من عصر (جون كالفن) الى عصر الخلافة

من عصر (جون كالفن) الى عصر الخلافة

توطئة:

لكوننا نعيش في القرن الحادي والعشرين فلا يوجد داع لكلمة تعرّف ب(ثقافة) داعش وأخواتها التي يمكن اختزالها بحد السكين، بثقافة جزّ الرقاب، ولكن المقاربة التاريخية تستدعي تعريفاً برسول آخر يدعى (جون كالفن) المولود في فرنسا. والكالفينية نسبة الى (جون كالفن)الذي عاش بين عامي ( (1564 – 1509، وكان يؤمن بمبدأ الاختيار المسبق أو ما يعادل القول بمبدأ الجبرية في التاريخ الاسلامي ، أي أن الإنسان لا يستطيع أن يمتلك الإرادة الحرة، أما كل الذين سينالون الخلاص فان الله قد سبق واختارهم قبل إنشاء العالم.

اعتبر كالفن ان الكتاب المقدس يشكل المرجعية الأولى ذات الشرعية والتي يجب أن تخضع لها كافة السلطات الأرضية، وقد نجح من خلال هذا الفكر بتشكيل حكومة صارمة في جنيف عرفت بنظامها المتشدد، حيث أسس (المجلس الكنسي) واعتبر ان من واجب الكنيسة وبمساعدة ذلك المجلس ان تقوم بالاشراف الكامل والمراقبة التامة على كل جوانب الحياة في المدينة ومراقبة الناس من أجل تنفيذ وتطبيق ارادة الله على الأرض فأصدر اوامر (او قوانين) تحرم نهائيا التراخي او الكسل، والرقص، والتلهي، ولعب الورق، والكلام البزيء، والفحشاء، وكذلك الزواج من الكاثوليك، كما أصدرت كنيسته حينها تعليمات صارمة حول الطريقة التي يجب ان يلبس بها الناس ثيابهم وكيف يجب على النساء ترتيب شعر رؤوسهم بل وما هي الأسماء التي يجب ان يتم اختيارها لمواليدهم من الأطفال. كان (كالفن ) عديم التسامح ازاء اي مظهر للضعف عند البشر، حتى ابسط (الخطايا) كان يتم معاقبة مرتكبيها بقسوة لا رحمة فيها.

————————————————————————————————

بعد ظهوره الاول في مصر منذ اكثر من 100 عام تقريباً، يعود الاسلام السياسي الى البروز مرة أخرى لكي يعيد تشكيل العالم الاسلامي و صياغته وتمديد نفوذ ايديولوجيته مستنداًفي ذلك من يتبعون تلك اليديولوجية والذين يتجاوز عددهم البليون في كل انحاء العالم، ويشكلون قوة كبرى اذا تسنى لهم بلوغ التقوى الدينية، وبعبارة اخرى اذا تمكنوا من العيش في دولة تفرض الشريعة الاسلامية كما كان الحال خلال معظم التاريخ الاسلامي. ويتصدى لهؤلاء الاسلاميون الأصوليون كل المسلمين وغير المسلمين الذين لا يقبلون بالعيش في ظل الشريعة الاسلامية. وبقيت هذه المواجهات حميدة احياناً وذات طابع عنيف احياناً أخرى، كما حصل حين ألتهبت الثورات التي قامت في مصر عام 1952 وفي ايران عام 1979 وكذلك الهجمات التي نفذتها القاعدة عام 2001 ثم احداث الربيع العربي التي بدأت عام 2011   وبروز الجماعات الاسلامية الراديكالية كالدولة الاسلامية والمعروفة ايضاً باسم (داعش).

ليس الاسلام كدين هو الذي يولد ويحدث كل هذا التضارب والشقاق، بل يرجع السبب الى عمق الخلاف بين المسلمين انفسهم حول الدرجة التي يتعين فيها على الاسلام ان يقوم بصياغة القوانين والمؤسسات الاجتماعية. ان معظم المسلمين ليسوا جهاديين او ثوار، ولكن التنافس الدائم حول الصيغة القادرة على تأسيس نظام اجتماعي صالح وضعهم جميعاًفي حالة استقطاب نشأ عنه عداء وحشي لا يقبل المساومة، وكانت النتيجة ان تكونت انشوطة عقدية من المشاكل، بحيث انه كلما حاولت اي من هذه القضايا الاشكالية ان تشد من خناق الانشوطة ادّت الى جعل القضايا الاشكالية الاخرى ان تزيد، هي ايضاً، من خناقها.

لقد حاول المختصون والخبراء والاكاديميون والساسة ان يتفهموا طبيعة هذا الصراع ولكن جهودهم لم تصل الى ما كانوا يصبون اليه، رغم كل ما قدمه المختصون في مجال التشريع والدين والتاريخ الاسلامي من مادة غنية فهم كانوا يميلون الى التعامل مع هذا الموضوع وكأنه حالة خاصة فريدة من نوعها. وهم غالباً ما ينسون ان الحركة الاسلامية ليست حركة دينية فحسب بل هي أيضاً ايديولوجية تخطط لقيادة الشأن العام وتنظيم الحياة الجتماعية برمتها مما يتطلب تحليلها والتعامل معا على غرار الايديولوجيات الأخرى. ولا يوجد منطقة ما في العالم افرز كل هذا العدد من الايديولوجيات كما فعل العالم الغربي ولهذا سيكون مفيداً اليوم من اجل التوصل الى نوع من الوضوح الفكري حول الشرق الاوسط المعاصر الرجوع الى تاريخ النزاع الايديولوجي الخاص بالغرب.

هناك تشابه غريب بين اجزاء من العالم الاسلامي اليوم مع اوضاع شمال غربي اوروبا قبل 450 عاماً مضت، اي أثناء ما أصبح يسمى ( الحروب الدينية) . فحينها نشبت وعلى طول مسافات شاسعة سلسلة من الانتفاضات ذات الطابع الديني اجتاحت عدد من البلدان مهددة بالاتساع والشمول نحو بقية البلدان .

ففي عام 1560 واجهت كل من فرنسا وهولاندا وسكوتلاندا انتفاضة في كل منها يقودها اتباع فرع جديد من البروتستانتية يدعى ( الكالفينية – اتباع جون كالفين) . كانت حينها(الكالفينية) الحديثة النشوء – مثل اللوثيرية والكاثوليكية – تعتبر بمثابة ايديولوجية سياسية بالاضافة الى كونها نظام من المعتقدات الدينية، ولقد برزت في مرحلة كانت الكنيسة الرومانية الكاثوليكية قد شيدت أثنائها النظام الاقتصادي الاجتماعي الاوروبي حول هذه المؤسسة الكنسية، ولقد اعتبرت (الكالفينية) نفسها انها تقف على تعارض تام مع النظام السائد حينذاك. وهكذا فاي خيار ايديولوجي سيعتبر خياراً سياسياً بلاضافة الى كونه خيار ديني، اي يمكن القول ان ماجرى تسميته ( الحروب الدينية) هو في نفس الوقت حروباً سياسية.

لقد حدثت تلك الانتفاضات في منتصف مرحلة تمتد 150 عاماً من التنافس حول اي من المذاهب المسيحية يجب على الدولة ان تقتدي به، واليوم يتناهى الى مسامعنا أصداء تلك الدعوات على شكل اصوات يتعالى ضجيجها. وأثناء تزاحم الايديولوجيون من اجل النفوذ والسلطة يقومون بارتكاب أبشع الاعمال وحشية لخنق اية معارضة، وتتكرر مشاهد مجازرهم الدينية وتتدخل القوى الخارجية لصالح الاطراف المتنازعة، ولقد أدى هذا الاضطراب الى ( حرب الثلاثين عاما) البائسة التي امتدت بين عامي 1618 و 1648 واودت بحياة ربع سكان المانيا حينذاك وكانت تعتبر مركز الامبراطورية الرومانية المقدسة. وفي اعقاب انتهاء تلك الازمة تبعها معركتين ايديولوجيتين الاولى بين الملكيين والدستوريين في القرن الثامن عشر والثانية بين الليبرالية والشيوعية في القرن العشرين.

هذه الفترات الثلاث الطويلة من الصراع الايديولوجي والتي انقسمت فيها الدول الغربية حول افضل السبل التي يجب تبنيها من اجل تنظيم المجتمع تقدم لنا دروس هامة وحاسمة من اجل الحاضر. ويبين تاريخ الغرب ان الازمة الراهنة التي يمر بها الشرق الاوسط حول مبدأ الشرعية ليست مسألة جديدة لا في حجمها ولا في سهولة حلّها.

ان الاسلام السياسي، مثله مثل ايديولوجيات صعدت وبرزت في الماضي، استنهض قوى جديدة من داخل النزاع الاقليمي الذي ساهم باندلاعه وما زال يصب الوقود فوق ناره، بالاضافة الى ذلك، ان الصراع الأيديولوجي الذي مرّ ويمر به الآن الشرق الأوسط نادراً ما يختتم بطريقة تقليدية حيث يربح الفائز ويستولي على كل شيء، فهذه النزاعات غالباً ما تتأجج حتى تصل الايديولوجيات المتنازعة الى مرحلة من التحوّل والتغيّر او الى التقارب والالتقاء، وغالباً ما يحصل ذلك بعد ان تتفاقم الأزمة وتتسع حتى تجرّ معها وتورطّ قوى خارجية في النزاع يؤدي لاحقاً الى اعادة تشكيل النظام الاقليمي. ان مجمل الدروس المطروحة لا تحمل في طياتها عصا سحرية لمعالجة كل التحديات التي يواجهها الشرق الاوسط، ولكنها تبين على الاقل ان مشاكل المنطقة ليست حصرية او استثنائية كما انها تدل ايضاً على ان الدول المعنية بالنزاع وقادتها بامكانهم ان يتخذوا خطوات واجراءات تساهم في تخفيض مستوى العنف وخلق ظروف اكثر ملائمة لتطوير وازدهار الانسان.

من (كالفن) في اوروبا الى (هوبز) في الشرق الأوسط

رغم ان الاسلام السياسي في الشرق الأوسط برز كظاهرة حديثة غير ان الطريق الذي اتّبعه والأزمة التي أشعلها تعيد الى الأذهان أجزاء ومراحل مّر وعانى منها الغرب ايضاً. فما ظهر في البداية على انه تنافس بسيط بين الاسلاموية والعلمانية ثم تفاقم فيما بعد وتحول الى صراع متشابك ومعقد. غير ان جوهر السؤال المطروح بقي كما هو ويدور حول مفهوم السيادة في المجتمع، اي ما هي السيادة ومن الذي يحوز عليها في المجتمع. ونقطة الانطلاق في هذا المنعطف هو : مصدر التشريع ومحتواه. هنا يصر الاسلاميون على ان هذا المصدر يجب ان يكون الشريعة، اي ان النصوص المقدسة في الاسلام يجب ان تكون مصدر القوانين وهي في هذه الحالة الوحي الذي نزل من الله على النبي محمد المتضمن في نصوص القرآن بالاضافة الى اقوال الرسول كما وردت في الأحاديث النبوية. ويرد العلمانيون بان القوانين يجب ان يكون مصدرها العقل والتجربة الانسانية وليس الاسلام، او كما يفضل العلمانيون المعاصرون ان يقولوا انه لا يجب ان يكون الاسلام هو المصدر الوحيد للقوانين .

لقد جاءت العلمانية الى الشرق الاوسط عن طريق المستعمر الاوروبي، حيث تبنتها النخب المسلمة بعد ان نالت دولها الاستقلال وذلك لأن الدول الاوروبية القوية المتفوقة انتصرت على الامبراطورية العثمانية وأذلتها والتي كان ينظر اليها على انها دولة الخلافة، اي النظام الحكومي الاسلامي المهيمن.

غير ان العلمانية قوبلت بالرفض من قبل الاسلاموية ( الحركة السياسية الاسلامية). ومع ان هؤلاء لا

يقدمون او يطرحون افكارهم باعتبارها ايديولوجية بل بكونها وبكل بساطة : اسلاما، اي ديانة النبي العريقة، الا ان افكارهم في الحقيقة لها جذور أكثر عصرية. ففي الربع الثاني من القرن العشرين توصل الاسلاميون الاوائل الى قناعة انه من الصعب على المسلم ان يعيش تقيّاًفي ظلّ نظام علماني مما جعلهم يبادرون الى تشكيل وتنظيم حركات للمقاومة. وخلال الخمسينيات اصبحت هذه الحركات اكثر راديكالية وصاروا يتحمسون للدعوة الى دولة تفرض الشريعة بالقوة. وكان للعلمانية اليد الطولى في الستينيات من القرن الماضي غير ان التراجعات والارتدادات التي حصلت في العقود التالية اعادت نفوذ الاسلاميين كما حصل بعد هزيمة العلمانيين في مصر اثر حربها مع اسرائيل عام 1967 ، ثم بعد الثورة الاسلامية في ايران عام 1979 ، وكذلك حرب الخليج 1990-91 .

بمعنى ما يمكن اعتبار ان الاسلام السياسي قد حقق انتصاراً، مع العلم ان المسلمين اليوم لا يمكن وصفهم على انهم علمانيين او اسلاميين بالمطلق وان كان معظمهم يميل باتجاه الاسلاميين. لقد بين استفتاء قامت به (بيو ريسيرتش سنتر) ان الأغلبية في كل من مصر، العراق، الأردن، المغرب والأراضي الفلسطينية يفضلون ان تكون الشريعة قانون البلاد. وفي احصاء آخر قامت به مؤسسة

(غالوب) ان النساء في خمس دول عربية هي: مصر، ليبيا، سوريا، تونس، واليمن يفضلن تطبيق الشريعة. ومازالت تقوم داخل المعسكر الاسلامي انقسامات عميقة حول دور الدين في الحياة العامة وكذلك دور رجال الدين في المؤسسة الحكومية، ولهذا يوجد حكام علمانيين يتبنون بعض عناصر الدين الاسلامي.

ورغم هذه النجاحات ما زال الاسلام السياسي يواجه بعض الشكوك حول قابليته للاستمرار والبقاء، وقد لاحظ الباحثون منذ البداية ان الاسلام السياسي لا يمكن ان يتلائم مع قضايا العصر، وبينت لهم الأحداث مؤخراً ان تزايد العنف في الشرق الاوسط بما فيها الأعمال الانتحارية للارهابيين وقيام المجموعات الجهادية بقطع الرؤوس مثل داعش، تدل كلها على ان هذه الحركات تعيش حالة من اليأس في مراحلها الاخيرة.

وان وجد في تارخ اوروبا درساً اساسيا يمكن للشرق الاوسط ان يتعلم منه فهو ان لا يقلل المرء من أهمية وجدية الخطورة المرتبطة بالاسلام السياسي.

ان تاريخ الحروب الدينية في اوروبا يبين ان التقليل من أهمية او الاستخفاف بما يظهر على انه مجرد ايديولوجية قديمة عفا عليها الزمن هو مسألة خطيرة جداً. ففي مجرى الحروب الدينية الاوروبية وعند منعطفات معينة منها تبين فيها ان منطق العقل والتقدم بدأ يملي على الاطراف المتنازعة وضع حد للنزاع كما هي الحال عندما أخذ النزاع البروتسنتي – الكاثوليكي ينوء بثقله على حياة السكان وعلى أوضاعهم الاقتصادية . فأثناء محطات عديدة في مجرى هذه الحروب وكذلك في عام 1555 وافق عدد من الامارات الرئيسية في المانيا على مبدأ حق تقرير المصير الديني، وخلال العقد الذي اعقب عام   1590 اي حين انتهت الحروب الدينية في فرنسا وضمنت الجمهورية الهولندية البروتستنتية استقلالها من اسبانيا الكاثوليكية خيّل للكثير ان الازمة قد زالت نهائياً، واعتقد الأمراء ، والنبلاء، ومجالس المدن واتباعهم انهم جمياً قد استقروا وتوصلوا الى اقامة سلام عملي، وان البراجماتية السياسية العقلانية اخذت تسود وبدأت الآمال تنتعش بقيام اوروبا جديدة تلبّى فيها المصالح المعيشية للناس وليس تطلعاتهم الايديولوجية.

غير ان اوروبا لم تكن مستعدة لمثل ذلك الانتقال فهي لم تتخلّص بعد من العنف الايديولوجي لأن أزمة الشرعية التي كانت قد اشعلتها بقيت نيرانها تتقد. ومعظم السكان في اوروبا ظلوا محافظين على اعتقادهم ان استقراراً سياسياً دائماً يتطلب ايضاً انسجاماً دينيا قبل اي شيء آخر، وهذا التفكير تركهم في وضع تستطيع اي شرارة مهما صغرت ان تعيد استقطاب المجتمع الى مجموعتين راديكاليتين متعارضتين. وهذا ما حصل بالفعل حين قام البروتستنتيون في بوهيميا بثورتهم فدفعوا باوروبا نحو (حرب ال 30 عاماً ) وذلك في سنة 1618، ولم تفقد العقائد الدينية من قوتها التحريضية الى ان توصّل الاوروبيون الى الفصل بين القضايا المتعلقة بالايمان وتلك المتعلقة بالسياسة.

ولقد حصل وضع مشابه خلال العهود الأخيرة اثناء الصراع الذي كان دائراً في القرن العشرين بين الليبرالية والشيوعية . ففي الثلاثينيات من القرن الماضي وبعد ان خلّف (الكساد الكبير) عذابات مريرة للشعب الامريكي وجعل قادة الفكر والثقافة في الغرب يقتنعون ان زمان الديموقراطية الليبرالية

قد ولّى تماماً، وتكون اعتقاد لفترة من الوقت ان الدول ذات التخطيط المركزي والقسري مهيأة بشكل أفضل للتعامل مع التحديات الاجتماعية والاقتصادية الجديدة ودفع بعض المفكرين الى التسليم والاقتناع بالشيوعية، حتى ان عدداً قليلاً منهم زار الاتحاد السوفييتي وأبدوا اعجابهم به حيث كانت الصناعة تتقدم تحت سلطة ستالين ولم تجري اية اضرابات عمالية. و لقد عبر عن تلك المشاعر الصحافي الامريكي لينكولن ستيفنس حين قال : “ لقد انتقلت الى المستقبل وانا ألمس الآن نتائجه الناجحة.” لكن الديمقراطية الليبرالية أعلنت فوزها في النهاية.

النقطة الهامة هنا ليست فيما اذا كانت الحركة السياسية للاسلام ستنتصر ام لا في الشرق الاوسط بل فيما اذا كانت النخبة الواعية قادرة على تخفيض مستوى التوقعات بشأن جدوى قيام الأنظمة السياسية البديلة وما قد تجلبه من عواقب كارثية. من الواضح ان احد الاسرار وراء بقاء الاسلام السياسي طوال هذه الفترة هو ان الغرباء او من هم خارج اجواء الشرق الاوسط كانوا يقللون من أهميته ودوره طوال تلك الفترة. لقد اثبت التاريخ ان الايديولوجية قابلة لأن تمدد حياتها حين يوجد من يتبناها داخل مؤسسة الدولة، كما حصل للديقراطية الليبرالية عام 1930 في الولايات المتحدة وكما يحصل اليوم للاسلام السياسي والذي يبدو انه بعيد عن الزوال في الوقت الحاضر، هذا ان لم يكن في حالة استعداد لجولة ثانية.

هل كل مايحصل هو بإسم الله؟

ان الاسلام السياسي مثله مثل بقية الايديولوجيات القديمة المتخاصمة لا يوجد في حالة من الوحدة والانسجام. اذ رغم ان الاسلاميين يشتركون عموماً باخلاصهم للشريعة لكنهم يأتون من مقدمات مختلفة ومتنوعة : فهناك سنة وشيعة وهناك متطرفون ومعتدلون وهناك ايضاً قوميون وأمميون لا بل هناك امبرياليون. لقد افضى كل هذا التنوع الى قيام جدل داخل القيادات السياسية في الغرب يدور حول اذا كان يجب على الولايات المتحدة وحلفائها ان تستوعب الحركة الاسلامية السياسية المعتدلة والبراغماتية اينما وجدت ضمن المناطق التي تتنافس فيها مع الحركة الاسلامية الراديكالية، وهؤلاء الذين يرفضون مثل هذا الموقف هم من النوع الذي يصور الحركة الاسلامية باعتبارها كتلة واحدة منسجمة يوحدها الحقد على الغرب، اما الذين يوافقون على هذا الموقف فهم عادة يؤكدون على وجود الانقسامات والاختلافات القائمة داخل الحركة الاسلامية . ان حدوث مثل هذا الجدل ليس شأناً جديداً وعادة ما يلجأ خصوم أيديولوجية معينة الى استغلال الانشقاقات الايديولوجية نفسها لقلب ميزان الصراع لصالحهم. فعبر تاريخ الغرب حاولت القوى الخارجية مراراَ الاعتماد على سياسة فرّق تسد رغم ان النتائج كانت أحياناً تأتي على عكس التوقعات، كما حصل في حالة ( الحروب الدينية- حروب الثلاثين عاماً ) اذ نجم عن طول مدة الصراع الى نشوء انشقاقات في الايديولوجيات المهيمنة في اوروبا حتى ان بعض تلك التحولات التي نجمت عن ذلك النزاع الطويل تمكنت من الاستمرار والبقاء لتنافس الايديولوجية الأصلية التي انشقت عنها. فالبروتستانتيية التي بدأت باعتبارها لوثرية ولكنها تحولت سريعاً الى (الزوينغيلية) في سويسرا والى حركة ( تجديد العماد- انابابتيزم) في المانيا وجرى ذلك قبل ان ينتعش التوجه ذو النمط الكالفيني في فرنسا والنمط الآخر الانجيلي في بريطانيا. ونشب صراع بين الكالفينيين والبروتستنتيين من اجل التوسع والنفوذ واصبح كل منهما عدواً للآخر اكثر من كونهما اعداء للكاثوليكية، واثناء ذلك لم تتوقف جهود سلالة (هابسبورغ) الكاثوليكية التي كانت تحكم (الامبراطورية الرومانية المقدسة) عن انعاش وتأجيج كل تلك الانقسامات الموجودة. ورغم ذلك فقد فشلت هذه الاستراتيجية في اضعاف ال (كالفينيين) ومنعهم لاحقاً من تشكيل جبهة موحدة مع ال (لوثيريين) في (حرب الثلاثين عاماً) والمهم هنا هو ان تتأكد الاطراف الخارجية من وجود بعض القادة الأيديولوجيين ممن هم على استعداد للوقوف ضد الراديكالية ثم معرفة كيف يمكن الاستفادة منهم وتحقيق النجاح في آخر الأمر. ان مسألة التدخل الخارجي ، سرياً كان ام علنياً، من قبل قوى خارجية يبقى سمة مميزة للازمات الطويلة الامد والمتعلقة بالشرعية. ان الصراع بين الحركة الاسلامية وبين العلمانية هو آخر تلك المبارزات التي يحتشد فيها لاعبون خارجيون قرروا التدخل في قضايا تتعلق بالاوضاع الداخلية لدول أخرى عن طريق نشاطات تجري من خلف الكواليس او عن طريق التدخل العسكري المباشر. البعض كان ينتقد كل اشكال التدخل الخارجي ولقد اعتبرت بعض هذه الانتقادات ان الحملات الأمريكية في أفغانستان والعراق وفي ليبيا هي بمثابة انفجارات لاعقلانية تشبه الحملات الصليبية التي تقع خارج حدود الكفاءة السياسية الحكيمة، وفي الوقع ليس غريباً ان تقوم قوة عظمى باستخدام القوة من أجل التغيير او للمحافظة على النظام في دولة أخرى ولا يمكن تجنب حدوث تدخلات خارجية اذا كان الأمر يتعلق بصراع ايديولوجي فعملية التدخل الخارجي في هذه الحالة هي جزء لا يتجزأ من القضية الأساسية.

ان عمق الاستقطاب الرئيسي الذي يفرزه هذا النوع من الصراع يساعد في تفسير اسباب انتشار التدخل، اذ ان النزاعات الايديولوجية غالباً ما تزيد من حدة الانقسامات الاجتماعية لدرجة ان ولاء الناس لأطراف خارجية يصبح اكثر متانة وقوة من ولائهم لأبناء بلدهم الذين لا يشاركونهم نفس المبادئ. كما ان هذه النزاعات تعجل في وضع الناس والدول اما في صف الصداقة والتعاون مع الأطراف الخارجية او في صف العداوة معها وخاصة اذا كانت تلك الأطراف قوية بما يكفي لمد يد العون لهم، وكذلك فان الأطراف الخارجية تجد في هذه الأزمات فرص سانحة لإيجاد أصدقاء جدد او من أجل منع بروز أعداء جدد.

ان تدخل الأطراف الخارجية لا يحتاج ان يكون لها مصلحة دينية في النزاع الدائر اذ يكفي ان يكون لها مصالح مادية للقيام بالتدخل وفي حالات اخرى تتضافر الحسابات الأيديولوجية مع المصالح المادية لكي تبادر في التدخل. ففي عام 2011 ، على سبيل المثال، وخلال أحداث الربيع العربي قامت السعودية ذات الأغلبية السنية بارسال قوات الى البحرين لاخماد تمرد شيعي هناك ولإحتواء امكانية قوة الاسلام الشيعي المتمثلة بايران. وبعدها بفترة قصيرة قامت ايران بالتدخل في سوريا ودعم نظام الأسد ضد المتمردين السنة الذين سيضعون سوريا في صف واحد الى جانب السعودية في حال انتصارهم. ان تطورات كهذه ادت الى مخاوف من زيادة حدة انجرار دول الشرق الاوسط واندفاعها الأيديولوجي لتدمير النظام الاقليمي في تلك المنطقة. حتى ان بعض المراقبين قلقون من ان ايران في حال حيازتها للسلاح النووي قد تقوم باستخدامه لقلب موازين القوى المتزعزعة في الشرق الأوسط حتى وان ادى ذلك الى حصول دمار شامل.

ان التاريخ لا يقدم اجابة سهلة وبسيطة لتلك المخاوف ولكن يتبين انه من الممكن ان توجد حالة يتآلف فيها الأيديولوجي مع العقلاني ، فقد يوجد نظام يسيطر عليه ايديولوجيون ليدفعوه باتجاه نهاية ايديولوجية اي نحو انشاء نظام اقليمي راديكالي على سبيل المثال. وقد يستخدم وسائل وادوات عقلانية من اجل المجيء بالحالة الراديكالية وربما يقدم على التراجع في حال سبب اندفاعه العدواني كلفة باهظة، او قد يسلك سلوكا يخالف تقاليد منطق المصالح السياسية.

ويوضح لنا سلوك البلدية الالمانية الرئيسية وتدعى البلاطينية اثناء (الحروب الدينية ) كلا هذين الاحتمالين حيث كان حكام البلدية من اتباع ( كالفين ) المقاتلين المتشددين ممن جاهدوا لانهاء سيطرة الكاثوليكية في الامبراطورية الرومانية المقدسة ووضع حد لها في كل أرجاء اوروبا ومن أجل ذلك حاولوا مراراً تشكيل حلف كبير يجمع البروتستنتيين ضد القوى الكاثوليكية، وقاموا في مناسبات عديدة بارسال قوات للقتال الى جانب الكالفينيين في فرنسا وهولندا، وكانت حساباتهم طوال القرن السادس عشر تقوم على المزج السليم بين الايديولوجية والعقلانية كما فعلوا حين واجهوا مقاومة كبيرة من قبل آل هابسبورغ الأقوياء، ولكن عدم المبالات من قبل اتباعهم البروتستنتيين دفعهم للتراجع. ومن جانب آخر قام المتمردين الكالفينيين في بوهيميا ( وتقع ضمن حدود الامبراطورية التي يسيطر عليها الكاثوليك) بدعوة القائد البلاطيني (فريدريك الخامس)لاعلان الولاء لآل هابسبورغ وليصبح ملكاً عليهم، ولقد قبل (فريدريك الخامس) هذا العرض في عام 1619 وصارت بوهيميا تابعة له رغم ما قد يجلب ذلك من مخاطر ناجمة عن ردود الفعل العنيفة لآل هابسبورغ بالاضافة الى امتناع معظم البروتستنتيين الاوروبيين عن تأييده، وفعلاً بادر آل هابسبورغ الى سحق جيش (فريدريك الخامس)

وتدمير ونهب البلاطينية وقمع البوتستانتية فيها. واعتبرت تلك الحركات بمثابة الخطوات الافتتاحية ل(حرب الثلاثين عاماً).

بقاء الأصلح

يوماً ما سينتهي النزاع بين الحركة الاسلامية والعلمانية مثله مثل كل النزاعات الأيديولوجية الاقليمية الطويلة الأمد، اما كيف سيتحقق ذلك وما هي آفاق الديمقراطية في الشرق الوسط فستبقى أسئلة مفتوحة.

ويظهر تاريخ الغرب ان الازمات المتعلقة بالشرعية يمكن حسمها بأحد الطرق الثلاثة التالية : اما عن طريق نصر حاسم من قبل أحد الأطراف، او تجاوز النزاع من قبل الأطراف المتحاربة ، او ان يبرز نظام هجين قادر على التوفيق بين المذاهب المتخاصمة بطريقة كانت تبدو مستحيلة قبل ذلك.

واليوم يظهر ان السيناريو الأول الذي ستنتصر فيه ايديلوجية واحدة غير ممكن لكون الحركة الاسلامية بعيدة كل البعد عن كونها كتلة واحدة منسجمة ولهذا فان انتصار الحركة الاسلامية بشكل عام لن يؤدي الى تحديد اي من مكوناتها ستكون له الهيمنة (السنة ام الشيعة، المعتدلون ام المتطرفون، الملكيون ام الجمهوريون) ، اما السيناريو الثاني والثالث فيوجد امكانية لتحقيقهما.

رغم انه من الصعب ان يتصور المرء الشرق الاوسط وقد تجاوز أزمات الاستحقاقات الشرعية التي يمر بها الآن بنفس الطريقة التي أنهى بها الغرب أحدى أزماته مع بداية تاريخ اوروبا المعاصرة حين استطاعت ان تتغلب على الصراع الديني بظهور أنظمة حكم جديدة نوعياً والتي اعتبرت ان الخلافات الأيديولوجية القديمة لم يعد لها علاقة بالوضع الراهن. لقد احتفظ كل من الكاثوليك والبروتستانت بالاخلاص لديانته وتوقف كل منهما عن القيام بحساباته المبنية على خسارة الطرف الآخر، وتوصلوا تدريجياً الى تبني مبدأ الفصل بين الكنيسة والدولة. ان حصول نتيجة مشابهة في الشرق الأوسط تتطلّب من النخب وجماهير الناس ان تتوقف عن النظر الى كون نفوذ وتأثير الاسلام على القوانين والنظام العام سيشكل خطراً مدمراً. ولكن مع زيادة الاستقطاب القائم حالياً يجعل حدوث مثل هذا التجاوز امراً بعيداً.

وينتج عن ذلك ان البديل هو التقاء الايديولوجيات المتنازعة بتبني كل منهم لبعض مؤسسات او ممارسات الايديولوجيات الأخرى. وهذا ما اختبرته التجربة الاوروبية ، فمنذ عام 1770 وحتى عام 1850 بقيت القارة الاوروبية ممزقة بين الملكيين الذين اعتبروا ان السلطة يجب ان تنتقل بالوراثة وبين الجمهوريين الذين ارادوا ان تكون الحكومات منتخبة. وساد اعتقاد اولي ان هاتين الفكرتين لا يمكن التوفيق بينهما لان كل منهما تنفي الثانية، فالملكيون قاموا بسحق كل الثورات المتكررة التي قادها الجمهوريون. ولكن بعد مرور فترات من القمع عقد ملوك اوروبا صفقات جديدة مع الطبقات الوسطى، ولحقت كل من النمسا وفرنسا وايطاليا وبروسيا بالمملكة المتحدة لانشاء أنظمة حكم جديدة والتي سميت احياناً (الليبرالية المحافظة) فتبنت الملكية مع قيود برلمانية وحريات مدنية اوسع.

هذا الدرس التاريخي الأخير يشير الى اقصى نجاح يمكن ان تطمح اليه ايديولوجية او مركب ايديولوجي مكون من ايديولوجيات متعددة يتوقف على وجود نصير قوي في الدولة. ان انتصار (الليبرالية المحافظة) في اوروبا يرجع الى ما حققته المملكة المتحدة باعتبارها الدولة النموذجية في هذا المجال لوجود تاريخ طويل من نظام حكومي هجين او مركب اي ان لها نظام ملكي دستوري استطاع ان يجمع بين التقاليد والاصلاح وجعل من المملكة المتحدة حينها واحدة من أكثر البلدان نجاحاً في العالم من الناحية الاقتصادية واستقرار نظامها الاجتماعي ونفوذ مركزها العالمي ويعود السبب في ذلك الى نظامها السياسي المركّب الذي قادها نجاحه لتكون مثلاً يحتذى في القارة.

وعبر العالم الاسلامي يوجد اليوم نظام هجين او نظام مركّب من نوع آخر تبدو عليه اليوم دلائل تعطيه صلاحية الاستمرار، وهذا النظام الهجين يسمى أحياناً ب (الديمقراطية الاسلامية) رغم ان الخبراء كانوا يعتقدون ان الديمقراطية والاسلام متنافران من حيث طبيعتهما، ولقد حاول اسلاميون وديمقراطيون في دول مختلفة ان يجمعوا من الناحيتين النظرية والتطبيقية بين هذين النظامين. فمثلاً بين عامي 2013 – 2011 قام حزب الحرية والعدالة في مصر (وهو الجناح السياسي للاخوان المسلمين) ببذل جهود قاسية ليصور نفسه على انه قوة معتدلة بقبوله مبدأ التعددية في المجالين الايديولوجي والديني غير ان جهوده هذه فشلت في النهاية حين باشر الرئيس محمد مرسي بتركيز السلطة بيديه فاطاح به الجيش المصري. ومنذ ذلك الوقت يبدو ان مصر قد تخلت عن الديمقراطية نهائياً، مع ان حجم الدولة وتأثيرها يضعانها في موقع نموذجي يحتذى به فيما اذا حاولت ان تقوم بالتجربة مرة ثانية.

في هذه الأثناء جرت محاولة أكثر نجاحاً للجمع بين الاسلام والديمقراطية قام بها حزب النهضة السياسي في تونس الذي أجرى انتخابات ديمقراتية في نهاية عام 2014 رغم تبنيه للاسلام بشكل علني. ان تونس بلد صغير لتصبح نموذجا يقتدى به ومع ذلك ستبقى تمثل البقعة المضيئة التي خرجت من الربيع العربي ولتبين، رغم كل شيء، ما هو ممكن.

الكثير سيتوقف على الخيارات السياسية التي سيتخذها اقوى بلدين من ذوي الغالبية المسلمة في المنطقة وهما ايران وتركيا رغم كونهما بلدين غير عربين ولكنهما يتمتعان بنفوذ له تاريخ اقليمي طويل. فمن ناحية هناك ايران التي تمثل النموذج الاسلامي منذ اعلنت انها تتبنى المعيار الحقيقي لهذه الايديولوجية بانتصار ثورتها عام 1979 ، رغم انها دولة جمهورية من الناحية الرسمية وجرت فيها شبه انتخابات تنافسية وان بقيت السلطة في آخر المطاف تتركز في يد (آية الله خامنئي). ولكن احتمال ان تلعب ايران دور الدولة النموذجية (للجمع بين الاسلام والديمقراطية ) احتمال ضعيف وبعيد لأنه اصيب بهزة كبيرة وتراجع بشدة خلال وبعد أحداث الربيع العربي وما تركته من آثار ترتبط بدعم طهران اللامحدود لنظام الأسد في سوريا، وخاصة بعد ان صار نظاماً هشّاً ضعيفا منذ انتخابات عام 2009 المشبوهة، ان كل هذا يثير الشكوك لدى جيران ايران حول كونها نموذجاً يحتذى به في هذا المجال، بل يمكن القول ان الحركة السياسية للاسلام ستقع في مشكلة اساسية اذا بقيت ايران تعتبر نفسها نموذجاً في هذا الاطار.

أما تركيا فهي تختلف من هذه الناحية، صحيح انها من الناحية الرسمية دولة علمانية ولكنها تنجرف في اتجاه التيار الاسلام السياسي، وخلال الثلاث السنوات الأخيرة سارت تركيا في طريق يقربها لتكون نموذجاً من نوع جديد لدولة يمقراطية اسلامية هجينة ، لقد انعش التنافس في الانتخابات الحزب الحاكم (حزب العدالة والتنمية)الذي يرأسه (رجب طيب أردوغان) والذي يعتبر نفسه مثالاً طليعياً في الديمقراطية الاسلامية ( رغم انه يفضل ان يسمي هذا النمط من الحكم ب”المحافظ” اكثر من كونه ب”الاسلامي”) ، وقد تمتعت تركيا بنمو شعبيتها في منطقة الربيع العربي وما زالت توسع من دائرة نفوذها منذ ذلك الحين. ولكن يبدو ان تفتح مثل هذا الهجين (الديمقراطي- الاسلامي) بدأ يتوقف ويعود ذلك جزئياً الى ان أردوغان بدأ يسلك سلوكاً استبدادياً في طريقة الحكم. ويمكن لتركيا ان تقدم نفسها كمثال على نظام الحكم الهجين ولكن ما يجري على ارض الواقع هو ان المكون الديقراطي فيه بدأ يحل محله نظام حكم الفرد التقليدي.

لماذا يتحاربون؟

كما حصل مع العديد من الايديولوجيات المتصارعة سابقاً، قادت أزمة الشرق الأوسط الكثير من المراقبين للتساؤل فيما اذا كانت الأيديولوجية هي السبب الحقيقي وراء كل ما يجري. والكثير من النقاد يتتبعون اسباب الصراع الى منطلق مختلف تماماً، حيث يرون ان الامبريالية الغربية – الأوروبية اولاً والأمريكية ثانياً- أذلّت المسلمين وحدّت الكثير من قدراتهم لبناء مستقبلهم والتحكم في مصيرهم، كأفراد وكمجتمعات. من خلال هذا المنظار يبرز الحضور العسكري الأمريكي في المنطقة ومساندته لاسرائيل على انه المسؤول الاول عن تزايد مستوى العنف، غير ان انتقادات من هذا النوع تتجاهل واقعاً آخر وهو انه يوجد في العالم اعداد كبيرة ممن يمكن اعتبارهم -لا حول ولا قوة لهم-، كما انه يوجد ناس وجماعات عديدة محبطة، ثم ان سيطرة الولايات المتحدة تكاد تكون شبه عالمية. بالاضافة الى ان العقدة الخاصة التي تتحكم بأزمات الشرق الأوسط و تمسك بخناقه – مسلسل الاضطرابات والقمع، وكذلك الارهاب والأعمال الوحشية والتدخلات الخارجية المتكررة- من الصعب ان يجد المرء مثيلا لها في أي مكان آخر من العالم.

هناك من يريد ان يلوم الفقر فيقول انه لو توفرت الثروات وفرص أكثر للمسلمين لتلاشت كل تلك الازمات، غير ان مثل هذه الأحكام، على أهميتها، لا تستطيع ان تقدم تفسيراً شاملاً للحالة التي نحن بصددها، فهناك مجتمعات فقيرة في هذا العالم والعديد منها يعيش في أوضاع اسوأ بكثير من مستوى الحالة المعيشية لبلدان الشرق الأوسط ومع ذلك استطاعت ان تتجنب مثل تلك الاضطرابات، وهنا يبرز استنتاج مختلف يعترف بأهمية الاحباط والفقر كعاملين رئيسيين في انتاج الوضع الحالي للشرق الأوسط اذا ارتبط ذلك الوضع بأزمة طويلة الأمد تتعلق بالشرعية .

وهنا قد تتمكن الولايات المتحدة من المساعدة في مجيء وضع مستقر طويل الأمد عن طريق دعم الدول والأطراف التي يقوم فيها نظام حكم معتدل وان كان لا يرقى الى مستوى نظام دولة علمانية، ولكن حتى الولايات المتحدة غير قادرة على حل كل مشاكل المنطقة. وكما ان الامبراطورية العثمانية التي كانت تشكل القوة الاسلامية العظمى اثناء (الحروب الدينية ) في اوروبا كانت عاجزة عن حل النزاع المسيحي في القرن السادس عشر، لا تستطيع اية قوة خارجية ان تقوم بتهدئة الوضع في الشرق الاوسط اليوم. المسلمون وحدهم قادرون على تصفية حروبهم الايديولوجية.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *