كيفية تنفيذ جريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري

قتل رفيق الحريري، رئيس وزراء لبنان السابق، مع ٢١ آخرين في عام ٢٠٠٥، وذلك حين انفجرت شاحنة ملغومة قرب موكبه

١. أحمد أبو عدس  

كان عام ٢٠٠٥  هو الأخير في حياة أحمد أبو عدس البالغ من العمر٢٢ عاماً والذي كان حينئذ لا يزال يعيش مع والديه في بيروت، لبنان. وقد ذكر أصدقاؤه للمحققين في وقت لاحق انه كان شخصاً طيباً ويحب الناس، ووصفوه  أيضاً بكونه شخصاً متمرساً للغاية. وأضاف احدهم ان أفضل كلمة لوصفه هي انه كان بسيطاً جداً، وسخيّا وساذجاً الى حد ما، وذو بنية جسدية ضعيفة،  وهو مسلم سني من أصل فلسطيني، وازداد اهتمام ”عدس” بالدين وصار يقضي ساعات طويلة في مسجد الجامعة العربية القريب من منزله. وبعد انتهاء احدى جلسات الصلاة، حدث ان اقترب منه رجل وقال ان اسمه “محمد” وانه شخص مسلم، لكن والديه توفيا حين كان صغيرا، فنشأ وترعرع في دار الأيتام المسيحية، وهو يريد الآن العودة إلى الإسلام، وان يتعلم كيفية الصلاة، ويرغب بالزواج من امرأة مسلمة. ثم سأل فيما اذا كان “ عدس “ يستطيع مساعدته، فردّ  “عدس “ بالايجاب، وأصبح الرجلان صديقين.

فى ١٥ يناير ٢٠٠٥ اتصل  محمد  وقال لعدس انه يحمل له مفاجأة وما عليه إلا القدوم لرؤيتها٫ وفي صباح اليوم التالي توقفت سيارة أمام منزل عدس الـذي ما لبث ان استقلها فوراً بعد ان اخبر والديه انه سيعود قريبا لمساعدتهم في تنظيف السجاد، كماكان قد وعدهم سابقاً وهكذا غادر عدس المنزل دون ان يأخذ اي شيء معه. بعد يوم واحد، اتصل محمد بعائلة عدس ليخبرهم ان ابنهم على وشك السفر الى العراق والمح ان الغرض من الرحلة هو الانضمام إلى المقاتلين السنة هناك. وان عدس لن يستطيع رؤيتهم بعد الآن.

وبعد أربعة أسابيع، في ١٤ فبراير ٢٠٠٥، الساعة ١٢:٥٥ مساء، وقع انفجار أمام فندق السان جورج هز وسط بيروت، ومدمرا قافلة من المركبات التي كانت تحمل رئيس وزراء لبنان السابق (وربما القادم)، رفيق الحريري، مما أدى إلى استشهاده مع ثمانية أعضاء من الوفد المرافق له بالاضافة الى ١٣ شخصاً من المارة.

بعد وقت قصير من الانفجار، اتصل شخص مجهول ادّعى انه يمثل “النصرة والجهاد في بلاد الشام”، وهي منظمة غير معروفة سابقا، وقال لمراسل في شركة قناة الجزيرة في بيروت أن هناك شريط فيديو من الانتحاري يوجد معلقاً على شجرة في ساحة رياض الصلح، على بعد أمتار من مكان الهجوم، وإذا لم يتم الحصول عليه في غضون ١٥ دقيقة، فسيختفي الشريط. وتمكن أحد الفنيين من قناة الجزيرة من استرجاع الشريط، ولكن قناةالجزيرة لم تبث محتوياته على الفور. وفي الساعة ٥:٠٤ اتصل المجهول مرة أخرى وقال للمراسل انه يجب ان يتم بث شريط الفيديو على الفور وإلا فانه “سيندم” وهكذا وبعد فترة وجيزة تم بث الشريط.

لقد شوهد في التسجيل صقر قريش، أحمد أبو عدس، مرتدياً ملابس سوداء وله لحية رياضية وعمامة بيضاء، وهو يقرأ من صفحة ورقية مفتتحاً كلامه باسم الله، ومذكراً ان ما حصل هو للانتقام من “الشهداء الأبرياء الذين قتلوا على يد قوات أمن النظام السعودي الكافر،” وان جماعته تقسم  “بإلحاق العقاب العادل بعميل ذلك النظام وأداته الرخيصة في بلاد الشام، هذا الآثم وصاحب المكاسب غير المشروعة، رفيق الحريري”. وكان قد تم ارفاق خطاب من قبل الحركة المذكورة  والغير معروفة مع الشريط توضح فيه أن الحريري، وهو مسلم سني، كان يجب أن يموت لأنه قد خان اخوانه السنة، وأن عدس، وهو أيضا مسلم سني، كان هو الانتحاري الذي قام بقتله. ولقد روع هذا الاعتراف عائلة عدس ، ولم يصدقوا ما سمعوه.

أرسلت الأمم المتحدة فريقا من الخبراء للمساعدة في التحقيق، فبدأ محللون من هولاندا مختصون في الطب الجنائي بإعادة تجميع ما تبقى من الشاحنة من نوع (ميتسوبيشي سنتر) التي كان يقودها الانتحاري. وتمكنوا من الكشف عن الرقم التصنيعي الخاص بالشاحنة، ( 4D33-J01926 )، وتبين بعد التقصي ان الشاحنة سرقت في اليابان، ثم تم شحنها إلى دولة الإمارات العربية المتحدة وأخيرا، وقبل عملية التفجير، قام تاجر السيارات المستعملة ببيعها في مدينة طرابلس، لبنان، وهي معقل الحركات الإسلامية السنية، وبعض تلك الحركات لها صلات مع تنظيم القاعدة.

ولقد شرح تاجر السيارات لمحققي الأمم المتحدة اثناء مقابلته في طرابلس أن رجلين جاءا إلى متجره، وبعد المساومة تم تخفيض  مبلغ(٢٥٠)  دولارمن السعر وبعدها قام الشخصان بدفع مبلغ (١١٢٥٠ دولار) امن فئة (١٠٠) وفئة (٥٠ دولار)  بعد ان قدموا أسماء وأرقام هواتف وهمية لاستكمال معاملة الشراء. وربما لم تكن مصادفة انهم اختاروا متجرا لبيع السيارات بحيث لا توجد فيه كاميرات للتصوير. وهكذا بات كل شيء واضحا: ان ما حصل هو تفجير انتحاري آخر من قبل الجهاديين السنة.

غير ان المحققين استمروا في حيرتهم، ليس فقط لان دماثة خلق أحمد أبو عدس لا تتناسب وقيامه المفاجئ  بعملية ارتكاب القتل الجماعي. كماأشار الخبراء الذين فحصوا الشريط المسجل لاعتراف ابو عدس الى أن اللهجة وعملية انتاج الملف لا تنسجم مع الأشرطة الجهادية السنية الأخرى. كذلك وجد الباحثون اختلافات حادة بين الشريط والرسالة التي ارفقت مع الشريط، كما لو ان الشخص المعني خشي من أن الشريط، والذي تم انجازه قبل فترة طويلة من وقوع الحادث، لم يكن مقنعابما فيه الكفاية فأراد ان تنفث فيه هذه الرسالة المرفقة شيئاً من الحياة. ثم ان هناك مسألة الوسائط أيضاً، فسائق شاحنة الميتسوبيشي يمتاز بالمهارة كما هو واضح، اذ استطاع الوصول إلى موكب الحريري في وسط بيروت بدقة وتوقيت عاليين رغم حركة المرور الكثيفة. بينما اكدت عائلة عدس وأصدقائه ان عدس لم يقود اية سيارة في حياته بل ليس بمقدوره ركوب دراجة.

وأخيرا، كان هناك مشكلة أدلة الحمض النووي. اذ قام خبراء الادلة الجنائية بجمع مئات من الأجزاء المتناثرة لاجسام الضحايا التي انتشرت في الموقع، وجرى تحديد الكثير منها على أنها تنتمي إلى الحريري، والى أعضاء الوفد المرافق له وللضحايا المعروفة الأخرى. ووجد انه من بين مئات العينات الخاصة بأشلاء الضحايا يوجد ١٠٠ عينة تتوافق مع بعضها البعض وراثيا، ولكنها لا تتوافق مع بقية الضحايا المعروفة والتي تم تحديدها.بينما أظهر نمط ومدى تبعثر هذه الأجزاء انها تنتمي الى الشخص الأقرب للانفجار، الذي لم يكن سوى الانتحاري. وبعد ان قارن المحققون الحمض النووي الخاص بالانتحاري مع مادة وراثية مأخوذة من فرشاة أسنان عدس. وكانت النتيجة لا لبس فيها: عدس لم يكن الشخص لذي قام بالتفجير.

لقد استقدم فريق الأمم المتحدة المزيد من الخبراء والمتخصصين بعلم الوراثة الذين باشروا باجراء ما يسمى(بتحليل النظائر) على الاجزاء البشرية التي تم تجميعها – وهي عملية يمكن على ضوئها أن تحدد اين كان يسكن شخص ما، ونوع الطعام الذي كان يتناوله والهواء الذي كان يتنفسه. وخلصوا إلى أن المهاجم النتحاري أمضى الأشهر الستة الأخيرة من حياته في القتال أو التدريب العسكري النشيط، حيث ان جسمه امتص كميات كبيرة من الرصاص. وكان أكبر جزء تم العثور عليه من جسمه هو انفه، وكان شكل هذا الانف سبباً دفع المحققين الى استنتاج ان الانتحاري  جاء من إثيوبيا او الصومال أو اليمن. وقال محقق بارز طلب عدم الكشف عن هويته بسبب مخاوف بشأن سلامته الشخصية ان فريق التحقيق احتفظ بذلك الانف في مادة الفورمالين.

وقال لي المحقق “جلست ونظرت إلى أن الأنف”.ثم قلت لنفسي:” من يكون صاحبك ايها الانف؟ من أرسلك لقتل الحريري؟ لماذا بذل الانتحاري كل هذا الجهد لكي يجعل العالم يعتقد ان المهاجم الانتحاري هو شخص آخر؟ “

٢. المحكمة

“من هو صاحبك ايهاالأنف؟”  لقد تحولت الاجابة عن هذا السؤال المروع منذ ذلك الحين الى واحدة من اكثر التحقيقات الجنائية كلفة وأكثرهااهمية واثارة للجدل من أي وقت مضى. لقد أنشأت الأمم المتحدة (المحكمة الخاصة بلبنان ) في لاهاي لمتابعة التحقيق، وقدمت النيابة العامة لوائح اتهام في عام ٢٠١١ ضد أربعة من أعضاء حزب الله، وهو من اقوى المنظمات المتشددة في لبنان، وفي عام  ٢٠١٣ قدمت لائحة اتهام اضافية ضد عضو خامس.  من ناحية ما، المحكمة بكل بساطة ضرورية بسبب الدور الفريد لحزب الله في لبنان والعالم، ورغم أن  هذه الجماعة مصنفة من قبل وزارة الخارجية الأمريكية باعتبارها منظمة إرهابية أجنبية، فهي أيضا حزب سياسي شعبي في لبنان، وبالتالي فمن من الصعب، وربما من المستحيل، ان يستطيع لبنان أو أي دولة أخرى توفير المكان المناسب للمحاكمة. ولكن يوجد على المحك ما هو أكثر من ذلك. فهذه أول محاكمة دولية كبرى تتعلق بالعالم العربي، ويواجه أعضاء النيابة العامة ومحامي الدفاع على حد سواء أكبر التحديات لإظهار أن تحقيق العدالة أمر ممكن.

بدأ قضاة المحكمة الخمسة سماع قضية المدعي العام ضد “عياش، وبدر الدين، ومرعي، وعنيسي، وصبرا” في ١٦ يناير، كانون الثاني ٢٠١٤. وبعد سنة كاملة من الإجراءات، لم تشاهد المحكمة أو تسمع سوى جزء يسير من مئات الشهود والآلاف من الاثباتات التي تنوي النيابة العامة تقديمها. وحتى الآن، ساهمت ٢٨ دولة، بما في ذلك لبنان والولايات المتحدة وفرنسا، بما يقرب من نصف مليار دولار لتمويل التحقيق والمحاكمة التي ربما ستكلف مئات الملايين الاضافية حتى يتم إغلاق القضية في غضون عامين أو ثلاثة. وإذا تمت ادانة المتهمين بكل التهم الموجهة اليهم – أعمال ارهاب مختلفة،٢٢ اتهاما بالقتل، 231 اتهاماً بالشروع في القتل – فسيواجه المتهمون عقوبة السجن مدى الحياة في دولة يحددها رئيس المحكمة.

تشغل المحكمة بناء خرساني مكون من سبعة طوابق كان يضم في السابق مكاتب الاستخبارات العامة والأمن الهولندية وتم تحويل ملعب كرة السلة الى قاعة محكمة. ويوجد في مكان قريب مستودع كبير يحوي المعروضات، بما فيها حطام سيارة الحريري وشاحنة الانتحاري جنبا إلى جنب. المجمع بأكمله بناء كبير جدا وباهت إلى حد ما. “إنها تذكرنا بقاعات المحاكم في ألمانيا الشرقية،” هكذا قال “فنسنت” مازحاً،  وهو واحد من محامي الدفاع.

وقاعة المحكمة بلا نوافذ لان بامكان الصواريخ ان تمر من خلالها. كما شيّد جدار من الزجاج المضاد للرصاص لفصل القسم العلوي حيث كان يجلس الحضور ذات مرة لمشاهدة مباريات كرة السلة، وتم تعتيم القسم السفلي من الزجاج  لحجب الشاهد الذي سيقف داخل المنصة في الاسفل. وهذه التدابير ليست علامة على جنون العظمة: اذ تم تهديد عدد من الشهود حتى الآن،  كما قتل محقق واحد.

ربما يكون الشيء الأكثر ملاحظة عن هذه القاعة الراقية هو ما هو مفقود فيها: اي قفص الاتهام للمتهمين. والسلطات اللبنانية لن تلقي القبض أو لا تستطيع إلقاء القبض على المتهمين الخمسة،  كما ان الأمين العام لحزب الله، حسن نصر الله، تعهد بأن الأمم المتحدة لن تلقي القبض عليهم ابداً، ليس بعد شهر من الآن “أو حتى بعد٣٠٠ عام”. ولهذا السبب قررت المحكمة عقد محاكمة دولية غيابيا للمرة الأولى منذ محكمة الحلفاء في نورمبرغ عام ١٩٤٦  حين حكمت على (مارتن بورمان )، مساعد هتلر، بالموت. ويرى البعض أن مثل هذه المحاكمة هي ممارسة فارغة، فبموجب القانون الدولي، يكون للمتهم المدان غيابيا الحق في إعادة المحاكمة، ما لم تقم جهة الادعاء لدى السلطات التي القت عليه القبض في نهاية المطاف باثبات أن المتهم كان يعرف أنه ضمن لائحة الاتهام. الحجة المضادة، بطبيعة الحال، هو أن المحاكمة الثانية لن تكون ممكنة من دون ان تنجز هذه المحكمة عملها.

قضاة المحكمة خمسة واحد من استراليا والثاني من ايطاليا والثالث من جامايكا والاثنان الباقيان من لبنان ولهم رداء متميز بسترة حمراء يلبسونها فوق عباءة لهاأكمام حمراء ايضاً والقاضي الاسترالي،” ديفيد ريه”، هو الذي يرأس جلسات المحكمة وهو قاض مخضرم داخل المحاكم الدولية الخاصة بالبوسنة والهرسك ويوغوسلافيا السابقة.وعلى غرار دافيد ريه، فإن العديد من القضاة والمحامين الآخرين المعنيين بهذه القضية تحولت الخدمة في هذه المحاكم الدولية  الى مهنتهم الخاصة.

وميزانية المحكمة تجعل من الممكن للمحامين تقديم كل ما يعرضونه من رسوم في أوضح صورة ممكنة، وخلال بعض جلسات الاستماع، يستطيع المدعون العامون ان يضعوا نماذج دقيقة لتمثل مشهد ومكان التفجير على طاولة هائلة في وسط الغرفة، كما ان هؤلاء الذين قاموا بصناعة تلك النماذج أمضوا أسابيع عديدة لبنائها، مع تركيز خاص على استنساخ متقن للدمار الحاصل، بما فيها الأضرار التي لحقت بالأشجار. وتسير الإجراءات داخل المحكمة باللغة العربية أو الإنجليزية أو الفرنسية، ويتم التدوين في كل من اللغات الثلاثة. لقد قرأت آلاف الصفحات من هذه السجلات ولم أجد سوى اثنين فقط من الأخطاء المطبعية.

من المرجح ان ما يجري في لاهاي سيؤسس لأكثر من سابقة جديدة  في مايتعلق بالدعاوي الخاصة بجرائم القتل والمبنية على أساس الأدلة الظرفية. وبعد انفاق مئات الملايين من الدولارات على التحقيق، لم تقدم النيابة حتى الآن أي دليل مباشر، ناهيك عن ضمان التعاون من قبل أي من المتهمين أو شركائهم المحتملين. وتستند هذه القضية إلى حد كبير على سجلات العشرات من الهواتف المحمولة التي استخدمت من قبل القتلة، ومن بينهم المتهمين الخمسة.

ولقد حضر جلسة افتتاح المحكمة العديد من جرحى الانفجار وأفراد عوائل الأشخاص الذين قتلوا، والذين اعتبروه يوماً جديراً بالابتهاج، لأن الحقيقة ستبدأ في الظهور. لقد قالت ندى عبد الساتر ابو سمرا وهي محامية لبنانية جاءت لتمثيل مصالح الضحايا “على مدى أكثر من 40 عاما كان يقال لناإن علينا أن نغفر وننسى وأن نطوي هذه الصفحة… ان نقلب الصفحة؟ ولكن أي صفحة سنطوي يا حضرات القضاة اذا كنا لم نقرأها بعد؟ يطالبوننا بأن ننسى؟ ولكن ننسى ماذا؟ كيف يمكنك أن تنسى شيئا ان كنت لا تعرفه؟ يطالبوننا بأن نغفر؟ ولكن من هو الذي سنغفر له؟ “

٣. رفيق الحريري

لكي يتفهم المرء موضوع اغتيال الرئيس رفيق الحريري، يجب الرجوع الى عقود خلت، الى عام 1975، عندما هددت الحرب الأهلية التي نشبت في الأصل بين المسيحيين الموارنة والفلسطينيين ان تأخذ لبنان الى الدمار. لقد طلبت الحكومة اللبنانية حينها من (سوريا)، الدولة المجاورة ، ان تقوم بارسال قواتها الى لبنان. والمسؤولون السوريون الذين اعتادوا ان يروا لبنان كجزء من سوريا الكبرى، كانوا سعداء لتنفيذ هذا الامر. فظلت هذه القوات مقيمة في لبنان، وسرعان ما قام حافظ الأسد، الرئيس السوري حينذاك، بتنصيب دمى سياسية خاصة به في مواقع السلطة اللبنانية.

امتد الصراع في نهاية المطاف ليشمل المسيحيين والدروز، واللاجئين الفلسطينيين والمسلمين الشيعة والمسلمين السنة – حرب خماسية بين ولاءات تتغير مواقعها باستمرار – حرب تركت ورائهامالا يقل عن (١٢٠,٠٠٠) قتيل، بالاضافة الى مئات الآلاف من الجرحى أو بدون مأوى. كما فر أكثر من مليون لبناني من البلاد وصل بعضهم  حتى إيران والعراق وإسرائيل والمملكة العربية السعودية. لقد حولت سوريا لبنان الى بلد مرتهن لأجندات إقليمية خاصة بها. ومع تقدم الحرب تحولت ولاءات السوريين نحو اية جهة تتناسب مع مصالحهم الخاصة طالما أنها تسمح لهم أبالاستمرار في إدارة الدولة اللبنانية.  كما استفاد رجال الأعمال السوريين من البنية التحتية المالية الأكثر تقدما في لبنان، وفرضوا مشاركتهم في المشاريع المالية بفضل تواجد القوات المسلحة السورية، ثم أصبح الجيش السوري متورطاً في تجارة المخدرات اللبنانية المتنامية.

في عام ١٩٨٢ بدأت إسرائيل بغزو ابتدأ باختراق حدودها الشمالية مع لبنان للقضاء على عناصر من منظمة التحرير الفلسطينية. ودمرالجيش الإسرائيلي وهو في طريقه الى بيروت كل شيء ثم أجبر منظمة التحرير الفلسطينية على الخروج من لبنان. وألحق هزيمة بالجيش السوري ولاسيما عند الاشتباك مع سلاحه الجوي. لقد أدرك الأسد، وهو مسلم من الطائفة العلوية، انه لا يستطيع الانتصار في حرب تقليدية ضد الإسرائيليين، فاتخذ مسارا مختلفا ومفاجئا إلى حد ما: لقد سحب معارضته لللخطة التي اقترحها رجال الدين الموالين لآية الله ( روح الله الخميني ) في إيران، لإنشاء حزب سياسي شيعي في لبنان. وكان من المفترض ان يقدم هذا التنظيم الجديد للأقلية الشيعية في لبنان بديلاً موازياً للحكومات المسيحية والسنة التي سادت على الساحة السياسية اللبنانية ومارست التمييز ضدهم، وعن طريق هذا التنظيم سيتأسس داخل لبنان منظمة عسكرية تعليمية ودينية واجتماعية ذات تمويل جيد. وأطلقت هذه المنظمة، التي لاقت نجاحا باهرا، على نفسها اسم حزب الله. وصار الأسد يأمل أن تضرب حرب العصابات الشيعية الجيش الإسرائيلي الذي ما زال يحتل “منطقة أمنية” في جنوب لبنان. وقد حصل ذلك فعلاً، وكان رد إسرائيل هو قيامها باغتيال الأمين العام لحزب الله الشيخ عباس الموسوي، في فبراير١٩٩٢.

وخلّف الموسوي رجل دين شاب وقادر هو حسن نصر الله، والذي بدوره عين “عماد مغنية” قائداً للجناح العسكري ل  في حزب الله. وكان مغنية عبقرياً في مجال الارهاب وحوّل عمليات التفجير الإنتحارية الى سلاح استراتيجي، وأظهر براعة في قيادة تكتيك حرب العصابات، وشَنّْ الهجمات باستخدام العبوات الناسفة التي يمكن التحكم بهاعن بعد. وكان لديه موهبة دعائية ايضاً، اذ كان حزب الله  هو أول من بدأ بتسجيل هجماته ثم بث النتائج بعد ذلك. ويسود اعتقاد واسع ان مغنية كان المخطط لتفجير ثكنات البحرية الأمريكية عام١٩٨٣ والذي أودى بحياة ٢٤١  جنديا أمريكيا و٥٨ جنديا فرنسيا وستة مدنيين وأدى ذلك إلى انسحاب مشاة البحرية االأمريكية في عام ١٩٨٤ . كما استطاع في عام ٢٠٠٠ ان يقود ميليشيا صغيرة ، وان ينجح في إجبار الجيش الإسرائيلي، أقوى قوة عسكرية في الشرق الأوسط، على الانسحاب من جنوب لبنان.

في نفس ذلك العام مات الأسد واستلم الحكم من بعده ابنه بشار الأسد ليصبح بعدها رئيسا لسوريا، وقد ذكر بشار الأسد حينها الى كيف ان الشراكة بين نصر الله وعماد مغنية ادت الى احراز النجاح بينما فشل العالم العربي بأسره، بما في ذلك والده، مما جعله يضع العلاقة بين سوريا و حزب الله – ورعاته في طهران – المكوّن المركزي لعقيدته الأمنية. (وكانت نتيجة رهان الأسد على حزب الله ان الأخير قام باسناده عام ٢٠١٣ ، عندما أرسل نصر الله قواته لدعم قوات الحكومة السورية ضد الثورة الشعبية المناهضة لها.)

وأدّى الانسحاب الإسرائيلي من لبنان في عام ٢٠٠٠ إلى رفع الآمال بأن سوريا أيضا، ستغادر قريبا. وعجلّت المخاوف من قادة حزب الله والعديد من الساسة المدعومين من سوريا، الى البدء بتشكيل تحالف مناهض لسوريا يضم مسيحيين ودروز وشخصيات سنية. وكان رفيق الحريري السياسي الأبرز في هذه المجموعة.

ولد الحريري لأسرة فقيرة سنية في جنوب لبنان عام ١٩٤٤ واستطاع ان يجمع ثروة كبيرة في غضون فترة قصيرة وبعد حصوله على شهادة جامعية في إدارة الأعمال من الجامعة العربية في بيروت عام ١٩٦٥ انتقل إلى المملكة العربية السعودية، حيث أثبت ان لديه مقدرة لانجاز مشاريع الضخمة – المساجد والقصور ومراكز التسوق – بكل كفاءة وضمن الفترة المحددة مما جعله يصبح بعدها الجهة المفضلة للعائلة المالكة. وفي أوائل الثمانينات من القرن الماضي انتقل  عائداً الى لبنان حاملاً المليارات وشبكة من الصلات الجيدة. في عام ١٩٩٢، تمكن من الوصول الى منصب رئيس الوزراء ببرنامج يهدف الى تحرير الاقتصاد اللبناني وذلك حتى انتهاء خدمته في عام ١٩٩٨، ثم ترشح بعد عامين ايضاً وتولى منصبه كرئيس للوزراء مرة أخرى من سنة ٢٠٠٠ وحتى ٢٠٠٤، وطوال تلك الفترة لم تحصل اي مواجهة مباشرة بين الحريري وحزب الله أو مع السوريين، رغم ان حدة الصراع كانت تحتدم. فمن ناحية واصل الجيش السوري احتلاله للبنان في الشمال، ومن جهة اخرى اخذت المعارك تنشب بين حزب الله واسرائيل في الجنوب وهذا الوضع لم يكن ليساعد باي حال من الأحوال الشعب اللبناني. لقد وفرت ثروت الحريري وشعبيته – ناهيك عن نفوذه من خلال ملكيته لمجموعة متنامية من الصحف اللبنانية والفرنسية ومحطات التلفزيون والإذاعةـ وفرت له شهرة تجاوزت نطاق لبنان.  لقد اراد ان يجعل من بيروت العاصمة المالية لمنطقة الشرق الأوسط، أي كما كانت ذات مرة من قبل، وأن يبقى لبنان بلد ليبرالي ذو توجه غربي، بينما سعى الأسد للحفاظ على الوضع الراهن، وان تستمر سوريا في السيطرة على لبنان وان يبقى حزب الله أقوى قوة عسكرية فيها.

وتفوق الأسد في نهاية المطاف – وإن لم يكن حول المسألة الكبرى المتعلقة بالوجود السوري في لبنان، فعلى الأقل  حول من هو الذي سيقرر النتيجة النهائية الأسد ام الحريري. لقد وجد الصراع من أجل السيطرة  والتحكم طريقه الى نزاع حول مصير اميل لحود، رئيس لبنان منذ عام ١٩٩٨، والذي كان على وشك انهاء الفترة الأخيرة من ولايته. ومركز الرئيس الرسمي في لبنان هو موقع رمزي الى حد كبير، غير ان لحود، وهو مسيحي، كان قد ساند طويلا التدخل السوري في لبنان، فقرر الأسد أنه من الضروري إبقائه في مكانه، وهي الخطوة التي من شأنها أن تتطلب تعديل الدستور في لبنان. وقد عارض الحريري بحزم هذا التعديل، وتوصل الأسد الى قناعة بأن الحريري ومعه وليد جنبلاط، زعيم المعارضة الدرزي، كانا ينشطان من وراء الكواليس من أجل يصدر مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة القرار رقم ١٥٥٩، والذي يدعو الى انسحاب سوريا من لبنان ونزع سلاح حزب الله.

وفي ٢٦ آب ٢٠٠٤، استدعى الأسد الحريري إلى القصر الرئاسي في دمشق واطلق في وجهه تهديدا مباشراً وقال له ان لحود يجب أن يبقى في منصبه، حتى وان كانت الولايات المتحدة وفرنسا لا ترغبان في ذلك، فاعترض الحريري ولكن الأسد قاطعه باختصار قائلاً ” سيبقى لحود”. وكما ذكر شخص آخر للمحكمة من الذين حضروا الاجتماع، كيف ان الأسد هددهم قائلاً انه سيكسر لبنان فوق رؤوسهم. ثم كرر هذا التهديد، وقال “سوف أكسر لبنان على رأسك وعلى رأس وليد جنبلاط”، ثم تابع “لذلك من الأفضل لكم العودة إلى بيروت وترتيب الأمر على هذا الأساس.”  ( ولقد نفى الأسد منذ ذلك الوقت قيامه بتهديد سلامة الحريري بأي شكل من الأشكال.)

عاد الحريري إلى بيروت – وذكر أحد حراسه في وقت لاحق لمحققي الأمم المتحدة أن رئيس الوزراء شعر بالصدمة من جراء اللقاء لدرجة ان أنفه بدأ ينزف – وذهب فورا إلى منزل جنبلاط. ومن شبه المؤكد ان حافظ الأسد(والد بشار الأسد) أمر باغتيال زعيم المعارضة اللبناني كمال جنبلاط ( والد وليد جنبلاط)، في عام ١٩٧٧، وكان أيضا على الأرجح وراء اغتيال بشير الجميل، الرئيس المسيحي المنتخب في لبنان، عام ١٩٨٢. ولهذا لم يكن لدى الحريري وجنبلاط ادنى شك بأن بشار الأسد سوف يفعل الشيء نفسه بالنسبة لهم. وازداد خطر هذا الأمر يوم ٢ سبتمبر، عندما أصدر مجلس الأمن القرار ١٥٥٩،واعتبرت السلطات السورية ان الحريري له دور في ذلك وهو متورط في اصدار مثل هذا القرار.

كان الحريري سيخسر على اية حال عند تصويت البرلمان على التعديل المتعلق بلحود، كما هدد عدد من الوزراء المدعومين من سوريا بالاستقالة، مما كان سيؤدي الى سقوط الحكومة اذا لم يقدم الحريري استقالته. وفي أوائل سبتمبر، وقبل   وقت قصير من بدء الاحتفال الذي حصل فيه على جائزة من الأمم المتحدة لإعادة إعمار لبنان، أعلن الحريري استقالته. ترك منصبه في٢٠ أكتوبر ٢٠٠٤، وحوّل انتباهه على الفور نحو الانتخابات الاقليمية المقرر اجراؤها في غضون ستة أشهر. قال مستشاروه السياسيون ان اية حكومة جديدة، ستضعه بكل تأكيد مرة أخرى في مكتب رئيس الوزراء.

٤. الإغتيال

عاش الحريري وعمل داخل بناء مكون من تسعة طوابق، هو قصر قريطم، وحوالي الساعة العاشرة من صباح يوم ١٤ فبراير ٢٠٠٥، أبلغ حراسه أنه سيغادر قريباً لارتباطه بموعد. كان يحب أن يقود السيارة بنفسه، حتى عندما كان رئيسا للوزراء، حين كان في منصبه كان يسافر مع ٥٠ من حراس قوى الأمن الداخلي.  اماالآن  فلا يوجد لديه سوى اربعة حراس فقط، يدعمهم الفريق الأمني الخاص به بقيادة يحيى العرب، المعروف باسم أبو طارق، والذي كان دائماً الى جانب الحريري منذ عام ١٩٧٥، مرتدياً نظاراته الشمسية الداكنة وعلى وجهه تعبير ينم عن الحزم. وحمل جميع الحراس مسدساتهم وسماعات للراديو متصلة بشبكة خاصة يشرف عليها أبو طارق. بالاضافة الى ذلك كان يوجد داخل سياراتهم بنادق آلية وجهاز تشويش للاشارات (لمواجهة الهجمات التي قد تشنها الأجهزة التي تعمل عن بعد)، ووفقا لأحد المصادر، كان يوجد ايضاً قذائف صاروخية وقاذفات صواريخ.

وعندالساعة ١٠:٤١ صباحا، توجه موكب الحريري نحو قصر النجمة حيث يقع مبنى البرلمان في لبنان الذي وصله بعد حوالي 13 دقيقة، وقضى الحريري هناك ساعة كاملة تقريباتحدث أثنائها مع عدد من أعضاء البرلمان، بما في ذلك شقيقته بهية الحريري. ومن خلال الصور الأخبارية التي التقطت حينهاكان يبدو على الحريري الهدوء والسعادة.  في الساعة ١١:٥٦ صباحا، عاد الحريري إلى موكبه، وبدأ حراسه بالدخول الى سياراتهم بانتظار أمر من أبو طارق للعودة إلى بيوتهم. وفي نفس تلك اللحظة، أجريت عدة مكالمات صدرت عن مجموعة من الهواتف المحمولة موجودة على مقربة من مبنى البرلمان وموجهة إلى مجموعة أخرى من الهواتف موجودة على بعد ميل الى الشمال الغربي من المجموعة الاولى. بعد فترة وجيزة من اجراء هذه المكالمات، التقطت الكاميرات الأمنية الموجودة داخل نفق الرئيس سليمان فرنجية، في نفس المنطقة، صور فيديو لشاحنة ال ( ميتسوبيشي سنتر ) وهي تتحرك شمالا نحو فندق السان جورج، وكانت الشاحنة تحمل طنِّيْن من المتفجرات العسكرية تدعى RDX – وهي كمية تكفي لإحداث ما يعادل تفجير  مدينة (أوكلاهوما سيتي) عام ١٩٩٥في الولايات المتحدة الأمريكية .

وبينما كان الحريري يتوجه لركوب سيارته، توقف فجأة بعد ان قال له أبو طارق ان “نجيب فريجي”، المتحدث باسم الأمم المتحدة في بيروت، هو الآن في اجتماع مع بعض المراسلين داخل مقهى ( Palace de l’Etoile ) في ساحة النجمة،  والذي يقع عبر الشارع مباشرة. قرر الحريري ان الوقت لم يحن بعد للمغادرة، فبدأ بالسير  وبخفة باتجاه المقهى. وبلّغ أبو طارق الحرس الخاص بهذا التأخير وذلك عن طريق الراديو، ثم بدأت سلسلة أخرى من الاتصلات الغامضة بالهواتف الخليوية في حين قام سائق شاحنة الميسوبيشي بعد اجتيازه النفق  بالالتفاف الى اليمين وايقاف سيارته هناك . قضى الحريري ٤٥ دقيقة في المقهى وهو يدردش مع فريجي والمراسلين ونفر من المارة. أثناء ذلك ظلت الهواتف المحمولة أو الخليوية صامتة، وظلت الشاحنة متوقفة في مكانهافي وضع الانتظار.

وكان مع الحريري ضيف هو باسل فليحان، وهو رجل مسيحي كان قد شغل منصب وزير الاقتصاد والتجارة في الحكومة اللبنانية، والذي بناء على طلب الحريري، قطع عطلته للتزلج في سويسرا وعاد للتشاور حول بعض المسائل الاقتصادية. وكان فليحان قد قام بحجز رحلتين منفصلتين لعودته إلى سويسرا – واحدة يوم الأحد، قبل يوم من الهجوم، والأخرى لليوم التالي. ويبدو انه اختار الموعد الثاني لأنه كان يريد أن ايشارك في مناقشة برلمانية.

وأخيرا، غادر الحريري المقهى وعاد إلى سيارته، حيث استقل فليحان المقعد االمجاور لمقعد السائق، ثم فتح الحريري باب السيارة ولوح وابتسم لحشد صغير كان قد تجمع هناك. وفي صورة فوتوغرافية كانت قد التقطت في هذه اللحظة، وهي آخر صورة التقطت للحريري وهو على قيد الحياة، يمكن مشاهد انعكاس لبرج ساعة البرلمان كما يظهر بوضوح على زجاج نافذة سيارة المرسيدس النظيف، وحين دقق المحققون في برج الساعة كما ظهر في الصورة المذكورة،  وهو مشهد يوحي بالروايات البوليسية، تبين ان الساعة في لحظة مغادرة قافلة الحريري كانت تشير الى ١٠ دقائق قبل الواحدة بعد الظهر.

كان موكب الحريري يتكون من ست سيارات. استقل الحراس السيارة التي في المقدمة  وهي (تويوتا لاند كروزر) سوداء ويتبعها مباشرة سيارة مرسيدس بنز S500 سوداء، ويستقلها حراس الأمن الخاص، تتبعها سيارة مرسيدس S600 الخاصة والتي يقودها الحريري وبرفقته فليحان، ثم لحقت بالقافلة سيارتان من نوع S500s تحملان المزيد من حراس الأمن الخاص. وفي المؤخرة كانت تسير سيارة (شيفروليه سابيربَن) تم تعديلها وتجهيزها لتتحول الى سيارة اسعاف. أبو طارق الموجود داخل السيارة الرابعة من الموكب أخبر لاسلكيا الفريق الامني عن المسار الذي سيسير بمقتضاه الموكب.

حين بدأ الموكب بالتحرك، باشر الهاتف المحمول ثرثرته من جديد، كما انسحبت شاحنة الميتسوبيشي لتدخل ضمن  حركة المرور والتقطت الكاميرا الأمنية الموجودة في آخر نفق الرئيس سليمان فرنجية من جهة الخروج صورة الشاحنة  مرة أخرى وهي تندفع باتجاه فندق السان جورج. كان الوقت عندها ١٢:٥١ من بعد الظهر حين قامت كاميرا أمنية آخرى تم تركيبها على مبنى بنك HSBC بتصوير الميتسوبيشي وهي تتحرك الآن ببطء، وبسرعة أقل بكثير من حركة المرور.

اقتربت الشاحنة من فندق السان جورج ومرت أمام كاميرا أمنية آخرى. وفي اللحظة التي غادرت فيها الميتسوبيشي المنطقة التي تغطيها الكاميرا، دخل موكب الحريري ضمن اطار او مجال تغطية الكاميرا. وكانت المركبات الستة تسير بسرعة تصل الى ٤٥ ميلاً في الساعة، وعليها ان تترك مسافة ٢٠ قدماً بين بعضها البعض ، ثم خرج الموكب من منطقة تغطية الكاميرات.

وعند الساعة ١٢:٥٥ مساء، ومع اقتراب الموكب من المنخفض الواقع بين فندق السان جورج وبناية بيبلوس التي هي قيد الإنشاء في الطرف الآخر من الشارع، تجاوزت السيارة التي في مقدمة الموكب شاحنة الميتسوبيشي. وربما كانت التعليمات ان يقوم المهاجم بالتفجير عند محاذات السيارة الثالثة من الموكب،  اي تلك التي كان يقودها الحريري.  غير انه أخطأها بجزء من الثانية، ورغم ذلك انفجرت شاحنة الميتسوبيشي تماما حين بدأت السيارة الرابعة بالمرور.

وفي لحظة واحدة، تحولت المنطقة الى جحيم.. اذ أحدث الانفجار حفرة كبيرة، وحوّل كل شيء من حولها الى خليط من ألسنة اللهب والدخان والغبار وسيارات محترقة وموتى وناس يحتضرون وأشلاء متناثرة وتساقطت مئات اللآلاف من شظايا الزجاج التي انهمرت من المباني المجاورة. لقد شاهدالناس الذين كانوا يتتبعون البث المباشر من داخل قاعة  البرلمان كيف أخذ المنبر بالاهتزاز وكيف انكفأ عضو البرلمان الذي كان يتحدث فانكمش على نفسه من شدة الخوف. وكان واضحا أن ما حصل لم يكن زلزالاً، وحين لم يعقبه انفجار ثان تأكد المشرعون الموجودون داخل البرلمان ان الدويّ لم يصدر من الطائرات الإسرائيلية، التي تحلق عادة في تشكيل ثنائي. ولكن أحد اعضاء البرلمان صرخ قائلاً”قنبلة!”

أبو طارق، الموجود داخل السيارة الرابعة في الموكب، كان أقربهم إلى الانفجار، وتلقى كل القوة الناجمة عن صدمة الانفجار فلم يجد المحققون سوى  ٣٨ قطعة من أشلاء جسده كما ان الانفجار حوّل سيارته وكل من كان بداخلها الى قطع  واشلاء مرمية في الطوابق السفلية من بناية بيبلوس اما السائق، محمد درويش، فقد تطايرت ذراعيه وساقيه، أما مصير أولئك الذين بقوا محاصرين في مقاعدهم داخل السيارات الأخرى لم يكن مصيرهم أفضل، اذ تظْهِر لقطات فيديو كيف التهم لهيب النيران اللحم والجلد من رؤوسهم حتى ظهر بياض جماجمهم أما الحريري فقد قذف به الانفجار خارج سيارته ومن المؤكد انه توفي على الفور. كان حراس الحريري يقومون عادة بتقبيل يده عربوناً لولائهم له، وذكر أحدهم في وقت لاحق للمحكمة، “ عندما عدت رأيته ملقى على الأرض، واستطعت التعرف عليه من خلال خاتم الزواج.”

٥. وسام عيد

بوشر على الفور باجراء تحقيقين، أحدهما ابتدأ فيه فريق أولي تابع للأمم المتحدة وتحوّل في نهاية المطاف  الى “المحكمة الدولية”، وكان يقود التحقيق المحلّي “وسام عيد”، وهو نقيب في الشرطة درس هندسة الكمبيوتر قبل الانضمام الى قوى الأمن الداخلي، لقد أنفقت الأمم المتحدة مئات الملايين من الدولارات وهي تحقق في الجريمة، وفكّر العالم كله في قضية تحمل في طياتها للمنطقة عواقب لا يمكن تصورها. وكان “عيد”  هو من طرح السؤال الذي فتح باب القضية على مصراعيه: لماذا لا ننظر إلى سجلات الهواتف المحمولة؟

في ذلك الوقت، وفي كل أنحاء العالم كانت اجهزة الشرطة والجهات المعنية بتطبيق القانون أقل تطورا مما هي عليه اليوم في مجال ما يمكن استخلاصه من استخدام الهاتف المحمول، رغم ان بعض العناصر الإجرامية كانت تدرك أن الأجهزة الأمنية قد تتمكن من التنصت على المكالمات، ولكن قلة قليلة فكرت حول قيمة وأهمية “البيانات الفوقية” وهي المعلومات التي تبدو بسيطة في ظاهرها وتتعلق بتوقيت ومكان إجراء المكالمة أو موقع ومكان تواجد الهاتف في تلك اللحظة. (يمكنك الاتصال بهاتف محمول والحصول على الجواب في غضون ثوان لأن الهواتف المحمولة، عندما تكون في وضع التشغيل، تقوم بارسال مستمر لإشارات التحقق عن مكان أقرب برج خلية في المنطقة).

وبناء على طلب عيد، أمر قاضي التحقيق شركتي الهاتف المحمول في لبنان، وهما شركتي “Alfa” و Touch” MTC “، لتقديم كافة السجلات المتعلقة بالمكالمات والرسائل النصية التي أجريت في لبنان خلال الأربعة أشهر التي سبقت التفجير. وقام “عيد” ولأشهر عديدة بدراسة كافة السجلات سراً، وانصب تركيزه على سجلات هاتف الحريري والوفد المرافق له محاولاً الكشف عن الأشخاص الذين تم الإتصال بهم والى الأماكن التي زاروها ومن هم الأشخاص الذين قابلوهم ومتى، كما تابع “عيد”  كل ما يتعلق ب “عدس”  الانتحاري المفترض وأين كان يقضي أوقاته قبل ان يختفي، ثم دقّق جميع المكالمات التي اجريت على طول المسار الذي سار فيه الموكب في اليوم الذي وقع فيه الاغتيال. كان يتقصى في بحثه عن السبب والنتيجة، وكيف كانت احدى المكالمات تؤدي الى الأخرى. ولقد ذكر لي كبير المحققين “ لقد كان (عيد) رائعاً، نعم! لقد كان رائعاً حقاً” وتابع  “ لقد قام من تلقاء نفسه بوضع برنامج بسيط ولكنه فعال جداً بشكل مثير للدهشة من أجل غربلة هذاالكم الهائل من البيانات.”

لقد ادّى اسخدام جدول بسيط للحلول الحسابية (لوغارتم) الى كشف سريع عن وجود نمط غريب. فقد تبين ومنذ أكتوبر ٢٠٠٤، اي بعد استقالة الحريري، ان هناك فئة خاصة أو مجموعة معينة من الهواتف المحمولة بدأت تتعقب الحريري وموكبه أينما ذهب علماً ان هذه الهواتف الخليوية بقيت مقفلة لا تعمل حتى اليوم الذي جرى فيه التفجير وبعد ذلك توقفت هذه الهواتف عن العمل وبشكل فوري ونهائي وبلغ عددها ٦٣ هاتفاً ضمن هذه المجموعة .

أمضى عيد سنة كاملة ليستخلص الحالات النمطية التي كانت موجودة ضمن تلك البيانات. ثم بدأ في تقديم سلسلة من التقارير السرية لرؤسائه والتي وصلت في نهاية المطاف إلى فريق من الأمم المتحدة. وصار واثقا من أن فريقاً كبيراً ومدرباً تدريبا جيدا من النشطاء استخدم شبكة من الهواتف المحمولة لتنفيذ عملية الاغتيال. كما قدّم عيد – استنتاجاً أولياً وخطيراً جداً، اذ اكشف أدلة تربط شبكة الهواتف الخليوية هذه بأعضاء قياديين في حزب الله. وتعززت هذه الشكوك حين تلقى مكالمة من أحد النشطاء القياديين في حزب الله، الذين علموا بطريقة ما انه يجري تحقيقا في هذا الشأن. وقد أكّد هذا الناشط وفقاً لتقرير صدر لاحقاً بعد سنوات قليلة من قبل سي بي سي نيوز، أكّد فيه أن بعض تلك الهواتف تخصّ بالفعل أعضاء في حزب الله، لكنه ادعى أنهم كانوا يستخدمونها للتحقيق في مؤامرة اسرائيلية.

صمم عيد على متابعة التحقيق دون تردد، رغم انه في ٥ سبتمبر ٢٠٠٦ انفجرت قنبلة على جانب الطريق مع اقتراب الموكب المؤلف من سيارتين احداهما تقلّ رئيس “عيد”، المقدم سمير شحادة والوفد المرافق له عبر جنوب لبنان، نجا “شحادة” ولكن الانفجار أسفر عن مقتل أربعة من حراسه الشخصيين. (هاجر شحاده فيما بعد واستقر في كيبيك في كندا)  كما بدأ “عيد” نفسه يتلقى تهديدات بالقتل. غير انه واصل مهمته، وتتبع الهواتف واحد اثر آخر، يرصد  الاتصالات،  مما اسفر عن كشف علاقات جديدة. وطلب من شقيقه ان يلتقط له شريط فيديو أثناء عمله، وأنجز نسخة اضافية  واحتياطية لكل عمله الذي تم انهاؤه وللسجلات التي لم يتم انجازها بعد.

حينذاك لم يحرز فريق الأمم المتحدة أي تقدم يذكر في هذه القضية ففي أكتوبر ٢٠٠٥، وبعد ثمانية أشهر فقط من الهجوم، أرسلت الأمم المتحدة المحقق الألماني “ديتليف ميليس” للإشراف على القضية، فأصدر تقريرا مستعجلاً يستند بالدرجة الأولى على أقوال اثنين من الشهود الذين ادعيا أنهما كانا موجودين عندما قامت مجموعة من الضباط اللبنانيين بالتخطيط للهجوم وذلك بالاشتراك مع ضباط من المخابرات السورية. وبادرت السلطات اللبنانية الى اعتقال هؤلاء الجنرالات الذين نفوا بشكل قاطع تورطهم في هذا الأمر. وسرعان ما بدأت القضية تتجه نحو الانهيار. وبعد مرور أشهر، ثم سنوات، قامت هيومن رايتس ووتش، وزارة الخارجية الأمريكية والأمم المتحدة نفسها بدعوة لبنان لاطلاق سراح الجنرالات، وهذا ما حدث ولكن بعد سنوات عديدة فقط، عندما سحب أحد الشهود شهادته من خلال برنامج اخباري على احد احدى المحطات التلفزيونية .

في أواخر عام ٢٠٠٧ عاد فريق الأمم المتحدة لينظر مرة اخرى في سجلات الهواتف. في البداية تجاهل الفريق العمل الأولي الذي قام به “عيد” والموجود ضمن الملفات المحفوظة منذ عام  ٢٠٠٦. بل ان فريق الامم المتحدة ، ووفقا للتقرير الصادر عن سي بي سي نيوز، استأجر شركة بريطانية مختصة لتحليل بيانات الهاتف واكتشفت بسرعة ان هذه البيانات تتميز بوجود نمط واضح – مثلما وجد “عيد” قبل ذلك- وأن هناك مجموعة من الهواتف تتعقب الحريري لأشهر عدة قبل اغتياله، ثم اختفت تماماً بعد الهجوم.

بل ان “عيد” توصل الى ما هو أبعد من ذلك بكثير،بفضل قيامه بعدة خطوات منطقية سمحت له ببناء الهيكل القيادي بأكمله لهذه العملية. حول فريق الأمم المتحدة أخيرا انتباهه إلى الانجاز الذي توصّل  اليه “عيد” حتى ان احد المحققين التابعين للامم المتحدة سأل في وقت لاحق وفي  لقاء مع سي بي سي نيوز “ترى من يكون هذا الرجل؟”  فدعا هذا المحقق “عيد” للقائه في يناير كانون الثاني عام ٢٠٠٨. وكان الاجتماع مثمرا، لذلك اجتمعوا مرة أخرى في الأسبوع التالي. وفي اليوم التالي،٢٥ يناير ٢٠٠٨، و بينما كان “عيد “ وحارسه يقودان السيارة على الطريق السريع في شرق لبنان، انفجرت سيارة ملغومة مما أسفر عن مقتله مع حارسه الشخصي  بالاضافة الى شخصين آخرين تصادف وجودهما هناك ذلك اليوم. كان “عيد”  يبلغ من العمر ٣١ عاماً فقط.

٦. الهواتف

تحول الآن اهتمام المحققين نحو سجلات الهواتف المحمولة. واستناداً الى العمل الذي انجزه “عيد”،استنتج المحققون أن القتلة كانوا يعملون على شكل مجموعات، لكل منها قائد وعلى كل مجموعة الالتزام بإجراءات محددة. كل فرد ضمن المجموعة بامكانه ان يتصل هاتفياً بزعيم المجموعة، كما ان زعيم المجموعة يستطيع الاتصال بكل أعضاء المجموعة، ولكن النشطاء في المستوى الأدنى لا يسطيعون الاتصال مع بعضهم البعض.

اطلق المحققون على كل مجموعة لوناً خاصاً بها. فالمجموعة الخضراء لديها  ١٨ هاتفاً من نوع  “ألفا” تم شراؤها باستعمال هويات مزورة من محلين في جنوب بيروت في يوليو وأغسطس ٢٠٠٤. ولم يكن الغرض من الهويات المزورة والشخصيات الوهمية الاحتيال على “ألفا” والتهرب من الدفع، فطوال الفترة الممتدة من سبتمبر ٢٠٠٤ وحتى مايو ٢٠٠٥، كان يقوم شخص ما بالذهاب شهرياً الى مكتب  “ألفا “  ويدفع نقداً فواتير  ١٨ هاتفا تخص تلك المجموعة، ودون أن يترك أي دليل على هويته. وبلغت الفاتورة الاجمالية الخاصة بالشبكة الخضراء، بما في ذلك رسوم التفعيل، ٧٣٧٥ دولار- وهي كمية مذهلة، نظراً لكون ١٥ من أصل ١٨هاتفاً التي تخص المجموعة الخضراء لم يتم استخدامها مطلقاً.

لقد حصل اكبر ارتفاع في عدد الاتصالات الهاتفية أثناء شهر سبتمبر ٢٠٠٤ ، أي مباشرة بعد أن أعلن الحريري استقالته. وأكّد المحققون أن المجموعة الخضراء كان لها الدور المركزي في المؤامرة. فرقم الهاتف ( ٣١٤٠٠٢٣) يخص  زعيم المجموعة الخضراء، والأرقام( ٣١٥٩٣٠٠) و (٣١٥٠٠٧١)  تخص نائبيه. (كان زعيم المجموعة يتصل بهما على هذين الرقمين،  وهما بدورهما يقومان بالاتصال به عن طريق هذين الرقمين ، ولكنهما لا يتصلان مع بعضهما البعض )  كما انهما استخدما ايضاً هواتف تخص مجموعات اخرى، والتي نقلوا من خلالها تعليمات إلى المشاركين الآخرين في العملية. فاذا اراد عضو ان يتصل بزعيم المجموعة فغالباً ما يقوم الزعيم حينئذ بالمتابعة عن طريق استعمال هاتفاً يخص (المجموعة الخضراء) للاتصال بالقائد الأعلى الذي كان موقعه وبشطل دائم تقريبا في جنوب بيروت، حيث يوجد مقر حزب الله.

في يوم  ٢٠ اكتوبر  ٢٠٠٤، ترك الحريري  موقعه الرسمي كرئيس للوزراء وغادر مكتبه بعد ان تم تخفيض حرسه بشكل ملحوظ، وحصل ذلك في نفس الوقت الذي باشرت  فيه المجموعة الزرقاء انخراطها في العملية، متتبعة في طريقة عملها نفس القواعد التي تسير عليها المجموعة الخضراء، غير ان عضويتها النشطة  ازدادت من (٣) هواتف إلى (١٥) هاتفاً، (٧)  منها مرتبطة بشركة ( ألفا ) و( ٨) بشركة  (MTC Touch) علماً ان جميع الهواتف الخاصة بالمجموعة الزرقاء  تم الحصول عليها عن طريق دفع قيمتهامسبقاً وليس عن طريق الاشتراك الشهري مع الشركتين المذكورتين، وتم الحصول على بعض منها في وقت مبكر من عام   ٢٠٠٣،  علماً انهذه الهواتف لم تستخدم الا نادراً، كما ان الاشخاص الذين قاموا بشرائها استعملوا هويات مزورة ايضاً، ومرة ​​أخرى يبدو ان امدادات المال كانت وفيرة، فالوقت المستحق او المدة المتبقية لإستخدام هذه الهواتف كانت تذهب هباء في كل شهر، ورغم ذلك تم تحميل الهواتف بقيمة اضافية مرارا وتكرارا، فعندما انقطعت المجموعة الزرقاء عن الخدمة نهائياً، وصلت قيمة الدقائق المتبقية والمستحقة والغير مستخدمة، مبلغ  ٤٢٨٧ دولار.

يقول فريق الإدعاء ان مهمة المجموعة الزرقاء كانت ملاحقة تحركات الحريري. ففي صباح يوم  ٢٠ أكتوبر، بدأ أعضاء المجموعة  بالانتشار الفعلي حول قصر قريطم. وفي الساعة  ١٠:٣٠ صباحا، انطلق الحريري باتجاه البرلمان ومن ثم إلى القصر الرئاسي، حيث كان لحود ينتظره لاستلام استقالته. والتقطت أبراج الهاتف الخليوي الاشارات الخاصة بأعضاء المجموعة الزرقاء وهم يتحركون معه ويتصلون بقائدهم . ومنذ ذلك الحين،استمرت الهواتف التي تنتمي الى المجموعة الزرقاء في تعقب وملاحقة الحريري في كل مكان تقريبا – إلى البرلمان، الى لقاءاته مع القادة السياسيين، إلى وجبات الغداء الطويلة داخل نادي اليخوت في فندق السان جورج، كانوا يتعقبون الحريري حتى عند ذهابه الى منزله. وعندما سافر الى خارج لبنان، تحركوا معه حتى المطار حيث كانت الهواتف تتوقف عن العمل حتى عودته، لتستمر مرة اخرى رحلات تقفي اثره.

في نهاية المطاف، تم إضافة المجموعة الصفراء، ويبدو ان اعضئها ال (١٣)  كانت مهمتهم المشاركة في المراقبة مع المجموعة الزرقاء. حين ذهب الحريري مع عائلته لقضاء عطلة عائلية في “فقرا” في نهاية ديسمبر ٢٠٠٤، كانت الفيلا تحت المراقبة المستمرة من قبل كل من المجموعتين الزرقاء والصفراء، حيث بقي قائد كل  مجموعة على اتصال مستمر مع رؤسائه في جنوب بيروت أو العكس. ومن الطريقة التي كانت تتحرك فيها هذه الهواتف الصفراء، يتبين ان مستخدميها ارادوا دراسة حركات الحريري المعتادة والمواقع المحتملة للهجوم. من المؤكد ان من خطط لهذا الهجوم  استثمر ما يكفي من الوقت للتقصّي والبحث الدقيق.

في يوم ٢٥ يناير، سافر اثنان من  اعضاء المجموعة الزرقاء الى خارج الدائرة المعتادة لتحركما، فقد ذهبا  الى حي البداوي في مدينة طرابلس، ولا بد انهما كانا يعرفان من خلال رحلاتما السابقة الى مدينة طرابلس انه كانت توجد هناك شاحنة (ميتسوبيشي سينتر) معروضة للبيع منذ أواخر ديسمبر كانون الاول. أما في هذه المرّة فقد دخلوامتجر السيارات للتفاوض مع احد وكلاء المبيعات، وبعد دقائق قليلة، اتصل واحد منهم بقائده في بيروت، ربما للحصول على موافقته لسعر الشراء، ثم تم إجراء الصفقة بعد ذلك.

وحسب فريق الادعاء فقد قامت المجموعة الأرجوانية بتشكيل غطاء لعملية الاغتيال. اذ قامت هذه المجموعة بالتعرف على  أحمد أبو عدس، وأغرته بالذهاب لمشاهدة “المفاجأة” التي وعده بها “محمد”، ثم جعلته يدلي  بخطابه الانتحاري أمام كاميرا تلتقط له فيلماً لهذه المناسبة، وعلى الارجح جرى التخلص منه بعد ذلك بقتله والتخلص من جسمه. عندما يجري وضع هذه الأحداث والوقائع في خط  زماني ومكاني فهي تتطابق تماما مع تحركات المجموعة الأرجوانية.

قبل أيام قليلة فقط من تنفيذ عملية الاغتيال، اشترى شخص بطاقة الهاتف المدفوعة مسبقا والتي تم استخدامها للاتصال بقناة الجزيرة، بالاضافة الى وكالة رويترز للانباء، وتم الاتصال عن طريق أربعة هواتف عمومية، واحد منها كان بالقرب من الشجرة حيث وضع شريط الفيديو الخاص بخطاب عدس، الذي يتحمل فيه المسؤولية باسم جماعة ما كجماعة النصرة والجهاد في بلاد الشام. كما ان مواقع الهواتف المحمولة للمجموعةالأرجوانية يتطابق مع مواقع الهواتف العمومية في ذلك الوقت الذي أجريت فيه تلك المكالمات.

وكانت المجموعة الحمراء هي آخر مجموعة من الهواتف المحمولة التي انضمت في نشاطها الى الجماعات المذكورة سابقاً. ويعتقد المحققون ان هواتف المجموعة الحمراء هذه تنتمي إلى الدائرة المقربة من فريق مراقبة الحريري في الأيام التي سبقت الهجوم – وحتى عملية الانتحاري الفعلية.

ربما لم يعرف القتلة أن شخصا من طراز “عيد” بمهاراته الاستثنائية، أو فريقاً مثل “فريق التحقيق الدولي” بموارده غير العادية، ستؤدي في نهاية المطاف الى الكشف عن تحركاتهم خلال الأشهر التي سبقت الهجوم، لقد كان سلوكهم يدل على انهم تصرفوا كما لو انهم كانو يعتقدون ان شخصاً ما سيتحمل المسؤولية القانونية للكشف عن حركة الهواتف المحمولة بالقرب من فندق السان جورج في يوم الهجوم.

وفي هذه الحالة أيضا، كما هو الحال عند اختيارهم للشاحنة، كان القتلة يقومون بكل جهد لتوجيه انتباه المحققين الى المنطقة السنية حول طرابلس. فقد تم الحصول على الهواتف الثمانية التي دفعت قيمتها مسبقاً والتي تنتمي  إلى المجموعة الحمراء من تلك المنطقة، وذلك في الفترة بين أواخر ديسمبر ٢٠٠٤ وبداية يناير ٢٠٠٥. كما تم تفعيلها في نفس الفترة في طرابلس ايضاً في يوم ٤  يناير، وبدأ استعمالها لاجراء الاتصالات بعد ١٠ ايام حين اشتد النشاط الخاص بمراقبة الحريري داخل الشبكة.  وفي يوم ٢ فبراير، اي قبل ١٢ يوم من الاعتداء، استهلك الوقت المخصص للهواتف فانتهت صلاحيتها، واضطر شخص ما ان يحمل تلك الهواتف من بيروت ويسافر ٥٠ كيلومتر إلى طرابلس، لتفعيلها هناك – كما تبين من الموقع الذي قام بتسجيله برج الهاتف المحمول هناك -وبعدها إعيدت تلك الهواتف إلى مستخدميها في بيروت،  وخلافا لجميع الهواتف المحمولة الأخرى المشاركة في العملية، لم يتم استخدام هواتف  المجموعة الحمراء نهائياً في المناطق ذات الغالبية الشيعية جنوب بيروت. ومنذ ان تم تفعيل الهواتف الخاصة بالمجموعة الحمراء أخذ أعضاؤها يلعبون دورا قيادياً في ملاحقة الحريري والذي نادرا ما كان يسافر الى جنوب بيروت. وبعد التدقيق في نشاط الهواتف، وجد محققو الأمم المتحدة أن نمط تحرك الشبكة في يوم ٨ فبراير، اي قبل أسبوع من الاعتداء الفعلي، كان يتطابق تماما مع نمط مسار الشبكة  في ١٤ فبراير باستثناء ان النمط الثاني تميز بحصول الانفجار نفسه. لقد تنقل الحريري في ذلك اليوم مستخدما نفس الطريق. وقد علق احد المحققين “نحن نعتقد أن ما حصل كان اختبار تشغيل، أو ان المكالمة لم تكن موثوقة تمامافافلت من بين ايديهم”.

لقد بلغ نشاط الهواتف الحمراء ذروته في يوم التفجير، وتركز هذا النشاط على طول الطريق التي كان يستعملها الحريري للوصول الى مبنى البرلمان وفندق السان جورج. وأكد فريق الادعاء ان رقم هاتف الانتحاري هو  ٣١٢٧٩٤٦ . وعندما انفجرت الميتسوبيشي، انتهت حياة ذلك الهاتف ايضاً وخيم الصمت على المجموعة الحمراء كلها إلى الأبد.

٧. سامي عيسى

وجد فريق الاتهام أنه بالإضافة إلى وجود مجموعات الهواتف المستخدمة لتنفيذ عملية الاغتيال، استخدم الجناة أيضا العديد من الهواتف المحمولة والخطوط الأرضية الشخصية أو الخاصة، وذكر احد كبار المحققين انه كان بامكانك ان تشاهد احد هؤلاء الجناة يحمل “الهاتف المخصص لعملية الاغتيال داخل جيب بنطاله الامامي” ويحمل “في الجيب الخلفي لنفس البنطال الهاتف الذي اعتاد أن يخابر به صديقاته.”

,وبالاستناد الى الانجازات التي حققها ” عيد “، اجرى محققي الأمم المتحدة مقارنة بين المناطق التي استخدمت فيها الهواتف العملياتية وتلك المناطق التي كانت تستخدم فيها الهواتف الخاصة، وذلك للكشف عن أنماط تسمح لهم بايجاد اي صلة بين الهواتف العملياتية وبين افراد حقيقيين لهم تاريخ حقيقي. ويقول ممثلو الادعاء أن العديد من الرجال كانوا متورطين في هذه المؤامرة، ولكن من خلال هذه الطريقة تمكنوا من التعرف على هويات خمسة من المتهمين.

احدهم هو حسن حبيب مرعي، ولد في بيروت في عام   ١٩٦٥. لم يجد ممثلو الادعاء أي حسابات مصرفية باسمه، وعلموا عنه أنه كان يدفع نقداً كل المصاريف المتعلقة بالدراسة والتعليم الجامعي الخاص باولاده. انضم مرعي الى لتنظيم حزب الله في لبنان عام ١٩٨٦، وفي عام ٢٠٠٣ أصبح قائد (القوات الخاصة) لحزب الله مما يضعه بين كبار القادة في عملية اغتيال الحريري. ويقول مسؤولون في المخابرات الاسرائيلية انه كان وراء اختطاف جنديين اسرائيليين في ١٢ تموز ٢٠٠٦ ، والتي اندلعت على اثرها الحرب التي استمرت ٣٤ يوما في لبنان بين إسرائيل وحزب الله.

وبحسب فريق الاتهام، كان مرعي يقود المجموعة الأرجوانية التي تقع عليها مسؤولية توفير غطاء لتمويه العملية . لقد التقط برج الاتصالات الخليوي القريب من منزل مرعي إشارات من الهاتف المخصص لقائد المجموعة الأرجوانية (مرعي) بالاضافة الى  احد الهواتف الشخصية التي تعود لمرعي وذلك لأيام عديدة، بالاضافة الى ذلك فالهاتف الشخصي لمرعي له نفس الرقم الذي دونه مرعي في استمارة ضريبة الدخل كما لازم رقم الهاتف الشخصي   وبانتظام رقم الهاتف الخاص بالمجموعة الأرجوانية، لان مرعي كان يحمل معه في جولاته كلا الهاتفين معا. ويبدو انه في نوفمبر ٢٠٠٤ ، وعن طريق الخطأ ، وضع طلبية لشراء بعض الأثاث لمنزله مستخدماًرقم الهاتف الأرجواني   (٣٥٧٢٣٢١)، كما وقّع وثيقة تثبت انه استلم الأثاث، ولكن عندما أدرك أن احدى قطع الاثاث لم تكن مواصفاتها مطابقة لطلبيته، عاد واستخدم نفس الهاتف الأرجواني للاتصال بالمخزن طالبا تبديل تلك القطعة. ويقول ممثلو الادعاء أن نفس الهاتف الأرجواني كان دائما في نفس الموقع حيث يوجد هاتف المجموعة الخضراء .

متهم آخر يدعى سليم جميل عياش، الذي ولد في حاروف، لبنان، عام ١٩٦٣. يحمل رخصة رجل اطفاء، وإن تبين في عام  ٢٠٠٤، انه كان يعمل بصفته رجل اطفاء يومين فقط في الأسبوع. وهو على صلة قرابة بالقائد العسكري الاعلى لحزب الله، عماد مغنية، بالاضافة الى كونه قائد وحدة قتالية تدعى ( قوة جابر ) التابعة لحزب الله، وسميت هكذا تيمناً باسم مصنع الحلوى الذي كان يعمل فيه والد مغنية ذات مرة. ( لا يدخل في صلاحيات واختصاص المحكمة الدولية عملية التفجير والاغتيال فقط، بل كل الجرائم ذات الصلة، بما في ذلك الهجوم على وسام عيد وقائده، والتي يقول المحققون واستنادا إلى بيانات الهاتف المحمول والتحليل الكيميائي للمتفجرات RDX المستخدمة في العديد من العمليات ، ان وحدة “القوة جابر” هي التي نفذتها.) كما اشار فريق الاتهام ان عياش أشرف على معظم الاستعدادات للعملية وشارك أيضا في تنسيق حركة الشاحنة ميتسوبيشي في يوم الهجوم.

استخدم عياش  ١١ هاتفا، اثنان منهم هواتف أرضية، وخمسة هواتف لأغراض شخصية وأربعة للمهام العملياتية  المتعلقة بالمجموعات المختلفة. وبقي عياش ايضاً يحمل معه الهاتف الشخصي والهاتف العملياتي اينما ذهب وبالتالي فإن الأبراج الخليوية كانت تقوم دوماً بتسجيل الهاتفين دائما في نفس الأماكن.

المتهم الثالث، حسين حسن عنيسي، ولد في بيروت عام  ١٩٧٤. وبحسب السجلات المدنية القليلة التي وجدها المحققون، التي تصفه بأنه يعمل لحسابه الخاص ويعمل أيضاً كمحاسب في محل اخيه لبيع السجاد. ويذكر فريق الادعاء إنه  هو نفسه “محمد” الرجل الذي استطاع ان يغري “عدس” ويجذبه الى المؤامرة.  وكان قد طلب  في البداية من رجل آخر، يدعى “ أحمد لبدة ”، ليعلمه الصلاة، لكن “ لبدة ” قال انه كان مشغولا جدا، ولكنه أوصى ب” عدس”. (يعتبر “ لبدة” شاهد الادعاء الرئيسي، وقد وافق على الدلاء بشهادته في لاهاي، ولكن شخص ما سرّب اسمه لصحيفة لبنانية، والصحيفة في هذه الحالة معرّضة للاتهام من قبل المحكمة الدولية بعرقلة سير العدالة. اذ من الصعب ان تضمن تقديم شهود إذا لم تتمكن من الحفاظ على هويتهم.)

ولد المتهم الرابع، أسد حسن صبرا في بيروت في عام 1976. انقطع عن الدراسة وهو في سن ١٥، ثم خدم في الجيش، وعمل بعدها كدهان وبائع أحذية، من بين المهن الأخرى. وذكر فريق الادعاء انه كان عضواً في المجموعة الأرجوانية تحت قيادة مرعي.

ولكن أهم شخص من بين المتهمين هو “مصطفى أمين بدر الدين”، الذي ولد في عام 1961. ولا يظهر اسمه إلا نادراً وفي عدد قليل جدا من الوثائق اللبنانية، ولكن رغم ذلك اصبح معروفاً بشكل جيد للمحققين. فهو مثل “عياش”، ينتمي الى نفس عائلة “مغنية”، كما انه متزوج من شقيقة “مغنية”. وبقي لسنوات عديدة الاكثر قرباً وثقة من قبل “مغنية”، ويعتقد أنه شارك في بعض العمليات الأكثر اهمية لحزب الله. كان بدر الدين عضواً في خلية حزب الله التي هاجمت السفارة الأمريكية في الكويت عام ١٩٨٣، وأسفرت عن مقتل ستة. (والقي القبض عليه من قبل السلطات الكويتية وكان يقضي حكما بالسجن مدى الحياة هناك عندما غزا جيش صدام حسين الكويت من  جهة الشمال في عام 1990. وفي الفوضى التي أعقبت ذلك، هرب بدر الدين الى لسفارة الإيرانية في مدينة الكويت، ومن هناك، نقله أعضاء من فيلق الحرس الثوري الإسلامي إلى طهران، ثم عاد إلى بيروت ليستأنف على الفور مهام عمله).

وقد تركزت معظم العمليات التي قام بها بدر الدين نحو مساعدة العناصر الجهادية المحلية خارج لبنان. ووفقا لأحد عناصر الاستخبارات في المنطقة، كان بدر الدين قائد الوحدة المسماة “ الوحدة ١٨٠٠”  والتي راهنت على نشاطها  ضد إسرائيل انطلاقاً من الضفة الغربية وقطاع غزة، وذلك بالتنسيق مع أنشطة “الوحدة ٢٨٠٠”، التي كانت مسؤولة عن تعزيز الهجمات ضد القوى السنية في العراق، وضد القوات الأمريكية والبريطانية اثناء الحرب في العراق. وبعد اغتيال الموساد لمغنية في عام  ٢٠٠٨، استلم بدر الدين معظم مسؤولياته. واصبح هو نفسه هدفا للاغتيال في يناير كانون الثاني، عندما أطلقت طائرات اسرائيلية بدون طيار النار على مجموعة مكونة من سبعة رجال داخل الاراضي السورية مما أسفر عن مقتل جنرال إيراني وستة أعضاء من حزب الله، بما في ذلك “جهاد مغنية”، ابن عماد. ونجا بدر الدين بخروجه من المجموعة في اللحظة الأخيرة.

وحصل المحققون على معلومات حاسمة في ما يتعلق ببدر الدين الذي تبين انه كان يعيش حياة من نمط ثان ومختلف تماما وذلك تحت اسم “سامي عيسى”. كان يعرج في سيره بسبب ساقه اليمنى، ويلبس نظارات رياضية وقبعة بيسبول، ولديه سيارة مرسيدس لامعة وحراس شخصيين، جاب “بدر الدين / او عيسى” لبنان طولا وعرضا. ويذكر  فريق الادعاء او الاتهام ان “بدر الدين / عيسى” كان لديه ما لا يقل عن١٣ هاتف عند اغتيال الحريري. وبعض الاشخاص الذين اتصل بهم عن طريق هذه الهواتف، بما في ذلك عشيقاته، كانوا يعرفونه فقط باسم “سامي عيسى”. وهو احد الاسماء التي استخدمها في بعض الرسائل النصية، كما انه استعمل اسم “سامي سامينو”  أو مجرد “سامينو”، وهو اسم محل المجوهرات الذي كان يديره تحت اسم “ عيسى”.

ان الاحتفاظ بكل هذا الكم من المعلومات في سياقها الصحيح يمثل تحديا كبيراً. فعلى سبيل المثال ان الهواتف الشخصية او الخاصة والعائدة ل “عيسى”، أجرت العديد من الاتصالات لعائلة “بدر الدين”. فأحد ارقام هذه الهواتف الخاصة استعمل للاتصال بشقيقة “بدر الدين” المدعوة “ سعدة” ما لا يقل عن  ٢٠٥٦ مرة. وفي ٦ أبريل ٢٠٠٥”، تلقى عيسى رسائل تهنئة عديدة بمناسبة عيد ميلاده – والذي يصادف ايضاً عيد ميلاد “بدر الدين”. وكذلك الامر استعملت هواتف “عيسى” للاتصال واستقبال المكالمات من المملكة العربية السعودية خلال نفس الأيام التي  كانت فيها زوجة “بدر الدين” المدعوة  “فاطمة” مع ابنهما في السعودية. بل ان احد الهواتف وصل الى المطار في اليوم الذي غادرت فيه “فاطمة” وابنها لبنان وكذلك الامر وصل الهاتف مرة اخرى الى المطار في اليوم الذي عادوا فيه الى لبنان.

اثنان من الهواتف الشخصية العائدة ل “ عيسى استخدمت في كل أنحاء لبنان في بالتزامن المطلق مع رقم الهاتف   ٣١٤٠٠٢٣ الخاص بالمجموعة الخضراء، وهو الهاتف الذي يخص القائد الأعلى لشبكة اغتيال الحريري. كما استخدمت الهواتف الشخصية أيضا لإجراء مكالمات  عديدة إلى أعضاء في حزب الله.

لقد ذكر فريق الادعاء أنه في مساء اليوم الذي سبق الهجوم بيوم واحد، كان بدر الدين، وعياش ومرعي على اتصال مستمر، محاولين سد اي ثغرات محتملة قبل العملية. وكان بدر الدين يحمل معه أيضا الهواتف الخاصة بعيسى. وبحدود الساعة ٢صباحا، تم إرسال رسالة نصّية إلى ٢٩٦٦٦٦٣، من قبل احدى صديقات عيسى. الذي رد في الساعة  ٢:٣١صباحاً وهو يمزح قائلاً “لو كنت تعلمين أين كنت، لأصابك استياء شديد.”

من الصعب معرفة إذا كان عيسى يعترف بخيانة زوجية أو ما هو أسوأ من ذلك بكثير –  لقد كان يدرك تماما بماذا كانت ستفكر هذه الصديقة وهي مسلمة سنية، لو علمت بالامر. وفي كلتا الحالتين، تظهر الرسالة النصية هذه أنه حتى في ظل كل تلك الضغوط الشديدة الناجمة من وضع الصيغة النهائية والاستعداد لواحدة من أكبر عملياته،  وجد بدر الدين الوقت الكافي للعبث مع صديقته.

في اليوم التالي، وقبل الثانية عشر ظهراً بدقيقتين، وقبل الاعتداء مباشرة، اتصل “عياش” مستخدماً هاتف المجموعة الخضراء ب “بدر الدين” عن طريق هاتفه الأخضر ايضاً من موقع قريب جداً من فندق السان جورج. استمرت المكالمة  ١٤ ثانية. وكانت هذه آخر مكالمة على الشبكة الخضراء. وذكر الادعاء انه بعد وقت قصير من ذلك قام بدر الدين باجراء عدة مكالمات إلى أرقام مجهولة مستخدما هاتفاً آخر من هواتفه. والمعلومات التي حصل عليها المحققون في المحكمة الدولية تشير إلى أنه تحدث إلى عماد مغنية، القائد العسكري الاعلى لحزب الله، ربما للحصول على الموافقة النهائية للمباشرة بتنفيذ العملية. في وقت لاحق من ذلك اليوم، توقفت كل هواتف  بدر الدين بشكل غير معهود لمدة ساعتين.

٨. الاتهام

في عام  ٢٠٠٩، قرر فريق الأمم المتحدة أنه لا يمكن تحقيق أي تقدم من داخل لبنان، فحزموا جميع الأدلة بما في ذلك البقايا المحترقة من ست سيارات، ثم نقلوها بواسطة طائرات الشحن إلى هولندا.  كما اصدر مجلس الامن قراراً بانشاء المحكمة، وصار فريق التحقيق جزءاًمن فريق الادعاء في المحكمة.

استمر حزب الله في الاصرار على موقفه المتعنت. وفي يوم ١٢ يناير  ٢٠١١، طالب حزب الله أن يقوم سعد الحريري، نجل رفيق الحريري ورئيس وزراء لبنان في ذلك الوقت، برفض جهود المحكمة. وعندما رفض سعد الحريري  عقد اجتماع طارئ لمجلس الوزراء، انسحب وزراء حزب الله من الحكومة فانهارت الحكومة. وصل لبنان مرة أخرى الى ساحة حرب أهلية، وتوقع الخبراء أنه إذا صدرت لوائح الاتهام، فذلك لن يكبح مساعي حزب الله. طار العديد من القادة العرب الى بيروت وساعد ذلك على تهدئة الوضع الحالي على الاقل. وفي وقت لاحق من ذلك الشهر قدم رئيس النيابة، دانيال بيليمار، لائحة  بالاشخاص المتهمين دون ان يكشف عن الأسماء. في حزيران، أعلن بيليمار أربعة أسماء. ( لقد تم توجيه الاتهام بالنسبة الى مرعي عام  ٢٠١٣.) وبينما كان يجري وضع اللمسات الأخيرة على لوائح الاتهام، أرسل فريق من الأمم المتحدة مذكرات اعتقال للحكومة اللبنانية، كما أصدر الانتربول “المذكّرة الحمراء” وهو انذار دولي لالقاء القبض على المتهمين، ولم يكن ذلك مفجأة لأحد عندما ذكرت السلطات اللبنانية أنها لا تستطيع القبض على المشتبه بهم. لقدانتقد موظفو المحكمة بحدة عجز الحكومة عن السيطرة على حزب الله اثناء مقابلات خارجية وعن طريق قنوات دبلوماسية تم توثيقها رسميا. (يمكن للمرء ان يتعاطف مع القادة السياسيين الفعليين المكلفين بمهمة تنفيذ السيطرة على مثل هذه المنظمة.  لقد رأيت في وقت مبكر من هذا الشهر رئيس الوزراء الحالي في لبنان، تمام سلام، ضمن مؤتمر أمني في ميونيخ حيث ذكر لي ان ما تقوم به محكمة الحريري  هو عمل”مهم وجدّي” وأن حكومته تتابع نشاط المحكمة عن كثب، ولكنه لم يضيف أي شيء أكثر تحديدا.)

وفقا للمعلومات التي حصلت عليها المحكمة، في وقت ما من عام  ٢٠٠٩، عندما علم حزب الله بوجود أدلة متزايدة ضد نشطاء من عناصره أوعز حسين مهداوي، ممثل قائد الحرس الثوري الايراني في لبنان، بالتقليل من ظهورهم الشخصي الى حد الاختفاء، والوحيد الذي لم يمتثل لهذا الايعاز هو بدر الدين، الذين رفض التخلي عن نمط الحياة الفاخرة، واستمر في استخدام شخصية “سامي عيسى”.

رغم ما يبدو في الظاهر من عبثية محاكمة القتلة غيابيا، الا ان التحقيق والمحاكمة نجحا في الحاق أضرار بالغة بحزب الله فقد تم الكشف عن هويات بعض عناصر القيادية وسوف يضطر هؤلاء الرجال إلى مواصلة اتخاذ تدابير إضافية للبقاء في الخفاء. ان العاملين في المحكمة يدركون تماما ان هذه التحقيقات اجبرت حزب الله بايقاف استخدام خلايا شبكاته والتوجه نحو  الخلايا السرية المغلقة، مما ضيّق على مهام التنظيم العملياتية وجعلها اكثر تعقيدا.

لقد تصدعت مكانة حزب الله داخل لبنان وعلى المدى الطويل من خلال هذه المزاعم. فمنذ تأسيسه صور حزب الله نفسه على أنه راع لمصالح جميع اللبنانيين، وليس فقط للشيعة. غير ان المحكمة الآن اثبتت بالأدلة على أن حزب الله اغتال احد اكثر السياسيين أهمية في لبنان على الإطلاق، وذبح بشكل عشوائي العديد من الشخصيات السياسية والمدنيين الأبرياء في هذه العملية.

ويبدو ان نصر الله، زعيم الجماعة، قد أدرك هذه المشكلة، لأنه بعد صدور لوائح الاتهام باشر فوراً بالتهجم على المحكمة بكل قوة. ومنذ حرب حزب الله مع إسرائيل في عام  ٢٠٠٦،  لم يغادر نصر الله تقريبا مخبئه في جنوب بيروت، وذلك خوفا من القتل  او عن طريق الطائرات بدون طيار الإسرائيلية، كما ان ليس له حضور عام وعلني. وفي يوم  ٢ يوليو،  اي بعد أيام قليلة من الاعلان عن الأسماء الاربعة الاوائل المشتبه بهم، ادلى نصر الله بخطاب طويل بثته محطة تلفزيون المنار التابعة له ومما قاله (لقد اتهم الرجال الأربعة ظلما”  وان أكد أن المتهمين كانوا بالفعل أعضاء منظمته ، وهم الرجال “الذين لديهم تاريخ مشرف في مقاومة الاحتلال الإسرائيلي”، وهدد ب “قطع يد” أي شخص يحاول القبض عليهم. وقال ان المحكمة بكامل هيئتها كانت “مؤامرة أمريكية إسرائيلية” ومليئة  ب”الفساد المالي والأخلاقي.”: “نحن نرفض ذلك، ونرفض هذه الاتهامات الغير صحيحة كما نرفض الأحكام  الغير صالحة التي ستصدر عنها، ونعتبرها عدوانا ضدنا وضد مقاتلي المقاومة لدينا، وظلما ينال شرف هذه الأمة “ كما طالب ممثل حزب الله في البرلمان بانهاء مساهمة لبنان في تكاليف المحكمة وبلهجة لا تقل تهديد ” وإلا فإن الأمر سيكون خطيرا للغاية “.

واصبح محامو الدفاع عن المتهمين أكثر حذرا،فانصب تركيزهم على مشكلة حقيقية جدا هي كيفية الدفاع عن المتهمين غيابيا في قضية (ظرفية) . ” أنها محكمة مثيرة للجدل، هذه حالة خيالية” كما وصفها فيليب لاروشيل العضو في فريق الدفاع مضيفاً “لا نستطيع الوصول إلى المتهمين الذين نمثلهم، ولا يمكن تقديم اي عذر. كل ما يمكننا القيام به هو تفكيك نظرية المدعي العام “ مضيفاًانهاقضية نظرية لكونها تستند على تقنيات تحقيق غير مؤكدة، بما في ذلك” المشاركة في الموقع “ و” تحليل الارتباط “.

لقد واصلت المحكمة أهدافها السامية وان شابها بعض السلبيات، ووصلت أنا الى نهاية عملي في كتابة هذه المادة

بعد سنة كاملة من البحث والمقابلات التي استغرقت سبعة بلدان ودراسة آلاف الصفحات من الأدلة وبروتوكولات المحكمة، وما تزال تهيمن على تأملاتي أفكار حول الضحايا ولا سيما أحمد أبو عدس الذي كان له من العمر ٢٢ سنة في عام  ٢٠٠٥، ذلك الشاب الطيب القلب الى درجة السذاجة الذي أراد فقط مساعدة شخص آخر كان يعتقد انه صديق ويريد ان يتعلم الصلاة، ولكن بدلا من ذلك وكما تشير الادلة وقع ضحية فخ اجرامي لا يوصف، اذ أجبر على تصوير الشريط الانتحاري ثم ألقي ب( ابو عدس) في حفرة، بدون اسم، وبدون شاهد على قبره.

صحفية لبنانية تنتظر المحاكمة تقول إن حرية الصحافة في خطر

Tue Mar 17, 2015 4:15pm GMT

من أحمد أبو العينين واستيل شيربون

لندن (رويترز) – قالت صحفية لبنانية ومحاميها إن المحاكمة المرتقبة لها وللقناة التلفزيونية التي تعمل بها بسبب تقرير قيل إنه عرقل عمل محكمة دولية ستعرض حرية الصحافة في لبنان وخارجه للخطر.

واتهمت كرمى الخياط وقناة الجديد بتحقير المحكمة الخاصة بلبنان التي تحقق في اغتيال رئيس الوزراء الأسبق رفيق الحريري في 2005.

وستمثل الصحفية والقناة التلفزيونية أمام المحكمة في لاهاي يوم 16 أبريل نيسان لأنهم “عرقلوا عن علم وقصد سير العدالة” بشأن بث مواد في أغسطس آب 2012 لها صلة بشهود في قضية الحريري.

وقال كريم خان كبير المحامين المدافعين عن كرمي الخياط وقناة الجديد إن المحاكمة تمثل سابقة قانونية لانها المرة الأولى التي توجه فيها محكمة دولية اتهامات لشركة.

وأضاف خان وهو محام بريطاني كبير أن محاكم مثل المحكمة الجنائية الدولية أو المحاكم الخاصة بيوغوسلافيا السابقة ورواندا وسيراليون وكمبوديا لم توجه اتهامات في السابق سوى لأفراد.

وقال خان لرويترز في رد مكتوب على أسئلة ” ربما تكون لهذه القضية عواقب وخيمة على محطات بث وصحف عالمية أخرى تنشر تقارير عن مسائل لها صلة بالمحكمة أو التي تعمل على تقارير استقصائية تتعلق بكيفية عمل هذه المحاكم.”

وتواجه كرمي الخياط وقناة الجديد عقوبة سجن أقصاها سبع سنوات أو دفع غرامة قدرها مئة ألف يورو (105780 دولارا) أو كلاهما.

وقالت كرمي الخياط لرويترز في لندن إن مجرد توجيه الاتهام لقناة الجديد سيكون سلاحا يجعل كل وسائل الإعلام الأخرى في لبنان تخشى الكشف عن حقائق أو توجيه انتقادات.

وتنفي المحكمة أن القضية تمس حرية الصحافة.

وقالت خلال أسئلة وأجوبة في موقعها على الانترنت بشأن القضية “حرية التعبير ليست مطلقة ويجب على الصحفيين ووسائل الإعلام الامتثال للقانون.”

وجاء في لائحة الاتهام أن قناة الجديد بثت “معلومات عن شهود سريين مزعومين”.

ولم تذكر البرامج التي بثت المعلومات أسماء الشهود – التي كانت هوياتهم سرية آنذاك – لكنها قالت إن القناة تلقت قائمة بأسماء الشهود من مصدر لم تحدده وتأكدت من صحة القائمة بالاتصال بالشهود.

“وقف التسريب”

تقول كرمي الخياط (32 عاما) إن الهدف من التقرير كان التنديد بتسريب معلومات حساسة بشأن قضية الحريري إلى وسائل الإعلام وليس ترهيب الشهود.

وقالت إنه يتعين وقف التسريب من داخل المحكمة بدلا من ملاحقة الصحفيين.

وتقول المحكمة إنها ترحب بالانتقادات التي لا تتدخل في سير العدالة لكن “نشر أسماء شهود محميين أو حتى زعم نشرها قد يؤدي إلى نتائج خطيرة على عمل المحكمة.”

وقتل الحريري و21 شخصا آخرين في بيروت في 2005 في أعنف سلسلة من الهجمات ضد المنتقدين للهيمنة العسكرية السورية في لبنان. وأدت الاحتجاجات الحاشدة على مقتل الحريري للضغط على سوريا كي تسحب جنودها من لبنان بعد أن ظلوا هناك لمدة 29 عاما.

وفي الوقت الراهن تحاكم المحكمة الخاصة بلبنان غيابيا خمسة من أفراد جماعة حزب الله الشيعية المتهمة بتدبير الهجوم. وينفي حزب الله أي دور له ويقول إن المحكمة أداة في يد إسرائيل والولايات المتحدة.

ووجهت اتهامات أيضا لصحيفة الأخبار المؤيدة لحزب الله وإبراهيم الأمين أحد مؤسسيها بتحقير المحكمة فيما يتصل بتقارير لها صلة بالشهود.

لكن كرمي الخياط قالت إن وسائل إعلام أخرى في لبنان وخارجها نشرت تسريبات بشأن الشهود شملت في بعض الأحيان ذكر أسمائهم وصورهم وتفاصيل أخرى دون أن تلاحقهم المحكمة قانونيا.

وأشار منتقدون للمحكمة أيضا إلى ما وصفوه بأخطاء في إجراءات التحقيق في مقتل الحريري بما في ذلك إفادات أدلى بها شهود ثم تراجعوا عنها في وقت لاحق وكذلك احتجاز مسؤولي أمن مؤيدين لسوريا لفترات طويلة دون توجيه اتهامات لهم.

(الدولار = 0.9454 يورو)

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *