاقا أثناء وجودهم داخل بيزتهم بقضايا تتعلق بسعة اطلاعهم أوعمق معرفتهم.

   منذ مدة قصيرة وبينما كنت جالساً داخل احدى عربات القطار، تسنى لي الاستماع خلال الرحلة التي دامت حوالي ساعتين الى محاضرة كاملة عن موضوع اللغات الكلاسيكية. كان هناك شخص يتكلم والبقية في حالة اصغاء تام، وهذا المتحدث المجهول من قبل الركاب كان رجلاً في متوسط العمروتطغي غليه ملامح شخص متحفظ وله هيبة ، وكان يلقي كلماته ببطئ واتزان مما اثار انتباه الحضور، ليس من خلال ما تفوه به من أقوال، بل لأن كلماته كانت تشير الى انها المرة الاولى التي فكر فيها على هذا النحومما جعله خطاباً مذهلاً حقاً. لقد شدّد بحدة على رفضه موضوع تعليم المناهج الكلاسيكسة وجعلها منهاجاً في مدارسنا، ووصف هذه العملية بانها “كارثة حمقاء” وربما كان هذا من أكثر التعابير حدة التي سمح لنفسه باستخدامها في معرض خطابه. لقد كان لكلامه داخل مقطورة القطار التي كنا جالسين فيهامفعولا مذهلا فقد شكره العديد من الحاضرين ولاسيما النساء على كل ما قدمه، وانا واثق انه غادرنا وهو يحمل في داخله اكبر تقدير لنفسه.

     في هذه الأيام تختلف طبيعة الأحاديث التي تجري ضمن الاماكن العامة (أكانت تلك الأحاديث تدور داخل عربات القطار أم في أي مكان آخر)   بالمقارنة مع الأحاديث التي كانت متداولة في الأيام الخوالي، فالناس الآن تواقون للاستماع الى كل ما هو جديد وهم متعطشون لرؤية مدرسين متخصصين في المواضيع الاجتماعية والسياسية، صحيح ان احاديثنا نشأت بشكل عفوي ودون بذل أي جهد يذكر من أجل اغنائها، فكلهم يقفون اليوم في حالة تردد طويلة الأمد قبل ان يقرروا انه من الضروري المبادرة والانخراط في الكلام ومباشرة الحديث، ولكنهم ما ان يباشروا في حديثهم حتى ينتابهم انفعال شديد لدرجة تدفع المرء الى الاسراع بتهدئتهم. الأحاديث تتميز بنوع من التحفظ والثبات اوتكون متوجسة ومتعالية تدور حول مبادلات البورصة او المواضيع المتعلقة بالحكومة وهي عادة ما تكون وجهة نظر مزيفة تتظاهر بالسرية وتدعي معرفة خفايا الامورالتي يجهلها عامة الناس، أي الناس العاديين الذين تراهم وهم يصغون وبكل وداعة الى تلك الاحاديث ثم يبدون احتراما خاصا لاصحابها فيزيد هذا من غرورهؤلاء الخطباء الذين يندفعون في التمادي والمبالغة في سلوكهم فتطغي عليهم مظاهر التعالي والترفع. ويقودنا كل هذا الى استنتاج منطقي وهو ان فئة قليلةجداً منهم يصدق افرادها واحدهم الآخر، ولكن كقاعدة عامة يمكن القول ان الجميع في النهاية ينصرف باطمئنان وبشيء من الامتنان.

    ان المشكلة في انجاز رحلة ممتعة او سفرة سعيدة عن طريق القطارتكمن في القدرة على جعل الآخرين يكذبون ثم جعلهم يصدقون اكبر قدر منها، وعند ذلك تستطيع ان تمنح لنفسك انت ايضاً فرصة ان تقول كذبتك المعبرة لتصبح الفائدة متبادلة تماماً.

     رغم كل ذلك لا بد لي من التنويه واعادة التأكيد ان هناك قضايا راهنة وملحة تستحوذ على المواضيع التي تجري حولها النقاشات من قبل عامة الناس والتي ليس الغرض منها الاستمتاع وتقضية الوقت. أكرر مرة أخرى: هؤلاء الناس متلهفون للمعرفة ولتلقي كل ما من شأنه ان يوضح لهم قضايا العصر الشائكة وهم تواقون، وخاصة النساء والامهات لرؤية وجود الأساتذة والمعلمين وبهذا الخصوص لا بد ان يشير المرء الى انه وبالرغم من كل حب الاستطلاع والرغبة الجامحة للحصول على المشرفين الاجتماعيين والمرشدين فان هؤلاء الناس يسهل ارضائهم بسهولة وبطرق غير متوقعة ، فهم يصدقون كل شيء يقال لهم لأن نفوسهم وعقولهم تخلو تماما من اي اعداد أو تحتير مسبق.

     بامكان المرء ان يجزم ايجاباً ان أي ثرثارعابر يستطيع وبقليل من اللباقة المعتادة ان يكسب ويقنع هؤلاء الذين يصغون اليه في أية قضية يختارها هو حاصداً بعد ختام حديثه امتنان الجميع واحترامهم وتقديرهم.

     لقد حصل لي مؤخراً، في مناسبة اخرى،وداخل احدى مركبات القطار ايضاً ان سمعت اطروحة كاملة عن الالحاد من قبل خطيب مفوه يمتاز بمركزه الاجتماعي ونشاطه في مجال العلوم الهندسية، كانت هيئته كئيبة ويمتلكه عطش مرَضيْ حاد لرؤية مستمعين يصغون اليه، ولقد باشر حديثه بالكلام عن الأديرة. وفي الحقيقة لم يكن يفقه البتة عن القضايا التي تحيط بمشاكل الديراطلاقاً. لقد اعتبر ان وجود الأديرة هي قضية لا يمكن فصلها عن المسلمات التي يطرحها الايمان ثم تابع متخيلاً ان الأديرة جميعها يتم صيانتها من قبل الدولة وهي بالتالي عبء على القيصرناسياً ان الرهبان يشكلون تجمعاً طوعياً لأفراده مثلهم مثل اي اتحاد آخر، ولكنه كان يصرّ، وتحت شعار الليبرالية، على ازالة هذه الأديرة لأنها تشكل مؤسسات استبدادية. لقد انتهى به الأمر الى اعلان الحاده المطلق واللامحدود على اسس من العلوم الطبيعية والرياضيات مستشهداً بهما عدة مرات في سياق حديثه ولكن دون ان يقدم أثناء ذلك واقعة واحدة تستند على هذين المجالين العلميين. لقد بقي هذا الرجل المتكلم الوحيد في حين استمر الآخرون في حالة من الاصغاء التام. “سأعلم ولدي ليكون رجلاً صادقا…هذا كل ما في الامر،” هكذا كان يردد استنتاجه الذي خلص اليه وقد اقتنع ان الأفعال الطيبة والأخلاق الحسنة والأمانة هي صفات ممنوحة أو موهوبة للإنسان وهي بالاضافة الى ذلك مطلقة ايضاً أي انها لا تعتمد على أي شيء آخر سواها، كشيء موجود داخل جيب المرء يسهل الوصول اليه دون اية معاناة. لقد حاز هذا الشخص على نجاح باهر أمام هؤلاء الناس الذين كان بينهم ضباطاً ورجال كبار السن ، وسيدات وفتيان. لقد شكره كل هؤلاء الناس بامتنان حار للمتعة والسعادة التي استطاع ان يوفرها لهم. ومن المؤكد انه غادرهم وفي نفسه شعور غير عادي بالفخر، ولعل هذا الإحترام لنفسه والذي يشعر به بقوة الآن هو كل ما يحيّرني . اذ كلنا يعرف ان هناك الكثير من الحمقاء والثرثارين ولكن هذا السيد المحترم لم يكن أحمقاً أو مخادعاً خسيساً، بل قد يكون رجلاً صادقا وابّا صالحاً رغم انه لم يكن يفقه أي شيء عن القضايا التي طرحها ناهيك عن ايجاد الحلول لها وهل من المعقول ان لا يخطر على باله مثل هذا الأمر،” أيها الصديق، ايفان فاسيلييفيش(أو مهما كان الاسم الذي يحمله) لقد كنت تجادل حتى الآن ولكنك في الحقيقة لم تكن تفهم شيئاً عن المسائل التي كنت تناقشها وانت تعلم هذا تماما اكثر من اي شخص آخر. لقد اشرت مراراً الى العلوم الطبيعية ثم الى الرياضيات رغم انك تعرف اكثر من اي شخص آخر انك قد نسيت منذ زمن بعيد كل ما تعلمته من رياضيات شحيحة وهزيلة لم تتمكن حينئذ من استيعابها داخل المدرسة الفنية التي كنت تداوم فيها، اما فيما يتعلق بالعلوم الطبيعية فانت في الحقيقة لم يكن لديك اي مفهوم صحيح عنها. السؤال الآن هو : لماذا زجيت بنفسك وغامرت في الحديث عن هذه المواضيع؟ حقاً، لقد كنت تدرك تماما انك كنت تكذب، وكنت تشعر بالفخر والزهو بنفسك! ألست تخجل من نفسك ايها الرجل؟”

     انا على ثقة تامة انه لم يطرح على نفسه ابداً اسئلة كهذه، ربما لكثرة انشغاله، ولم يتوفر لديه الوقت للتساؤل حول هذه التفاهات. ولكنني متأكد تماما ان مثل هذه الاسئلة قد تكون مرت، ولو مرور الكرام، داخل ذهنه. غير ان هذا الرجل لم يشعر بالخجل او الخزي اطلاقاً. ان هذا النوع من الخداع لدى الفئة المتعلمة من الروس تبدو بالنسبة لي ظاهرة مهمة. لماذا تبدو هذه الظاهرة وكأنها مسألة عادية جداًبالنسبة لنا ، كيف اعتدنا عليها حتى صارت امراً مألوفاً لنا؟ ولكنها مع ذلك تبقى حقيقة مذهلة واستثنائية. انها تشكل شهادة على اللامبالاة التي يحكم بها المرء على ضميره الشخصي، او بعبارة اخرى تشكل شهادة على مدى الاحتقار الشديد الذي يكنّه ذلك المرء لنفسه حين يطغي اليأس ويفقد المرء كل امل بالوصول الى أي فائدة ترجى للشعب من قبل مثل هؤلاء الافراد…. أي الجمهور، ونعني بالجمهور ذلك المظهر الأوروبي، المظهر الخارجي، ذلك القانون الذي صاغته أوروبا مرة واحدة والى الابد…. هذا الجمهور له تأثير مدمر على كل روسي: فالروسي حين يكون بين الجماهير يتحول الى أوروبي، يتحول الى مواطن مدني…..الى فارس…الى جمهوري صاحب ضمير، له رأي خاص به.

                                                                                                تعريب: “يونادم”

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *