مارّين لترويض اليأس واختراع الضوء

بقلم ياسين الحاج صالح

1

ليس هناك سؤال في أننا اليوم في أزمة معقدة وعميقة. لكني موزع النفس بين تصورين لهذه الأزمة. تصور عقلاني، يميل إلى شرحها بلغة العلوم الاجتماعية (الاقتصاد والسياسة والسوسيولوجيا والجغرافيا السياسية…)، وإلى اقتراح معالجات عقلانية بدورها من نوع الإصلاح السياسي والحريات العامة والنمو الاقتصادي والعدالة الاجتماعية والإصلاح التعليمي وما إلى ذلك. وهناك تصور آخر، “غير عقلاني”، يقدِّر بالأحرى أننا في أزمة ثقافية أساسية، بالمعنى الواسع لكلمة ثقافة، أي حين تحيل الكلمة على مجمل النظام الاجتماعي وأسسه الفكرية والقيمية والتنظيمية، والسياسية. لأزمة كهذه، ليس ثمة معالجات عقلانية وتخصصية، بل معالجات تأسيسية، تشمل إعادة هيكلة جذرية لميراثنا الثقافي، والديني منه بخاصة، في اتجاه تشكّل نظام ثقافي جديد ووعي جديد. الأزمة تحديداً، أزمة الإسلام كثقافة تاريخية وكدين وكحركات سياسية، ولا أرى الخروج منها ممكنا من دون استكمال نوع السيادة السياسية والعقلية من الإسلام، وتحويله نهائيا إلى دين، يتحرك بحرية في نطاقي الخاص ودون العام. نحن هنا اليوم، في قلب أزمة الإسلام.

أجد تعبير “أزمة قربانية” أو “ذبائحية” (رينه جيرار، في “العنف والمقدس”) مناسبا لتسمية الأزمة الأساسية، والإيحاء بعمقها وجذريتها. تتمثل الأزمة القربانية في انحلال الثقافة كنظام فوارق واختلافات وتمايزات، واختلاط كل الأشياء والقيم، وتفكك كل إجماع ممكن، واحتدام الانفعالات واضطراب النفوس جميعا وتشوش الأذهان. العنف المنفلت والواسع سمة جوهرية للأزمة القربانية، بقدر ما إن هذه تعني أصلاً تفكك القواعد والضوابط التي تمنع سيلان العنف في المجتمع.

في ظل أزمة كهذه، تختلط الدولة بالدين والدين بالعلم والعلم بالتقليد والقانون بالإكراه والأمن بالخوف والإيمان بالامتثال والمقدس بالمبتذل والأخلاق بالرياء والأخ بالعدو والمثقف بالمهرج والسياسي بالقاتل والطارئ بالدائم والحاكم بالجزار. ولا يتميز قديس من مجرم، وبطل من سفاح، وعظيم من وضيع …، ولا ماض من حاضر، أو داخل من خارج. خاووسٌ شامل بلا نظام ولا جهات ولا مركز ولا نقاط علام ولا خرائط. ولا عدالة.

على رغم أن تصورَي الأزمة هذين متعارضان، أميل إلى وجوب الاحتفاظ بهما معا، وتطويرهما معا.

يبدو لي أننا نعرف الآن صيغة منحطة عن كلٍّ من المقاربتين، العقلانية والأساسية. المقاربة العقلانية تنحطّ إلى وصفات شكلية، متنازعة في ما بينها، لكنها تتشارك في كونها فقيرة معرفيا ومعدومة الخيال. وهي تحيل على الإيديولوجيات المتداولة: الديموقراطية، الاشتراكية، العلمانية، القومية، الإسلامية… إلخ. أما المقاربة الأساسية فتنحطّ إلى منهج ماهوي، يفسر التاريخ بالطبائع والماهيات، أي بالثقافة وحدها، مقلّصةً إلى الدين، مقلّصاً إلى الإسلام، مع توظيف سياسي محافظ لهذا المنهج التفسيري الرث. المقاربة الأولى تخفق في شرح الواقع، لذلك تتخبط وتدور حول نفسها دونما تقدم. والمقاربة الثانية تخفق في اقتراح مخارج عملية منه. لذلك هي مأزومة ومتشائمة. ولذلك تنضوي تحت جناح الأقوياء.

2

يخيفني النضال من أجل نشر الخوف وتعميمه. بخاصة مثابرة الحكومات على نشر الخوف، بمشاركة نشطة من مثقفين، يجتهدون أيضا في نشر التشاؤم. الطرفان شريكان في نشر الجهل وحراسته، جهل الناس لواقعهم، وجهلهم لبعضهم، وتالياً انعزالهم عن بعضهم وانعدام الثقة في ما بينهم. الخوف هو البيئة النفسية المناسبة لانتشار الهستيريا والخرافات والفاشية. الغرض من نشره دفع الناس إلى التماس الأمن من الأقوى، أي تلك الوكالات الأمنية الحاكمة التي لا تملك حلولاً لمشكلاتنا، بل التي تمسي هي “الحل” في مناخات الأزمة والتشوش العام والخوف المعمم. ظاهرٌ أن المثقفين الخائفين المخوِّفين، الناشرين للتشاؤم، يرتاحون عموما للحكومات الأشد تسلطية، وترتعد أوصالهم من عامة الناس. هذا مفسد للثقافة وللمثقفين.

لكن لعل هذا كله من مظاهر أزمتنا الثقافية الكبرى.

3

يثير نفوري، أكثر مما يخيفني، نمط المثقف المنتشر اليوم في سوريا والمشرق. أنانيته وقلة إخلاصه، ترفّعه الكاذب على السياسة، وبخاصة تماهيه السهل بالأقوياء، أو بالأصول، حين ينتظر أن يكون المثقف هو اللامتماهي بامتياز: لا يتماهى بأحد، ولا يركن للماهيات، ولا يشرح الواقع المتغير بالهويات الثابتة.

لم يبتعد مثقفون كثيرون عن العمل السياسي قبل نحو جيل إلا كي يمارسوا في الثقافة سياسة أضيق أفقاً وأكثر عصبوية وأقل ديموقراطية، وكي يكافحوا بعناد ضد أي تصور “عقلاني” أكثر تركيباً، أو تصور “غير عقلاني” أكثر تخيلاً. في المحصلة، هم اليوم “مناضلون”، لكن من دون قضية عامة. حين لا يكونون بلا قضايا، فإن قضاياهم حزبية وجزئية، تتشكل حولها عصب وأحزاب ثقافية، تجد نفسها في بيتها في عالم الطوائف والقبائل، من دون أن تكون أوفى من هذه بمطالب الترقي الثقافي والأخلاقي.

المفارقة أن مساهمة هؤلاء “المعنويين” المفترضين متواضعة، في بيان معنى خاووسنا الحالي أو كشف معقوليته. لكن هذا يجعل المثقفين بالذات لا معنى لهم. وهو أيضا مصدر للامعنى في حياتنا العامة والخاصة. اللامعنى الذي هو جوهر أوضاعنا الراهنة في تقديري. نعيش حياة فقيرة بلا معنى، أي بلا ثقافة. بدل المعنى هناك إيديولوجيات، وهناك “حلول”. وهناك طبعا سلطات معصومة. وتقديري أن الإملاق المعنوي، أكثر حتى من العوز المادي ومن الفقر السياسي، هو مبعث الشعور العام بالحصار والبؤس. المشكلة أن أحدا لا يكاد يتساءل عن معنى وضعنا اليوم ومعقوليته. تمادي هذا الشرط، أي أن نتعفن بلا نهاية، هو أكثر ما يقلقني.

4

لديَّ نقطتان في شأن “خواء الحياة الثقافية”. الأولى أن نوعية قراءاتنا وتشخيصاتنا للحال الراهنة، تحول دون ثقافة وفكر وفن أرفع. هذه التشخيصات تبسيطية مبتذلة، تعرف بيقين أين المشكلة، وأين الحل، فلا تخوض صراعا مأسويا ضد واقع فوضوي أعجم، ولا تعمل على توليد معنى من عناء بالغ القسوة، ولا تتملكها الحيرة أمام عالم متاهيّ موحش. المشكلة هنا أو هناك أو هنالك. والحل معروف، مذهبنا أو ديننا أو سلطاننا. ليس الإسلاميون وحدهم من يَعرفون الحل. من ينكرون أن “الإسلام هو الحل”، يفعلون ذلك لأنهم يعرفون حلاًّ آخر، ويتماهون بحلّ آخر، وليس لأنهم متشككون في فكرة الحل أو منحازون لتصور للعالم مفتوح على اللانهاية. ولما كانت الحلول متناقضة، فلا بد أن الآخرين وحلولهم هم المشكلة. فإذا تخلصنا منهم، انحلّت المشكلات وطابت الحياة. هذه هي آلية القربان أو كبش الفداء الملازمة للأزمة القربانية. وليس من المبالغة القول إن أكثر ثقافتنا العالمة بالذات ترتدّ إلى آلية كبش الفداء، من دون وعي منها بذلك.

لكن هذا يثمر إيديولوجيات، وليس ثقافة. ويُحوِّل المثقفين وكلاء لهذه الإيديولوجيات، و”مناضلين” في خدمتها.

النقطة الثانية، تعلّق على ذيل السؤال: “هل لا تزال مقولة الأنظمة الديكتاتورية والقمعية كافية لتبرير هذا الخواء؟”. في رأيي، ليس من الصواب في شيء التحول من تفسير مشكلاتنا كلها بديكتاتورية الأنظمة (هذا انحطاط للطرح الديموقراطي، العقلاني) إلى إغفال هذا البعد الرئيسي من أبعاد الواقع. النظام في كثير من بلداننا مضخة هائلة، مستقرة مستمرة، للانظام والفوضى والتبديد والوحشية. ويسير التحول المطرد نحو الحكم العائلي في بعض بلداننا التي لم يكن الحكم فيها عائليا مع الطابع الطغموي للحاكمين. طغم مليارديرية، تحبّ المال حباً جماً، ولا ترضى بأقل من الحكم مدى الحياة. يمكن بسهولة إيراد حكايات صغيرة وكبيرة تدلّ على الخراب المهول الذي تلحقه هذه الطغم ببلدانها. الانتخابات البرلمانية المصرية الأخيرة تشهد على الدور التدميري الرهيب لنظام حاكم، نعرف أيضا أنه يوقف البلاد منذ سنوات على قدم واحدة كي يورّث الحاكم الثمانيني ابنه حكم البلاد. هذا يحكم على إغفال دور “الأنظمة الديكتاتورية والقمعية” في أوضاعنا العامة (إغفال يغري عددا متزايدا من المثقفين) بأن يكون عملاً غير مسؤول، سياسيا وفكريا وأخلاقيا، وليس فقط خطأ معرفيا. علماً أن تلك الطغم ناجحة عموما في تسويق نفسها عالميا، وفي تخويف أقوياء العالم من محكوميها المتوحشين، وفي نيل استحسانهم العام لدورها. وهي تجد في ازدهار الرجعية العالمية، وقد ساهمنا فيها بالأصولية الإسلامية العنيفة وبتلك الطغم القاتلة ذاتها، مناخاً مناسبا لدوامها.

5

تقديري أن أزمتنا القربانية مستمرة لعقود أخرى. وأنها إن كانت محنة قاسية من وجه، فإنها فرصة واعدة في وجه آخر. الأمر يتعلق بشجاعتنا وصبرنا واجتهادنا. السؤال هنا: هل يمكن الثقافة أن تُشرِّف هذا البؤس العميم ببضع أفكار عظيمة؟ باختراقات فكرية أو فنية كبرى؟ هذا هو “المعنى” الذي من شأنه أن يشهد على عنائنا المطلق الحالي ويبثّ فيه روحا، ويستخرج منه أملاً وحرية. وهو وحده ما يمكن أن يكون “كوة ضوء” في جدار ظلمتنا.

العقبة الكبرى أمام اختراقات مأمولة كهذه، هي في تقديري “الحلول” الوفيرة التي لا يكفّ عن تزكيتها والتنويه بها سحرة متنوعون، إسلاميون وحداثيون. الحلول هذه منفذنا إلى الغيب أو الميتافيزيقا في تقديري، وتاليا إلى الوكالة في الوجود والتاريخ، وإلى اللامسؤولية في الأخلاق والمعرفة، وليس إلى الأصالة ولا إلى التقدم. يجدر بالمثقف حيال هذا الركام، أن يكون كنّاساً بارعاً، يعهد لنفسه تكنيس الحلول، والوقوف أخيرا أمام المشكلة وجهاً لوجه. هذه مهمة هرقلية في الواقع. فما في ثقافتنا وأذهاننا من أشلاء الحلول المتفسخة يفوق ما في زرائب أوجياس من مخلّفات خيوله.

6

قطارنا ليس على السكّة. واقتراحاتي ليست عملية:

أولا، قدر أكبر من الانضباط النفسي والفكري من جهة المثقفين. إن لم تكن الشجاعة، فعلى الأقل الامتناع عن الاشتغال في خدمة الخوف والتطوع في نشره. وإن لم يكن ضبط النفس، فعلى الأقل عدم اعتبار الغاضب المهستر مثلاً أعلى. وإن لم يكن التفاؤل، فأقلّه التوقف عن النضال من أجل التشاؤم. وإن لم يكن الدعوة إلى الثقة والاحترام بين الناس، فعلى الأقل الكفّ عن نشر الكراهية والأحقاد. إن لم يكن التضامن مع الضعفاء، فلا أقلّ من عدم التضامن مع الأقوياء. وإن لم يكن العدل، فلا أقلّ من عدم المشاركة في الجور والاعوجاج.

وثانيا، التزام شرح عقلاني مركّب للاعقل الحالي. العمل على استخلاص معنى عام منه، أو إنتاج معنى عام يضاف إليه.

أخيرا، يبدو لي أنه لا بد من الصراع على جبهتين مستقلتين. مواجهة الخاووس وعماء أنفسنا والعالم من جهة، ومن جهة أخرى المشاركة في الكفاح من أجل الحرية والعدالة والدفاع عن الأكثر حرمانا والأدنى حصانة والعمل من أجل المساواة، هنا والآن. تتطلب مواجهة الخاووس كثيراً من الخيال والشجاعة والجذرية واتساع الأفق، فيما يلزم من أجل العدل، الشجاعة والواقعية والدأب، والعدل. ليس لأننا في أزمة ثقافية أساسية، ندير ظهرنا للمشكلات العملية المتصلة بالحريات العامة، والتضامن مع الشركاء، والدفاع عن الأكثر حرماناً والأدنى حصانة. وليس لأن هناك مشكلات واقعية، اجتماعية وسياسية، نغفل أزمتنا الأساسية ودنيا الثقافة. ليس هناك حلول سياسية لمشكلة أساسية. لكن أيضا ليس هناك حلول ثقافية أو أساسية لمشكلات سياسية. الثقافة لا تشبع من جوع ولا تؤمن من خوف ¶

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *