(هاملت) و (دون كيخوت)

 

(هاملت) و (دون كيخوت)

تعريف:

(دون كيخوت):

رواية (دون كيخوت) لمؤلفها (ميغيل دي سيرفانتس) واحدة من افضل الأعمال الروائية في تاريخ الآداب العالمية. ففي عام 2002 قام (نادي الكتاب النرويجي) في (اوسلو) باجراء استفتاء شمل 100 من كبار المؤلفين في العالم من 54 بلداً حول (اكثر الكتب ذات مغزى في كل الأزمنة) فنالت رواية (دون كيخوت) على اكثر من 50 % من الأصوات مقارنة بالأعمال العظيمة الأخرى متفوقة على اعمال (شكسبير) و (هوميروس) و (تولستوي). وتدور أحداث الرواية حول الشخصية المركزية (ألونزو ) أو (دون كيخوت) وهو واحد من النبلاء. يعيش في الارياف في اقليم (لامانتشا) وقاده ولعه بقراءة الكتب عن شهامة الفرسان وبطولاتهم الى تصديق كل تلك القصص وأحداثها الخيالية حتى فقد قواه العقلية وقرر ان يرحل من منزله وينشد الترحال بشهامة الفرسان بحثاً عن مغامرة يلتقيها في دربه وذلك برفقة (سانشو بانزا) جاره الساذج الذي استطاع اقناعه بمرافقته لكي يحمل له الدرع وليكون مساعداً له مقابل تعيينه حاكما على احدى الجزر، وبفضل خياله الرحب يحول خيال (دون كيخوت) جارته التي كانت تعيش في القرية الى السيدة النبيلة (دولسينيا) لتصبح ملهمته وموضع حبه.

(هاملت):

هو امير دانماركي يظهر له شبح والده المغدور على يد أخيه (كلاوديوس) بعد ان وضع له خفية السم في أذنيه وكتم هذا السر عن الجميع ثم تزوج الملكة (غيرترويد) ام الأمير(هاملت) الذي كرس بعدها كل حياته لينتقم لوالده، فيشك عمه الملك الجديد في الأمر فيحرك صديقه (لايرتس) ضده بعد ان قتل (هاملت) والده (بولونيوس) الذي ترافق مع انتحار (اوفيليا) عشيقة (هاملت) واخت (لايرتس) الذي يشتبك مع (هاملت) في مبارزة غير متكافئة دبرها الملك وانتهت بموت (هاملت) بسيف (لايرتس) المسموم.

—————————————————————————————————

هاملت و دون كيخوت

مقالة للكاتب ايفان تورغينيف

ظهرت الطبعة الاولى من مسرحية (هاملت) ل (شكسبير) والجزء الاول من رواية (دون كيخوت) ل(سيرفانتس) في نفس السنة، في بداية القرن السابع عشر.

وهذا التلازم هام جداً، اذ أفرز التقارب الزمني في هذه الحالة اهتماما بسلسلة متكاملة من الأحداث.

قال (غوته ) :” ان من يريد ان يتفهم شاعراً، عليه الدخول الى بيئته.” أما هذا الذي ليس بشاعر فليس له حق المطالبة بشيء بل ان اقصى ما يصبو اليه هو الأمل بمرافقة من يستمعون اليه في جولاته، ومصحابتهم في رحلته الاستكشافية.

يمكن ان تثير بعض ارائي الحيرة لفرادتها. ولكن المقطوعات الشاعرية التي خلقتها أدمغة عبقرية سامية والمندفعة بحيوية دائمة تتميز أيضاً بالخاصية التالية: قد يختلف التصور الذي يكوّنه شخص ما عن الحياة بشكل عام عن تصور شخص آخر بل يمكن ان يكون معاكساً له، ولكنه يبقى تصوراً مشروعاً.

لقد كتب الكثيرون حول شخصية “هاملت” وسيكتب العديد عن “هاملت” في المستقبل. وتوصل هؤلاء الى استنتاجات مختلفة بعد ان سبروا أغوار شخصيته، لقد وجدوا ان “هاملت” هو شخص عصيْ على الفهم ومبهم، انه أشبه ببئر ماء عميق لم يختبره احد بعد. بينما لا يحمل“دون كيخوت” بسبب سلوكه النمطي المتماثل الا سمة واحدة فقط، كما ان اهدافه المعلنة ليست سوى رغبات شخصية وحتى حكاياته المحببة الى قلبه لها معاني محددة واضحة كالشمس، وهذا لا يسمح بتكوين ردود فعل نقدية متنوعة ومختلفة تتناسب والحالة المعنية. ولكن من المؤسف ان تبقى تصوراتنا عن “دون كيخوت” مبهمة، فغالباً ما يقترن اسمه في أذهاننا بملامح المهرج كما ان مصطلح “الدونكيخوتية” ينطوي على دلالة تشير الى الثرثرة المثالية، بينما في الحقيقة تبقى “الدونكيخوتية” تعبيراً نموذجياً عن مبدأ التضحية بالذات من اجل الآخرين، رغم الصورة الهزلية للشخصية التي تمثلها.

لقد ذكرنا ان صدور العملين الرائعين “ هاملت” و “دون كيخوت” في وقت واحد يدعو للامعان في التفكير. وكما يبدو لي فان هذين النموذجين يشكلان تجسيداً لإتجاهين اساسين ومتعارضين يمثلان قطبي النشاط البشري، بحيث ان لكل رجل صفات تتطابق مع هذا القطب او ذاك فقد يتميز رجل ما بصفات تعود الى شخصية هاملت او بصفات تتميز بها شخصية دون كيخوت، مع العلم انه في عصرنا يتجاوز عدد هؤلاء الذين يتبعون هاملت بكثير اتباع دون كيخوت النادرون حقاً. ولتوضيح هذا الأمر سنعتبر ان كل الرجال يعيشون (بوعيْ او بدون وعي منهم) بمقتضى مبادئ معيّنة ، بمقتضى مثل عليا ، بكلمة اخرى، انهم يعيشون بحسب ما يعتبرونه صحيحاً، او جميلاً، او خيّراً الخ. والعديد منهم يتبنون مثلهم العليا بتجربتهم المباشرة الخاصة من خلال مؤسساتهم المقدسة، وهم يجهدون لجعل حياتهم الخاصة تتكيف وتتطابق مع الرؤيا التي يقدمها ذلك المثل الأعلى. ويحدث احيانا ان ينحرف شخص ما وفي مرحلة ما عن مثل هذا التوجه بسبب اندفاعه الحماسي او بسبب حالة طارئة لكنه مع ذلك يبقى مخلصاً لتلك المثل التي لا تساوره الشكوك نحوها. وعلى النقيض من ذلك، فقد يوجد ناس ممن يمعنون في التقصّي والتدقيق اثناء تعاملهم مع الآخرين. ومهما يكن الأمر، فان المثل الأعلى الأولي الذي تبنى عليه لبنة الحياة لا بد من اكتشافه اما داخل أنفسنا او داخل موضوع خارجي. وبتعبير آخر اما ان تحوز الذات او الأنا على الأهمية الجوهرية بالنسبة لنا أو ان هناك موجوداً آخر يتجاوز هذه الأنا باهميته.

قد يردّ عليّ أحدهم بقوله انه لا يوجد على ارض الواقع الفعلي حدّاً فاصلاً بين “ ذاته “ وبين “الآخر”

اذ يمكن للمرء ان يستضيف الاثنين معاً، فيقدّر واحداً منهما اثر الآخر بعد ان يتداخل ويتشابك الاثنان معاً، ولا اريد هنا الادعاء ان الطبيعة البشرية تخلو من اختلافات وتناقضات بل أشَرْتُ فقط الى وجود قطبين مسلكيين اثنين يتعامل عن طريقهما الانسان مع نموذجه المثالي. وسأحاول فيما يلي ان أبين من وجهة نظري الشخصية كيف يمكن اعتبار ان هذين المسلكين متأصلين وجوهريين لهذين القطبين النموذجيين.

سنبدأ ب “دون كيخوت” ، فماذا يمثّل “دون كيخوت” ؟ لن نتعجّل في تفحص هذه الشخصية لكي نتجنب الأحكام السطحية، فهو ليس مجرد صورة فارس تم تصميمه للتهكم على حكايات الفروسية أثناء القرون الوسطى. هناك شبه اجماع اليوم على ان المغزى الكامن في هذه الشخصية قد جرى تعديله من قبل مؤلف الرواية نفسه، حيث لم يعد “دون كيخوت” في الجزء الثاني من رواية “سرفانتس” نفس الشخصية التي برز فيها خلال الجزء الأول، أي لم يعد ذلك المهرج المسلّي وموضوعاً للتهكم تلاحقه سخريات الناس التي لا تنتهي، بل تحوّل الى رجل ندًّ مكتمل ومبتهج وسعيد يقارع اصحاب الالقاب من النبلاء وصار المستشار الخاص ذو الاضطلاع الواسع لحراس الحاكم الحالي الشخصيين.

وفي هذه الحالة يجب القيام بمجهود يفضي الى الكشف عن لبّ هذه المسألة، لهذا سنعيد تكرار السؤال الأساسي : ما هو النموذج الذي يمثله “دون كيخوت”؟ انه يعبّر عن الايمان قبل كل شيء، اي الاعتقاد بوجود كائن أبدي دائم، والاعتراف بوجود حقيقة تتجاوز مدارك الانسان الفرد والتي لا يمكن الوصول اليها الا من خلال نكران الذات والعبادة اللامشروطة.

ان انتشار ونفوذ شخصية “دون كيخوت” يرجع الى امتداد واتساع مثله الأعلى الذي من أجله جعل نفسه في حالة استعداد دائم لتحمل كل البؤس الذي ينتظره الى حد التضحية بنفسه اذا تطلب الأمر ذلك، فهو في حقيقة الأمر لا يكن أي احترام لحياته الا اذا كانت في خدمة الهدف الذي يمليه مثله الأعلى وهو اقامة العدل وتوضيد الحقيقة على وجه الأرض. يقول البعض ان مخيلة “دون كيخوت” المشوّشة تستمد عناصرها من عالم الفروسية الخيالي وهيامه بالعالم كما يتصوره هو. يمكن القول ان مخيلته المشوشة تستمد عناصرها من عالم وهمي مشبع بأجواء الفروسية الرومانسية التي يريد ان يبني عليها مفهومه عن العالم، وهذا هو الافتراض الذي يشكل الجانب الهزلي من شخصية “دون كيخوت”.

ان المثل الأعلى الذي يلاحقه (دون كيخوت) بثبات واخلاص هو في حالة نقية تماما و سليم تماماً لم يصبه أي سوء، وما يعتبره “دون كيخوت” خزياً وعاراً هو ان يعيش المرء من أجل نفسه فقط، وألا يعنيه شيئاً آخر في الحياة غير ذاته، ان (دون كيخوت) موجود خارج نفسه اي انه يعيش من أجل الآخرين، من أجل اخوته في الانسانية في سبيل اخضاع الشر والتفوق بذكاء على تلك الكيانات المشؤومة من المشعوذين والمردة الذين يعتبرهم (دون كيخوت) أعداء الجنس البشري.

لا يوجد لدى (دون كيخوت) أي بقايا او آثار للأنانية وآخر ما يهمّه هو ذاته، انه التجسيد الكامل لنكران الذات وما يمليه ذلك من سلوك مناسب، فهو لا يسقصي الامور كما انه لا يسائل نفسه حول اي قضية كانت، انه يؤمن دون خوف على الاطلاق ويعيش بايمانه المطلق، لهذا فهو شجاع لا يهاب ولا يتذمر ويقتنع بزوادته البسيطة و هو سعيد جداً بلباسه العادي.

وهل يبالي حقاً بامتلاك بقية متاع الحياة؟ مثل هذا الأمر لا يخطر على باله اطلاقاً! الهدوء والصفاء يشعّان من قلبه، وروحه الباسلة تتوق دوماً الى مقام جدير بالاحترام وتقواه الشديدة المؤثرة لا تحدّ من حريته الشخصية ومع انه بعيد تماما عن الغرور والغطرسة فهو لا يرتاب في نفسه ولا يشك مطلقاً بنداء الواجب المهني ولا حتى بقدراته الجسدية، كما ان وفاؤه واخلاصه ينبعان من صلابة ارادته الحديدية. وكفاحه المستمر للوصول الى ذات النهاية وبلوغ هدفه الوحيد جعل أفكاره مثبتة على هدف واحد وحيد غير قابل للتبديل، وعقله يتحرك بتناسق وتماثل دائم.(دون كيخوت) لم يكن عالماً وهو يعتبر المعرفة قضية نافلة لا ضرورة لها. فما هي الفائدة التي سيجنيها اذا عرف كل شيء؟ لكنه على يقين من شيء وحيد، من شيء أساسي وهو انه على دراية تامة بكيف ولماذا هو موجود ويشكل ذلك حجر الزاوية في اي معرفة موسوعية.

قد يمثل(دون كيخوت) شخصاً مهووساً بالكامل لكونه غالباً ما يغض النظر عن مواضيع بسيطة حين تكون امام ناظريه مباشرة، فالقضايا التي تكون واضحة تماماً بالنسبة لأي شخص تختفي تماما من أمام عينيه، انها تذوب كالشمع داخل لهيب الحماس المتّقد في عالمه الفروسي. فهو حين يرى دمى خشبية يعتقد انهم فعلاً رجال أحياء من المغرب يقفون الى جانب حشد من الفرسان المدججين بالأسلحة. وفي مناسبات اخرى يكشف (دون كيخوت) عن محدودية رؤيته الذهنية فيظهر، حين لم يعد بامكانه تغيير قناعاته او الانتقال الى موضوع آخر، كأنه عاجز عن المشاركة في اي تسلية او نشاط فكاهي عابر، فيبصبح أشبه بجذع شجرة قديمة استقرت جذورها العتيقة في أعماق التربة دون ان تستطيع الفكاك منها.

ان (دون كيخوت) يمتلك بنية اخلاقية هائلة (على المرء ان لا ينسى ان هذا الفارس المنحرف المذهول هو الكائن الأكثر أخلاقية على وجه الأرض) وذلك يضفي عليه جاذبية خاصة وعظمة تنفرد بها أقواله وأعماله، وبكلمة اخرى ان شخصيته الأخلاقية تعطي الاستقامة والمصداقية لكيانه رغم كل المطبّات المهينة واللامعقولة والمثيرة للسخرية التي يقع فيها باستمرار .

ان(دون كيخوت) انسان متألق، وهو يشع حماساً بإخلاصه لفكرة أو التصاقه بقضية ما.

ولكن ما الذي يمثله (هاملت) ؟ بالدرجة الأولى القدرة على التحليل والتفحص الدقيق ثم الغرور والأنانية وبالتالي : الجحود والزندقة. انه يعيش من أجل نفسه فقط: فالمرء يؤمن بما هو كائن خارج ذاته، أو بما هو متعال على نفسه غير أن “أنا” (هاملت)، التي لا يؤمن بها حتى هو نفسه، ما تزال تشكل لديه قيمة كبيرة تعزّ عليه، ويشكل هذا الموقف المرجع الأساسي الذي يعود اليه هاملت بثبات دائم، لأن روح (هاملت) عاجزة عن ان تلمح ائ شيئ آخر في هذاالعالم تلتزم به غير أنا(هاملت). ان هاملت شخص شكوك جداً ويثير الكثير من الضجيج حول نفسه وهو سريع الانفعال حول كل ما يتعلق بخصوصياته .

(هاملت) يشك في كل شيء،حتى في ذاته التي يجعلها، بدون رحمة، موضعاً للشك. كما انه عميق التفكير وينظر بانصاف الى الأمور لدرجة تجعله لا يرضى او يقتنع بكل ما يجده داخل نفسه، كما ان شدة وعيه بذاته تدفعه ليدرك محدوديته ونقاط ضعفه. غير ان وعيه لذاته يتحول الى طاقة قوية يشع منها ، ويا للسخرية، كل ما يتناقض مع حماسة (دون كيخوت).

(هاملت) دوماً على أهبة الاستعداد للتهجم على نفسه والتنديد بها، كما انه يبالغ في اظهار عيوبه، ولا يتوانى عن التجسس حتى على نفسه، وهو على وعي تام بأصغر نقائصه، ولهذا فهو يزدري نفسه ويلومها. انه عديم الثقة بنفسه رغم انه شديد الاهتمام بذاته، فهو لا يعرف ماذا يريد، بل هو لا يعرف لماذا يعيش أصلاً مع انه شديد الالتصاق بالحياة.

يقول هاملت:

آه يا ليت هذا الجسد الصلد يذوب

يموع وينحل قطرات من ندى.

يا ليت الأزليْ لمّ يضع شريعته

ضد قتل الذات. رباه، رباه.

ما أشدّ ما تبدو لي عادات الدنيا هذه

مضنية، عتيقة، فاهية، لا نفع منها . . .

لكن هاملت ليس مستعداً للتخلّي عن مأواه وحياته التي لا نفع فيها، فهو كان قد فكر ملياً بالانتحار حتى قبل ان يظهر له طيف والده معلناً منذ ذلك الحين انه قد وجه ضربة قاضية لارادته العاجزة.

     “ انها شراك لصيد العصافير. وانا أعلم كم تسرف النفس حين يلتهب الدم من الحب، في مدّ اللسان بالوعود.”

علينا ان لا ندقق كثيراً في مطالباتنا المتعددة من هاملت، فهو يتعذب عذاباً اليماً وموجعاً وأكثر شدة من الام (دون كيخوت) فهذا الأخير يحيط به الرعاة الذين تسود على ملامحهم الفظاظة والسجناء الذين قام (دون كيخوت) باطلاق سراحهم، بينما تبقى كل جراح (هاملت) من صنعه هو. فالنصل الذي يستخدمه لتعذيب نفسه واستفزازها هو نفسه السيف ذو الحدين الذي يستخدمه عندما يقوم بالتحليل والتشخيص.

يجب الاعتراف ان (دون كيخوت) هو رجل سخيف حقاً ويعتبر أهم شخصية هزلية وصفها شاعر ما، لقد صاغ اسمه في اللغة حتى صار بمثابة نقش محفور وتحول الى لقب يدعو الى الاحتقار ويشهد على ذلك ما سمعناه من الفلاحين الروس بهذا الصدد، اذ يكفي ان يشير المرء الى اسمه حتى يبرز في المخيلة فجأة هيكلاً بشرياً هزيلاً، جسده النحيل داخل ثياب رثّة تغطيها رقع غريبة، اما حصانه العجوز النحيف الذي كان يمتطيه وقد تدلت من جانبيه ساقي (دون كيخوت) المنفرجتين فله هيكل عظمي برز شكله من تحت جلده،… كائن في مهب الريح يثير شفقة ممزوجة بالسخرية.

صحيح ان (دون كيخوت) متقلب الأطوار ولكن حين نضحك معه نميل الى مصالحته، الى الغفران والى الجلد والثبات. يقول المثل الشعبي :” ان ما تضحك عليه اليوم قد تندم عليه غداً.”

أما مع هاملت فالأمور ليست على هذا الشكل، رغم ان رؤية طلعته يحمل جاذبية خاصة، فهو مسكون بالكآبة التي تطفح من شحوب ملامحه ( مع انه ليس نحيلاً بل هو بدين أو كما كانت تصفه أمه “ انه سمين” ) يلبس رداء مخملي أسود ويزين قبعته بريشة طير ويتصرف بلطف زائد ويصدر من حديثه نفحات شعرية كما يشع منه احساس دائم بالتفوق على الآخرين يضاف اليها سخريته اللاذعة من ذاته وتهكمه الذي يكوي به نفسه أي كل ما يجعلنا نفتتن به ويجذبنا بشدة الى شخصيته. كل واحد يتوق لكي يكون مثل (هاملت) وليس مثل (دون كيخوت) على الاطلاق. وتحت هذا التأثير كان (بوشكين) حين يخاطب أحد أصدقائه المعاصرين يناديه (هاملت باراتينسكي). لا أحد البتة له الجرأة ليتطلّع نحو “هاملت” بنظرة تحمل شذرة من سخرية، فكان من المستحيل ان تجد شخصاً قادراً على محبة (هاملت) الا اذا كان من طراز (هوراشيو) فيستطيع حينها الالتصاق ب(هاملت)، وسأعود الى هذه النقطة لاحقاً. من الواضح ان الجميع يتعاطفون مع (هاملت) لأن جميعهم تقريباً يتعرفون في شخصيته على جوانب من ملامحهم الذاتية. ليس لديهم اية امكانية لمحبته ذلك لأنه هو نفسه لا يحب أحداً.

لنتوسع في عملية المقارنة هذه ، ان (هاملت) هو ابن احد الملوك الذي اغتاله شقيقه ليستولي على العرش. ويعود والد (هاملت) ليظهر للعيان ويبرز خارجاً من القبر، من لهيب النيران الكبريتية الموجعة ليطالب (هاملت) بالانتقام لجريمة قتل الأخ، غير ان هذا الابن يكثر من التردد والمراوغة ويسترسل في مواساة نفسه معاتباً وموبخاًمع انه في نهاية المطاف يقتل زوج امه لكنه لا يفعل ذلك الا مصادفة. وهنا يكمن غموض نفساني اعطى لنقاد “شكسبير “ الجرأة اللازمة لتعنيفه وتوبيخه! اما (دون كيخوت)، هذا الانسان المسكين المحروم من العلاقات الاجتماعية ، العجوز المنعزل المتقوقع، يحاول بمفرده اقتلاع كل اصناف الشر وتحرير جميع المضطهدين في العالم اينما وجدوا.

ولكن ماذا لو أدت مساعي (دون كيخوت) النبيلة لانقاذ نفس بريئة من يد الطغيان الى جلب أضعاف مضاعفة من من حياة البؤس لتلك النفس ! (انني أشير الى الحادثة التي ينقذ فيها (دون كيخوت)

احد الشغيلة من تحت ضربات سيده المؤلمة، وبعد ان ينسحب المخلص يقوم رب العمل وقد تضاعف هيجانه بعد محاولة الانقاذ المرفوضة بتشديد قوة الضربات الانتقامية التي انهالت على الصبي عقاباً له) . ليس مهماً الآن ان تكون الاعتداءات والهجمات التي شنها (دون كيخوت) على طواحين الهواء، بعد ان خيّل اليه انهم عمالقة تريد تهديده، هي في نفس الوقت أفعال تؤدي الى تشويه ما هو مفيد ايضاً. السمة الهزلية التي تغلف حلقات هذه الرواية لا يمكنها ان تمنعنا من ادراك المعنى الفعلي الكامن وراء المشاهد الكوميدية. من هو الذي قرر ان على الشخص الذي يريد التضحية بنفسه عليه أولاً ان يحسب بدقة النتائج المحتملة المترتبة عن فعل التضحية؟ ان شخصاً مثل (هاملت) يملك ذهناً راجحاً ويشع منه الدهاء لا يرتكب حماقات فجة من هذا النوع. طبعاً لا! فشخص مثل (هاملت) لن يشن حملات صليبية ضد طواحين الهواء، وحتى اذا كانت هذه الطواحين رجال عمالقة فعليين فان (هاملت) الذكي الحذق كان سيتجنبهم، ولا يمكن ان يخطر على باله ابداً ان يبذل اي جهد لاقناع الآخرين ان طاسة الغسيل التي يستعملها الحلاق هي في حقيقة الأمر خوذة فارس محارب. من المؤكد ان عقل (هاملت) سيبقى الشك يخامره من صحة امر ما، من وجود حقيقة ما حتى ولو تجسدت الحقيقة امامه، او انه على الأرجح كان سيتحداها بقوله : انه لا توجد حقيقة كما لا يوجد عمالقة؟

نحن نضحك على هفوات (دون كيخوت)، ولكن من منا يستطيع ان يجزم ويؤكد بدقة انه يستطيع ومهما كانت الظروف ان يعرف الفرق بين طاسة غسيل نحاسية وخوذة محارب ذهبية ساحرة ؟ المهم هنا هواستمرار القناعة نفسها، اما المحصلة فهي بين يدي القدر. انها وحدها التي ستكشف فيما اذا كنا نشن الحرب ضد اشباح لأعداء فعليين، حرب تكشف عن مدى فعالية اسلحتنا. وغايتنا هي تسليح انفسنا من اجل الذهاب الى القتال.

ومن الجدير بالملاحظة كذلك هو علاقة الجماهير الغوغائية و الرعاع بكل من (هاملت) و (دون كيخوت) . ففي مسرحية (هاملت) يمثل (بولونيوس) هؤلاء الرعاع بينما في رواية (دون كيخوت ) يبرز ( سانشو بانزا) كرمز لتلك الجماهير الغوغائية.

ان ( بولونيوس) شخص نشيط ، عملي و هو شيخ حكيم رغم كونه شديد التعصب لأفكاره وكثير الثرثرة، وهو يتصف بمواهبه الادارية الجيدة وبكونه والداً نموذجياًويمكن ملاحظة هذا حين يقوم بابداء نصائحه لابنه (لايرتيس) الذي كان يستعد للقيام بسفرة بعيدة. ان (بولونيوس) ينظر الى (هاملت) باعتباره طفلاً متهوراً ولو لم يكن (هاملت) ابن ملك لكان (بولونيوس) سيسخر كثيراً من طيش “هاملت” وسخافة افكاره. خذوا مثالاً على ذلك ما ورد في الفصل الثالث المميز بين (هاملت) و (بولونيوس) حين أخذ (هاملت) يميل الى السخرية من الرجل العجوز وهذا الحادث هو دليل يثبت توقعاتنا.

دعونا نقتبس لكم المشهد:

(بولونيوس) : إن الملكة يا صاحب السمو تريد ان تتحدث اليك الساعة.

(هاملت”)   : هل ترى تلك السحابة البعيدة، التي تكاد تشبه الجمل؟

(بولونيوس) : وحق عبادتي انها تشبه الجمل تماماً.

(هاملت)     : يخيل الي انها مثل (ابن عرس)

( بولونيوس) : ان ظهرها يشبه ظهر (ابن عرس)

(هاملت)   : او مثل الحوت.

( بولونيوس) : انها كالحوت تماماً.

(هاملت”)     : اذن سأنطلق الى أمي بسرعة.

اليس واضحاً من خلال هذا المشهد ان(بولونيوس) يتودد كما هو واجب عليه ليسعد الامير

ولكنه في نفس الوقت يتصرف كرجل راشد، أي لا يخالف نزوات صبيْ متقلب مختل؟ غير ان (بولونيوس)لا يتعامل مع (هاملت) على علّاته دون تمحيص او تدقيق في سلوكه، ولكن بما انه يفتقد الى نفاذ البصيرة فهو يخطئ تماما حين يفسر الهفوات التي يرتكبها (هاملت) على ان سببها يرجع الى علاقة الحب التي تربطه مع (أوفيليا)، اما في القضايا الاخرى فهو قادر على سبر غور شخصية هاملت بشكل صحيح ولكن (هاملت)، مع كل الذين ترمز اليهم هذه الشخصية، يبقون اشخاصاً تافهين لا قيمة لهم بين الناس، فهم عاجزون عن تقديم اية فائدة لأي شخص ولو بجزء يسير من المعرفة، هم عاجزون عن ان يكونوا قدوة للآخرين ما داموا هم انفسهم يسيرون على ضلال، اذ كيف يمكن لشخص يجهل موقعه ان يصبح دليلاً للآخرين؟ ثم ان (هاملت) ومن يقتدون به يشمئزون من الجماهير، وحين لا يحترم المرء نفسه فهو عاجز عن ان احترام الآخرين، ثم ما هي قيمة الجماهير لشخص كهذا؟ ولا يستحقون اي جهد لذكرهم او للحديث عنهم. بالاضافة الى كل ذلك فان (هاملت) يبقى ارستقراطياً ، ليس بسبب منشأه العائلي بل بسبب تكوينه الشخصي وطبيعته؟

أما (سانشو بانزا) فهو من صنف مختلف . انه يضحك على (دون كيخوت)، مدركاً ان هذا الأخير رجل مجنون. ومع ذلك فقد هجر (سانشو بانزا) في ثلاث مناسبات متتالية بيته وزوجته وابنته ليرافق هذا المعتوه وليعاني كل اصناف الحرمان ويظل مع ذلك مخلصاً وفيّاً له حتى الموت. ان له ايماناً خاصاً ب(دون كيخوت) وهو في حقيقة الأمر فخور به لدرجة انه أثناء اللحظات الأخيرة من حياة سيده انهار (سانشو بانزا) على ركبتيه وهو يبكي من شدّة تأثره ، وما كان لكل هذا الاخلاص والحماس ان يحصلا لو ان (سانشو بانزا) توقع ان ينال مكافأة مقابل اخلاصه. انه يملك من الحس السليم ما يكفي لابعاده عن الغرور، فهو يعلم تماماً انه باستثناء بعض الهزائم والمضايقات التي قد تحصل في بعض الظروف لا يوجد اي تعويض او مكافأة لمساعيه. على المرء ان يفكر بعمق من اجل معرفة كنه هذه العلاقة التي يرجع سببها في الأصل الى ميل الجماهير للانقياد مثل العميان، وهم يفعلون ذلك بقلوب مفعمة بالتعاطف والمحبة مع الآخر الذي يندفعون نحوه بحماس يكشف عن مدى تجاهلهم لمنفعتهم ومصالحهم الذاتية والتي غالباً ما يرميها الفقير كما يرمي قطعة من الخبز. نعم هذا هو السلوك العام والتاريخي الذي تسير بمقتضاه الجماهير! هذه الجماهير تتوصل الى الايمان الكامل بهذا الذي امتثلت له الآن بينما في الاصل كانت تزدريه وترشقه بالحجارة. وفي هذه الفوضى العارمة لا يبقى في المقدمة الا من يستطيع الاحتفاظ بموقعه القيادي دون خوف من ردود الفعل، من اي جهة اتت، فيستمر في سيره صاعداً نحو الأعلى لا يحركه سوى رؤياه الذاتية المثبتة على أهداف بعيدة غامضة والتي قد تظهر احيانا او تختفي احياناً اخرى الى ان تحقق الرؤيا هدفها. وحقاً لا يصل الى مرماه سوى ذلك الذي لا يتحرك الا بما يمليه عليه قلبه، نعم “ ان الأفكار العظيمة لا تصدر الا من القلب.” كما يقول “فوفيناك” اما من يمثلهم هاملت فلا يستطعون العثور على اي شيء وليس بمقدورهم اكتشاف اي شيء، انهم لا يتركون اي اثر سوى بقايا شخصياتهم التي لا تاثير لها، لكونهم لا يحبون شيئاًعلى الاطلاق، ولا يتبنون عقيدة ما، ولهذا يمكن القول : ماذا سيكتشف هؤلاء من وراء سعيهم؟ حتى في الكيمياء لا بد ان يتفاعل اثنين من العناصر لكي ينتج عن اتحادهمامادة ثالثة. اما (الهاملتيون) – من يرمز اليهم هاملت- فهم وحيدون وقلقون دوماً على انفسهم ولهذا فهم عقيمون دائماً.

وقد يعترض احدهم هنا بقوله:”ولكن ماذا عن (أوفيليا) ؟ ألم يقع (هاملت) في حبها؟” لنتحدث قليلاً عن هذا الحب وبالمناسبة سنتطرق الى علاقة (دون كيخوت) ب (دولسينيا) ايضاً. ان سلوك هذين النمطين من الرجال اتجاه النساء له أهميته. ان حب (دون كيخوت) ل (دولسينيا) هو حب متخيل، فلا وجود ل (دولسينيا) ومع ذلك فهو على استعداد لأن يقدم حياته من أجلها. لنستعيد كلماته وهو يخاطب احد الفرسان الغزاة الذي وقف فوق رأسه ولم يستل سيفه بعد :” هيا اطعن ايها الفارس! ولا تجعل من هذا الوهن الذي انا فيه الآن ينتقص من شهرة وجلال حبيبتي (دولسينيا)، فما زلت على قناعتي انها اكتمال الجمال على وجه الارض.”

ان حب (دون كيخوت) هو حب مثالي من الطراز الاول ، انه حب عفيف. انه حب مثالي لدرجة ان (دون كيخوت) لم يكتشف ان العشيقة التي يهواها (دولسينيا) لا وجود لها، وهو حب عفيف لدرجة انه حين تظهر (دولسينيا) امامه بهيئة امرأة فلاحة قذرة و فظّة لا يصدق ما تراه عينيه بل ويفترض ان ما يشاهده ليس الا هيئة تحولت على يد ساحر شرير.

لقد قابلت بدوري خلال الجولات العديدة التي قمت بها في حياتي افراداً ضحّى كل واحد منهم بحياته من أجل (دولسينيا) لا وجود له، او من أجل شخصية ما كريهة ، فظّة ومقرفة، لكنها تحولت بالنسبة لهم الى تجسيد لمثالهم الأعلى. لقد شاهدت كل ذلك، وحين تختفي كل هذه النماذج من العالم ستغلق كل كتب التاريخ لأنه لن يبقى ما يستحق القراءة.

لا يوجد اي اثر للفسق عند (دون كيخوت) فكل افكاره عفيفة وبريئة، وهو في أعماق قلبه لا يوجد لديه اي أمل يذكر انه سيلتقي ابداً ب (دولسينيا) يوماً ما، بل هو في حقيقته يخشى مثل هذا اللقاء!

أما بالنسبة الى (هاملت) فهل هو فعلاً قادر على ان يحب؟ ان هذا المبدع في التهكم والسخرية والمتعمق في انتقاد كل جوانب الروح البشرية قد عزم اخيراً على ان يمنح هذا الأناني الذي يكاد يشك في كل شيء القدرة على الحب، هذا الذي امتص كل ذلك السم الذي ينخر في كل شيء، انه السم الذي ينبعث من تحليله الذاتي لنفسه.

ان (شكسبير) لم يتناقض مع نفسه في هذا السياق، والقارئ الحصيف بامكانه ان يقنع نفسه وبسهولة ان (هاملت) – المترف بالشهوات – لا يستطيع ان يحب، بل يتظاهر فقط بالحب الذي لا جدوى منه، ومن الجدير بالذكر هنا ان (روزينكرانتز)، وهو احد رجال الحاشية، يبتسم حين يذكر (هاملت) انه يمل من النساء، حتى ان (شكسبير) يشهد على ذلك في المشهد الأول من الفصل الثالث عندما يصرح (هاملت) ل (أوفيليا) بقوله:

(هاملت) : لقد كنت أحبك يوماً.

(أوفيليا) : أحقاً! مولاي، انك جعلتني أومن بذلك.

(هاملت): كان عليك ألا تصدقيني. ما أحببتك قط.

وعندما ينطق (هاملت) العبارة الأخيرة يكون قد اقترب من الحقيقة أكثر مما يريد الاعتراف به . ان مشاعره نحو (أوفيليا) المتميزة باخلاقها وطهارتها هي مشاعر تفوح منها رائحة السخرية او الغلو الشديد كما حصل في مشهد مع شقيقها (لايرتيس) حين زحف (هاملت) الى قبر (أوفيليا) وهو يردد عبارات مبتذلة مثل :” إني أحببت (أوفيليا) حبّاً، لا يستطيع أربعون ألفاً من الأخوة بكل ما لديهم من حب، أن يبلغوا مقداره. فدعهم يلقون فوقنا ملايين الأفدنة لكي تعلو أرضنا وترتفع.”

ان علاقته ب (أوفيليا) لا تعني شيئاً بالنسبة له سوى كونها اداة لتثبيت وجوده والتفكير في نفسه فقط.

يقول : “ (أوفيليا) الجميلة ! ايتها الحورية، اذكري في صلواتك خطاياي كلّها.”

وهنا يردد وبوعي عميق صدى حالة العجز التي يعيشها، وضعفه الشخصي، ثم عدم قدرته على الحب . لقد طغت عليه طهارة أخلاقها.

لنتوقف عن مقاربة هذه الجوانب الغامضة للنموذج الذي تمثله شخصية (هاملت) وما قد تثيره من جدال لان القارئ يجد فيها قضايا حاضرة امام الفكر، لنلتفت الآن الى العناصر الايجابية في حياة هذا الشخص. ان (هاملت) يجسد مبدأ “النفي” في الحياة، اي نفس الفكرة التي صورها شاعر عظيم آخر على هيئة ( ميفيستوفاليس)- الشيطان في مسرحية (فاوست) للأديب الألماني (غوته)- بعد ان جرده فيها من كل ما هو انساني . ان (هاملت) هو نظير ( ميفيستوفاليس) ضمن محيطه الاجتماعي، كما ان روح النفي التي يتميز بها (هاملت) تشكك بوجود الخير، ولكنها في نفس الوقت واثقة تماماً من وجود الشر الذي تكافح ضده دائماً. ان (هاملت) لا يثق بوجودالخير وعنده شكوك بمصداقية الحقيقة التي يشتمل عليها هذا الخير ولهذا فهو يشن هجومه ضد هذا الخير المفترض لانه تحول الى خير مزيف ، وهو يعتقد ان الشر يخفي نفسه تحت عباءة الخير. ان (هاملت) لا يصدر منه كل ذلك الضحك الشيطاني البارد الذي ينطلق من ( ميفيستوفاليس) وحتى ابتسامته المريرة تنطوي على حزن مؤثر يفصح عن عذابه الدفين وهذه الحقيقة تدفعنا لنتصالح معه ونرضى عنه. ان شكوكه تحتوي على بذور اللامبالاة مما يضفي اهمية خاصة على شخصيته ويجعلها ذات مغزى.

الخير والشر، الصدق والكذب، الجميل والبشع لا تشكل مزيجاً طارئا ومؤقتاً لا نكهة له، فشكوك

(هاملت) هي حرب متواصلة ضد الزيف والكذب، و في الوقت الذي أصبح فيه (هاملت) لا يصدق أحداً ولا يثق باحتمال وجود الصدق والحقيقة على الاطلاق، حتى صار من اكثر المدافعين عن حقيقة لم يتقبلها هو نفسه ابداً.

ولكن النفي هو روح تكمن فيها ،مثلما تكمن في النار، قوة مدمرة. من بامكانه ان يحاصر هذه النار ويضع لها حدوداً ما او ان يضع لها قيودا لايقافها حين لا تصبح النيران قادرة على الفكاك مما ستدمره او مما ستحافظ عليه. ذلك هو المنعطف الذي يجعلنا ندرك الجانب المأساوي في حياة الانسان. فحين يسبق التفكير العمل، يحصل طلاق بين الفكر والارادة وتزداد عزلة كل منهما عن الآخر .

                 وفقدت عزائمنا لونها الطبيعي البراق

                 وعلاها شحوب المرض الذي كستها به همومنا

هذا ما قاله شكسبير من خلال هاملت. هكذا اذن، يتواجد الهاملتيون (أشباه هاملت) وهم يعبرون عن نموذج بشري مولع في التأمل، منغرق في الشكوك ، كثير الفطنة والادراك، ويبقى رغم ذلك عاجزاً ومحكوماً عليه بالتراخي والكسل. بينما يبادر (دون كيخوت) مندفعاً وهائجاً الى تقديم يد العون من أجل مساعدة الجنس البشري والمساهمة في تقدمه نحو الامام . يتبادر الى الذهن وعلى مضض السؤال التالي : هل يتطلب من المرء ان يصبح معتوهاً لكي يتوصل الى ان الحقيقة موجودة فعلاً؟

ان محاولة حلّ كل هذه المسائل ، وان جرى ذلك بطريقة مصطنعة، سيكون خروجاً عن الموضوع، ويكفي ان نذكر انه من خلال تناولنا لهذه الثنائية لا بد ان نتعرف على القانون الذي يشكل اساساً للحياة البشرية ويعتبر ان الحياة تسير في حركة دائمة من المصالحة المستمرة الدائمة بين قوتين هما في حالة من التنازع والتنافس المتواصل، بين متناقضين لا يصيبهما الكلل.

ولكي لا أغرق القراء بالتسميات والمصطلحات الفلسفية فقد كان علي ان اتجنب الخوض في موضوع يتم تصنيف (الهاملتيون – اشباه هاملت) فيه بكونهم يمثلون النموذج الفلسفي او التعبير عن ذلك الاتجاه الذي يعتبر ان الأنا هي مركز الحياة اما بقية العالم فيوجد من اجل تلك الأنا. فالذبابة التي حطت رحالها على جبهة اسكندر المقدوني واخذت تقتات على دمائه كانت على ثقة ان مص الدماء هو حقها الطبيعي وهي مخولة ان لا تفعل شيئاً آخر غير ذلك. و(هاملت ) رغم انه يعامل نفسه بازدراء ( وهو سلوك يتجاوز نظرة الذبابة التي لم تتطور بعد الى مستوى ذكاء هاملت بعد) يعتبر نفسه في مركز الكون، وبقية العالم يلتف حوله.

بدون هذه الانانية المندفعة وبدون هذا الميل القوي للغرور ما كان بامكان العالم الطبيعي ان يتحرك تماما مثلما لم يكن بامكان ذلك العالم الطبيعي ان يسير في مجراه بدون ان يوجد بالمقابل تلك القوة الفعالة الصادرة عن ذلك الميل الاساسي والفطري لدى الانسان والتي تدفعه للعمل من اجل الآخر وتوجهه نحو الغيرية التي تقول ان همّها الوحيد هو ان تضحي بذاتها وانها تستمد شرعيتها بانكار ذاتها من أجل الآخر. ويجسد هذا الموقف من وجهة نظر كوميدية اتباع (دون كيخوت) على هذه الارض.

ان مبدأ المحافظة ومبدأ التقدم، مبدأ الحركة ومبدأ الثبات هما القوتين اللتين تشكلان معاً الاساس الذي تبنى عليه مادة الحياة وهي متضمنة في أتفه وردة تريد ان تزهر لتنضم الى باقة ما ، ان هذه القوى المتناقضة تحتوي ايضاً على الاداة التي ستفكك اسرار التطور وتفسر كيف نشأت الامم وتقدمت الشعوب، وهذه قضايا تقع خارج اطار موضوعنا.

يعرف الجميع، ان ( هاملت ) يعتبر بشكل عام احدى أكثر الشخصيات شعبية في أعمال ( شكسبير)، وتحتشد الجماهير لمشاهدة هذه المسرحية حين يجري عرضهالانها تنتمي الى عالم التحف الفنية، والناس تتفهم هذه الظاهرة حين يأخذون بعين الاعتبار انتشار نزعة وعي الذات لدى الناس وكذلك الميل الى التأمل والشك بالذات. وبغض النظر عما يزخر به هذا العمل من ابداع رائع يجعله واحداً من ابرز الاعمال التي خلقتها روح معاصرة لا يستطيع الانسان الا ان يمتلكه التعجب من الطاقة الفكرية التي تتقد في ذهن المؤلف نفسه – والذي يمثل الى حد ما نموذجاً لشخصية هاملت التي ابتدعها- لقد تمكنت هذه العبقرية الخلاقة من اطلاق العنان لشخصية ( هاملت ) ليصبح نموذجاً اصيلاً وموضوعاً للدراسة تتهافت عليها الاجيال المتعاقبة.

ان الروح التي خلقت هذا النموذج المثالي هي الروح التأملية التحليلية ، روح حائرة وكئيبة بعيدة عن صورة الاناقة الكلاسيكية المنحوتة في قالب جامد، بل روح تتدفق فيها كل المؤثرات الناجمة عن تنوعها ولكنها تحتفظ بمركزية الأنا. لقد انتزع (شكسبير) شخصية ( هاملت) من أعماق روحه وأثبت انه في مجال الشعر وفي مجال النشاطات الانسانية الأخرى تجاوز أقرانه لأنه استطاع ان يفهم حقيقة السلوك البشري.

اما شخصية (دون كيخوت) فهي تعكس روح الود واللطف عند الانسان الذي يتسم بالبهجة والتواضع والحساسية المرهفة، انه يمثل نموذجا بشرياً لا يريد الخوض في متاهات الحياة وألغازها ولا يملك مفهوماً عن عمق ومدى الحياة في مدّها وجزرها، ولا يستطيع ان يصيغ تصوراً عن كل ظواهرها. وهنا لا استطيع ان امنع نفسي من مد هذه المقارنة بين هاتين الشخصيتين الادبيتين الى المقارنة بين الكاتبين، بين شكسبير وسرفانتيس او على الأقل ان أتناول تلك الجوانب حيث يلتقيان فيها او يفترقان.

ولكن كيف يمكن اجراء مثل هذه المقارنة؟ هناك من سيقول : ان شكسبير هو بمثابة تمثال ضخم لنصف اله ! قد يكون هذا صحيحاً ولكن الآخر ليس انساناً قزما الى جانب هذا العملاق الذي ألّف (الملك لير) ، نعم ليس قزماً بل هو انسان عادي مكتمل يتمتع بحق الوقوف منتصباً حتى في حضرة من هم أنصاف آلهة. ليس هناك من شك ان شكسبير الموهوب بكل تلك المخيلة الثرية العظيمة والشاعرية التي تشعّ دوماً بذكاء حاد لامثيل له هو حقاً عملاق آخر بالاضافة الى سرفانتيس ، وليس عملاقاً بجانبه. عليكم جميعاً ان تتذكروا هذا الأمر: لن تجدوا في رواية (سرفانتيس) اي أثر لفكاهة مفتعلة او صور مصطنعة او حوار متكلف مبتذل، كما انكم لن تقعوا في اعماله على مشاهد قطع الرؤوس واقتلاع مقل العيون، لن تجدوا انهار من الدماء ، لن تشاهدوا ايضاً الأعمال الوحشية التي تتغذى على مائدة الميراث الهمجي الآتي من القرون الوسطى ومن البربرية التي أنحسرت تدريجياً من مناطق الشمال القاسية. على المرء ان يتذكر ان سرفانتيس ، مثله مثل شكسبير، عاش في فترة أحداث مذبحة (سان بارتيليمي) حيث استمر بعدها ولسنوات طويلة احراق الزنادقة المقيدين على الأوتاد كما استمر تدفق دماء الناس ( ولا يدري أحد متى ستتوقف). لقد جرى تصوير القرون الوسطى في رواية (دون كيخوت) بصيغة الشاعرية الريفية وعبر صور فاتنة سحرية لتلك المشاهد الرومانسية التي كان يستهزئ بها (سرفانتيس) بفرح غامر.

يقوم (شكسبير) ببناء تصاميمه مستخدماً كل شيء يمكن ان يوجد في السماء او على الأرض: فلا شيء يفوته على الاطلاق، ولا يستطيع اي شيء ان يمر دون ان ترقبه نظراته الثاقبة، انه يلتقط موضوعه كما ينقض نسر على فريسته بحركة خاطفة وكاسحة لا يمكن تفاديها. بينما يقدم سرفانتس شخصيات عمله الروائي الى القراء بكل هدوء ولطف، كأب حنون يريد ان يعرّف ابنائه لزائر قريب، انه يجمع غلته من ارضه الصغيرة التي تشعره انه مقيم في بيته. قبل ان تبزغ روح الشاعر الانكليزي (شكسبير) التي لا تقهر ظهر وكأن كل ما هو انساني سيقدم على الاستسلام، في حين ان كل ثروة سرفانتس التي يملكها آتية من قلبه مباشرة، من دفئ قلبه الودود والغني بالتجربة التي لم تصل الى حد القساوة. ليس عبثاًانه قضّى سبع سنوات طوال داخل زنزانة السجن، اذ منذ ذلك الحين، وكما يروي قصته بنفسه، تمكن من ان يتعرف على درب الصبر. نعم ان مجال تفوقه او براعته أضيق من تلك التي يمتلكها (شكسبير)، ولكن ضمن ذلك النطاق الضيق ستجد كل ما هو مشترك في الطبيعة البشرية. ان ( سرفانتس) لا يبهرنا بالتعابير البراقة ولا يصعقنا بحماسه المتوهج كما ان شعره لا يقترب من الآفاق الجمالية التي يزخر بها شعر (شكسبير) والذي يصل عنفوانه احياناً الى الحد الذي يجعل منه بحراً هائجاً. ان تعابير (سرفانتيس) تتدفق بهدوء وسكون عبر مشاهد (دون كيخوت) والقارئ المنجذب يشعر انه محاط بمياهه الرقراقة الشفافة يستسلم طواعية للتيار متمتعاًبسحر الملحمة الحقيقي.

قد تجد المخيلة بعداً رمزياً آخر حين يتكشف لها ان كلا الشاعرين توفيا في نفس اليوم – 26 نيسان عام 1616 -. والأرجح ان (سرفانتيس) كان يجهل بوجود شخص يدعى (شكسبير) ، ولكن خلال السنوات الثلاث الأخيرة من حياته يمكن لصاحب التراجيديات -(شكسبير)- ان يكون قد قرأ الرواية الشهيرة (دون كيخوت) اذ كان يوجد حينها نسخة انجليزية من الرواية وذلك اثناء اقامته في مسكنه في (ستراتفورد) وكان من المقدر ان تحول ريشة فنان- فيلسوف ذلك المشهد الى لوحة عنوانها – شكسبير يقرأ (دون كيخوت) – بوركت تلك البلدان التي اعطتنا اشخاص من هذا الطراز، أشخاص علموا زملائهم وعلموا الأجيال التي أعقبتهم!

وفي الختام دعوني اضيف الى هذه المقالة المختصرة بعض الملاحظات المتفرقة.

قام أحد اللوردات الانكليز والخبير في امور الادب بالاشارة ، وامامي شخصياً، الى (دون كيخوت) على انه مثال للرجل النبيل ، ويمكن فعلاً اطلاق هذا الوصف عليه. اذا كانت البساطة والسلوك العادي هي معايير الرجل النبيل فعندها يستحق (دون كيخوت) ان ينال هذا اللقب. ان بساطة سلوكه سببه نكرانه لذاته وليس لتمجيد ذاته، انه قليل الانشغال بنفسه و يكّن لنفسه وللآخرين الاحترام فلا يخطر على باله ابداً ان يتصرف بغطرسة وتعجرف. بينما (هاملت) ورغم اتقانه كل آداب السلوك التي يتصرف بقتضاها فهو يطفح بالتملق والتظاهر والاستهزاء وللتعويض عن هذا النقص يستخدم (هاملت) مواهبه الاستثنائية وبحيوية متأصلة من قوة التعبير لا يستيع ممارستها الا شخصية ديناميكية تنزع نحو التأمل، وهذه كلهامفقودة تماماً في حالة (دون كيخوت). ان قوة التحليل لدى (هاملت) ومستوى تعمقه وذكائه بالاضافة الى تحصيله العلمي المتعدد الجوانب في جامعة ويتينبرغ كوّن لديه ذوقاً استثنائياً. فهو يملك القدرة ليكون ناقداً جيداً وعند استشارته يظهر ذكاء وحكمة نادرة كما ان لديه احساس جمالي واضح ورائع يعادل احساس (دون كيخوت) بالواجب.

ان(دون كيخوت) يحترم كل المؤسسات القائمة، الدينية والملكية، ويقدر قيمة الحرية التي يريدها لنفسه في نفس الوقت الذي يحترم فيه حرية الآخرين. بينما (هاملت) على العكس من ذلك يكثر من اللوم والتوبيخ للملوك والبلدان بينما هو في الحقيقة ليس سوى استبدادي متعصب.

يمكن وعلى الأرجح اعتبار (دون كيخوت) شخصاً جاهلا وأمّياً، في حين يحافظ (هاملت) على كتابة يومياته وتدوينها، ولكن مع كون (دون كيخوت) غير متعلم فقد استطاع ان يدير وجهات النظر المختلفة وان يجعل الآراء تستقر حول قضايا الحكومة والشأن العام، بينما لا يجد (هاملت) الوقت الكافي للتداول في مثل هذه الأمور أو حتى ان يلتهي بها.

كنت قد ذكرت انه في الجزء الثاني من الرواية لم يعد جسم (دون كيخوت) معرّضاً للاضطهاد، باستثناء ما حصل في نهاية الرواية تقريباً وبعد احداث هزيمته المطلقة على يد (فارس القمر الأبيض) وقصته مع الطالب المقنع، وبعد تخليه عن لقب الفروسية ، وقبل وفاته بقليل، يهاجمه قطيع من الخنازير فيدوسون جسده.

لقد سمعت بعضهم يوجه اللوم الى (سرفانتيس) لأنه استحضر نكاته التي عرضها في الجزء الأول من الرواية بعد اعادة ترتيبها. غير ان على المرء ان يتذكر ان شاعرنا كانت تتحكم فيه هنا ايضاً غريزته العبقرية: فهذه الحوادث التي تبدو كأنها شحيحة بائسة هي في الحقيقة تحمل في ثناياها مغزى ودلالة عميقين. ان من هم على شاكلة (دون كيخوت) الذين يعيشون في عالم اليوم لا بد ان تدوسهم الخنازير وهم يجتازون ممرات الحياة ويحصل ذلك وهم في اواخر ايامهم. وهي آخر فدية يدفعونها لقدرهم، للخمول البشري ولعدم الفهم…. انها بمثابة الصفعة التي يلطمها المنافق. بعد ذلك هم على استعداد للموت، لقد خرجوا من داخل نيران المطهر، ووصلوا الى عالم الخلود حيث يستعد لفتح ابوابه من أجل استقبالهم.

ان (هاملت) قاس القلب احياناً، وما عليكم سوى ان تذكروا ماذا كان يحضّر لإثنين من رجال الحاشية الملكية اللذين أوفدهما الملك الى انكلترا ثم اقرأوا خطابه الموجه الى (بولونيوس) الذي قام باغتياله. بالنسبة لنا يبدو هذا وكأننا نتأمل في القرون الوسطى التي لم يمضي بعد وقت طويل قبل ان تغيب صورها من أذهاننا. اذن نحن مدعوون الى ان نكتشف في شخصية (دون كيخوت) ميلاً لوعي غير مكتمل ووهم ذاتي ، انه الميل الذي يسعى لكي يتلاءم مع مخيلة مفعمة بالحماسة، فوصفه للأحداث التي جرت معه وشهدتها عيناه داخل كهف (مونتيسينوس) كانت كلها من اختراعه والتي لم ينخدع بها ابداً ذلك الداهية السوقي (سانشو بانزا).

بالاضافة الى كل هذا فان (هاملت) في حالة تذمر دائم ويشعر بوهن كلما أصابه الاحباط حتى من أكثر الأمور تفاهة، بينما (دون كيخوت) بعد كل الضرب المبرح الذي تلقاه من قبل جماعة العبيد والذي شلّ قدرته على الحركة تقريباً لم يتراجع ابداً وظلّ مشدوداً الى أمله بالنصر النهائي.

الناس في العصور القديمة كانت تعتقد ان الآلهة تحكمها الغيرة ولهذا كان لها مطالب كثيرة ودائمة، ولكن اثناء النكسات كانت الآلهة تحاول الحصول على اية تعويضات، مهما كانت، عن طريق تقديم تضحيات طوعية لها. الا يبدو المظهر الكوميدي في شخصيات واعمال هؤلاء العازمين على تقديم خدمة واحدة وحيدة فقط لمنفعة الجنس البشري انهم يشبهون هؤلاء الذين يقدمون ضحاياهم ارضاء لغضب الآلهة؟ دون وجود مثل هذا الحارس الغريب الأطوار والمثير للمرح لا يمكن تصور وجود اي تقدم ولما وجد لشخصيات من أمثال هاملت واتباعه قضايا يتفلسفون حولها.

لنكرر ما ذكرناه: (الدون كيخوتيون) يبتكرون، بينما (الهاملتيون) يستغلون تلك الابتكارات، وهنا قد يسأل سائل كيف يتسنى ل (لهاملتيون) استغلال أي شيء في الوقت الذي يشككون فيه في كل شيء ولا يصدقون أي شيء؟ والاجابة هي ان الطبيعة تدير هذه الأرض وتنظمهاببراعة تامة بحيث انها لا تسمح لهؤلاء المغالين بدقتهم من أمثال (هاملت) او لأصحاب الانتماء والولاء من أمثال (دون كيخوت) ان يعزز كل طرف من موقعه للقضاء على الآخر. هناك ببساطة تعابير تعكس مثل هذا التطرف الكائن في هذين التوجهين المتعاكسين. والحياة تسير نحو أحد هذين الاتجاهين المتناقضين ولكن دون ان تصل او تبلغ أي منهما. من الجيد ان يتذكر المرء انه عند (هاملت) يتسع مبدأ التحليل، والتقصي، والتدقيق ليشمل كل شيء حتى يصل الى حدود المأساة (التراجيديا) ، كذلك الأمر بالنسبة الى حماسة (دون كيخوت) التي تتشتتت حتى تصل الى الجهة الأخرى من الملهاة. في الواقع الفعلي نادراً ما يلتقي المرء بكوميديا لا يشوبها شيء من الجد والغم أو بمأساة خالصة.

ان الناس تكنّ ل(هاملت) احتراما وتقديراٌ اكبر بسبب إخلاص (هوراشيو) اللامحدود له، هذه الشخصية التي نلتقي بأمثالها في وسطنا الاجتماعي وتلعب دوراً في تعزيزهيبتنا ووقارنا. ان (هوراشيو) هو نموذج للتابع المخلص، والتلميذ الذي يتطلع اليك دوماً بعد ان حزم أمره بشكل نهائي وقرر ان يتبعك ويخلص لك، لقد بات يملك قلباً سريع التجاوب ومنطقاً محدوداً، وهو على وعي بكل سلبياته ونقائصه لذلك فهو متواضع ولا يدّعي شيئاً، كما ان لديه نهماً للمعرفة وتوقاً شديداً للتعلم ولهذا فهو ينظر الى (هاملت) الذكي والحاد الذهن كمن يتطلع الى اله يعبده ويخلص له بقلبه وروحه دون ان ان يطلب شيئا ما لقاء ذلك وصار يرضخ لتعليمات (هاملت) ليس لكونه امير البلاد بل باعتباره رئيس القبيلة صاحب النظر البعيد. ان اهم الخدمات التي يقدمها اتباع (هاملت) تنبع من مساهمتهم في انضاج افراد مثل (هوراشيو) ممن لهم شهوة جامحة للعب دور الوسيط ، ويغّذون هذا الحلم ويرعونه في قلوبهم المجيدة ثم ينشرونه في أرجاء العالم، كما ان التعابير التي يطلقها (هاملت) وتنم عن مدى التقدير الذي يكنه نحو (هوراشيو) تزيد كثيراً من احترام هذا الأخير لنفسه واحساسه القوي بكرامته الشخصية، لاسيما وان (هاملت) يقحم ضمن تلك التعابير تصورات سامية ومثالية عن الرجل لا تطالها النوايا العدوانية لأي عدو شكوك. ها هو يخاطب هوراشيو بقوله:

إن روحي منذ صارت لها القدرة التامة على الاختيار

واستطاعت تمييز أقدار الرجال،

قد اختارتك واصطفتك لنفسها،

لأنك كنت دائماً رجلاً تحتمل الخطوب،

في جلد وارتياح ، وكأنك لا تحمل شيئاً،

رجلاً تقبل صدمات الدهر وخيراته، بنفس الرضى والامتنان.

فطوبى لأولئك الذين امتزجت فيهم الحماسة والعقل،

امتزاجاً جيداً، فلم يصبحوا مزماراً في كف القضاء ،

يضع إصبعه على أي نغمة يشاء.

من لي بذلك الرجل، الذي لا تستعبده أهواؤه،

حتى أجعله من قلبي في الصميم،

واضعه في قرارة مهجتي، حيث أضعك أنت،

والآن حسبي ما قلته في هذا الصدد.

ان (هاملت) الشكوكي يحترم بثبات (الرواقي )المخلص في ايمانه. (الرواقية) هذه الكلمة القديمة الآتية من تاريخ اليونان، الكلمة التي تحللت بعد ان كان الناس ، من أعلى المراتب، يلجأون ويلوذون بالرواقية لكونها الوسيلة الوحيدة التي بإمكانها ان تحافظ على الكرامة البشرية في وقت الأزمة.

كلاهما، (هاملت) و (دون كيخوت) تنتهي حياتهما بطريقة مؤثرة رغم ان التباين بيهما يظل قائماً حتى في الخاتمة: كلمات (هاملت) الأخيرة تثير الإعجاب بعد ان صار يكتنفه الهدوء واستسلم لقدره، ثم ودّع (هوراشيو) واعلن من فراش الموت صلاحية الأمير الشاب ( فورتينبراس) ، لكن نظر (هاملت) لم يعد مشدوداً الى الأمام. “كل ماتبقى هو الصمت” هكذا قال الشكوكي الذي انتهت أيامه وفرض عليه الصمت الى الأبد.

أما موت (دون كيخوت) فهو يلهم الروح بإيجاز دقيق، وكل فرد بين الحاضرين يقدم التبجيل والاحترام لهذه الشخصية، وحين شرع احد خدم (دون كيخوت) السابقين في الحديث عن هيام الفارس اثناء احدى رحلاته، رد عليه الفارس المحتضر :

كلا ! لقد انتهى كل شيء الآن ، وأرجو المعذرة من الجميع

انا لست (دون كيخوت) بعد الآن

لقد عدت واصبحت ببساطة (الونزو)،

أو (ألونزو ال بوينو) كما هو لقبي منذ البداية.

انه لموقف مدهش حقاً، فبمجرد الاشارة الى لقبه، للمرة الأولى والأخيرة، يترك في النفس انطباعاً يتعذر محوه من نفس القارئ. نعم هذه العبارة الفريدة تحمل لوحدها دلالة موحية في وجه الموت. كل شيء سيتلاشى وسيختفي – المراتب، القوة، والعبقرية- كل شيء سيزول ويتحول الى غبار:

كل ما تحمله الأرض من فخامة

سيتبدد كالدخان.

باستثناء الأعمال الجيدة فهي لن تتبدد كالدخان بل ستبقى وتتدوم اكثر من أي وهج يشع به الجمال:

يقول الرسول : ”كل الأشياء سترحل وتزول، والحب وحده باق”

بعد هذا لا يمكن للمرئ ان يضيف كلمة أخرى.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *