عقبات امام الديمقراطية : المال السياسي والتعصب القومي

(معظم المعلومات الواردة في المقال مأخوذة من صحيفة (نيويورك)

قال عضو مجلس الشيوخ الأمريكي عن ولاية تكساس، والمرشح الرئاسي الجمهوري (تيد كروز) عن الاتفاقية النووية مع ايران “انها تعتبر بمثابة خيانة خطيرة لأمن الولايات المتحدة وحلفائنا المقربين، وعلى رأسهم إسرائيل”. كما ندد بقية المرشحين الجمهوريين البالغ عددهم ( 16) ، والمنافسين ل (كروز ) على كرسي الرئاسة ، بتلك الصفقة بعبارات مماثلة. بل ان واحداً منهم ، (مايك هاكابي)، ذهب إلى حد القول بأن أوباما “سوف يأخذ الإسرائيليين نحو باب المحرقة.” (في اشارة الى    المحرقة النازية

حصل أوباما على 69 في المئة من أصوات الناخبين اليهود في عام 2012، واتهمه المحافظون الأمريكيون حينها بانه يستهدف تقويض أمن البلاد ومركز الولايات المتحدة في العالم. مع انه وبحسب احصاء قام به مركز ( بيو ) عام 2013، لا يوجد سوى واحد فقط من بين كل ثلاثة يهود أمريكيين ممن يشعرون بارتباط عاطفي قوي مع الدولة اليهودية. ولكن على مدى السنوات ال 30 الماضية، وخصوصا في العقد الماضي، وصل ارتباط الحزب الجمهوري بإسرائيل مستوى عال جداً، وإلى حد لم يسبق له مثيل في السياسة الأميركية المعاصرة. ومن بين جميع القضايا المطروحة، بدءاً من المساعدات العسكرية ووصولاً الى سياسة الاستيطان ، يقدم الحزب الجمهوري لإسرائيل دعما غير مشروط، لدرجة أن بعض الجمهوريين الآن يشبهون اسرائيل ب “الولاية 51 ” ويعتبر الملياردير الجمهوري (شيلدون اديلسون ) ، وهو أحد أقطاب مالكي الكازينوهات ، الشخص المسؤول عن مثل هذا التغيير.

نشأ (أديلسون ) في ضاحية (دورتشستر) من مدينة (بوسطن) نشأة فقيرة، ولم يتخرج من أي كلية تعليمية، وتمكّن في مرات عديدة من ان يراكم لنفسه ثروات ما لبث ان فقدها لاحقاً، الى ان قام في عام 1979 بتطوير المعرض التجاري للكومبيوتر ( كومدكس ) في لاس فيغاس مع عدد قليل من الشركاء. وبعدها بعشر سنوات، أنفق (أديلسون) وشركاؤه 128 مليون دولار لشراء فندق وكازينو (ساندز) في (لاس فيغاس)، وكانت هذه الصفقة بمثابة موطئ قدم له لكي يوسّع نشاطاته وأعماله باطراد في مجال كازينوهات القمار. اليوم يتربع ( اديلسون) وهو في عمر يبلغ 82 عاماً على ( شركة لاس فيغاس ساندز المساهمة) بصفته رئيس مجلس الإدارة والرئيس التنفيذي لها ، وهي شركة مساهمة عامة تضم فنادق وكازينوهات ضخمة في لاس فيغاس، وفي ولاية بنسلفانيا، والصين، وسنغافورة، ووفقا لمجلة (فوربس)، فان (أديلسون) الذي يملك غالبية أسهم ساندز، تصل ثروته الى نحو 26 مليار دولار. ويقال انه يراقب بشكل يومي وعن كثب ترتيبه ضمن قائمة المجلة لأصحاب المليارات، كما انه يذكّر زملائه دائماً بموقعه ضمن سلم الترتيب كلما صعد نجمه في قائمة المجلة. وعلى الرغم من أن ترتيبه العالمي قد انخفض قليلا في السنوات الأخيرة – حيث كان ذات مرة ضمن العشرة الأوائل، بينما هو الآن في المرتبة   18 في تلك القائمة ، ومعروف عن أديلسون أيضاً انه يتباهى كثيراً بكونه “أغنى يهودي في العالم.”، ولهذا فهو غير معتاد على ان يتجاهله الناس. ومن بين 16 مرشحا يتنافسون حاليا للفوز بترشيح الحزب الجمهوري للرئاسة، فإن معظمهم يتنافسون وفي نفس الوقت في دائرة “أديلسون الاولية” والتي يتسابق فيها المتنافسون بحدة للفوز بقلب المتبرع (أديلسون) الذي يمر عبر إسرائيل. فدعم (أديلسون) اللانهائي للدولة اليهودية هو من الشدة لدرجة أنه يعارض الجهود الاميركية للتوصل الى حل الدولتين للصراع الإسرائيلي الفلسطيني، بحجة أن الفلسطينيين هم “شعب تم اختراعه…وهدفهم تدمير إسرائيل”. كما يرى (أديلسون) ايضاً انه بدلا من التفاوض مع إيران يجب توجيه ضربة نووية وقائية ضد الجمهورية الإسلامية. ان الوصول والوقوف الى جانب (أديلسون) يحمل معه مكافآت سخية ففي عام 2012   أنفق (أديلسون ) بمفرده مبلغ 20 مليون دولار لدعم الحملة الإنتخابية ل ( نيوت غينغريتش ) من أجل الإبقاء على حملته الانتخابية خلال الانتخابات التمهيدية وإحدث ذلك حينها أضرار كبيرة لحملة (ميت رومني)؛ وبعد فشل وسقوط (غينغريتش)، ضخّ (أديلسون) 30 مليون دولار لدعم حملة ( رومني) الإنتخابية. والمحصلة هي ان (أديلسون ) أنفق 100 مليون دولار ضد أوباما، أو الهدف الرئيسي لكل تلك الحملة عام 2012.

لقد عانى (أديلسون) من مرض في الأعصاب ترك أثراً دائماً في ساقيه وجعله مقعداً مضطراً الى الإستعانة بكرسي اكهربائي من أجل تنقله، وجعل من مغادرة لاس فيغاس عبئا ثقيلاً عليه، وبالتالي فإن المرشحين هم من يجب عليهم الذهاب إليه في مكتبه الكائن في (فندق البندقية )، وللوصول إليه لا بد من استخدام مصعد كهربائي شبه مخفي من ارض الكازينو، وفي داخل مكتبه هذا يستقبل (أديلسون) وفوداً متواصلة من المرشحين الرئاسيين، حيث يجرجرون انفسهم الواحد منهم تلو الآخر “لمقابلته وتقبيل خاتمه” كما قال احد الجمهريين البارزين من اليهود. وحين لا يتمكن هؤلاء من زيارته شخصياً فهم على تواصل مستمر معه بطرق أخرى، وبحسب التقارير فان المرشح الجمهوري ( ماركو روبيو) يتصل به هاتفيا مرة كل أسبوعين ليبلّغه، بحسب أحد المقربين من (أديلسون)، وليقول له ” مهلا! هل سمعت الخطاب الذي ادليت به؟ هل شاهدت البيان الذي ادليت به عن ايران؟ ما هو رأيك فيما يجب علي القيام به حول هذه المشكلة؟ ” واضاف “. وكذلك الأمر بالنسبة للمرشح الجمهوري الآخر (ليندسي جراهام) ، فيقول أحد المقربين من (اديلسون ) : ” ان ((ليندسي جراهام) تتوالى اتصالاته الهاتفية ايضاً” ثم يتابع حديثه، عن قيام (سكوت ووكر)- مرشح جمهوري للرئاسة – برحلته الأولى إلى إسرائيل، في شهر أيار،مستخدماً واحدة من الطائرات التي يملكها (أديلسون ). ان (أديلسون) يحب ان يستقطب الاهتمام به، ولكن مع وجود كل هذا العدد الكبير من المرشحين الجمهوريين لإنتخابات عام 2016 فهو يصاب بالإرهاق احياناً. كما حصل بعد ان قام (بن كارسون ) بزيارته في لاس فيغاس في وقت سابق من هذا العام، حين قال (أديلسون) لأحد أصدقائه شاكياً “هناك الكثير من المرشحين!”

وبطبيعة الحال يوجد الكثير من الشكاوي ضد (أديلسون) أيضا. فقد كتب (توماس فريدمان) – صحافي وكاتب يهودي يعمل في صحيفة نيويورك تايمز- أن (أديلسون) “يجسد كل ما يسمم ديمقراطيتنا ودولة إسرائيل اليوم.” ولكن ما يثير الاهتمام أكثر من هذا الامتعاض الليبرالي من قبل (توماس فريدمان) هي تلك المظالم التي يستعرضها أولئك الذين يشاركون (أديلسون) قناعاته الأيديولوجية، فكثير منهم يعتبرونه “قاذف قنابل” أكثر من كونه مهتماً “ببناء المؤسسات”. اذ على الرغم من ثروته الهائلة، وتجاوز عدد العاملين في مؤسساته الى أكثر من 65،000 موظف، تبقى العملية السياسية للملياردير تسير على طريقة (ماما و بابا)، فهو يعيش إلى جانب زوجته وسكرتيرة مسنّة تدعى (بيتي Yurcich)، والتي تجد صعوبة في استخدام شبكة الإنترنت، و(أديلسون) لم يفعل الا القليل جداً في مجال تنظيم اموره وترتيب حياته المنزلية، بالنسبة له لا معنى لوجود شيء اسمه اجراءات او نظام او فريق عمل او بيروقراطية، ليس هناك اي شيء من هذا القبيل، والحقيقة انه لا يوجد احد آخر الا زوجته.

ولا يمكن لأي مرشح انتخابي ان يحصل على المال من (أديلسون ) قبل ان يجري معه هذا مقابلة شخصية، ومعروف عنه كذلك انه على استعداد لايقاف التمويل عن مرشح ما وبشكل مفاجئ بسبب نزوة طارئة او نتيجة لمزاجه المتقلب او لأي سبب ثانوي عارض كعدم اعجابه بمقال صحفي مقتبس. ان عالمه الخاص تحركه غرائزه السوقية ففي احاديثه يريد دائماً ان يظهر لسامعيه قدرته على ان يكون وقحاً فيكثر من الشتائم واستخدام الألفاظ السوقية والبذيئة. من الواضح ان (أديلسون) بحاجة الى منظمة تستطيع ادارة كل هذه الأمور، انه بحاجة الى مستشارين وافراد لهم المقدرة على اسداء الرأي عند الطلب، ولكن رغم تطفله المتكرر على قيادات كل جماعات المحافظين او من جماعات أنصار ( اسرائيل ) التي تلاحق بريق الأضواء دائماً، ورغم تسكعه فان (أديلسون) وكما يصفه احد اعضاء الجالية اليهودية في (امريكا) “انه يتكلم اكثر مما يصغي”، وهو بحاجة دوماً الى من يذكره “ ايها البليونير ! ان ما قلته للتو ليس الا كلاما لا يردده الا اولاد القحاب وهو كلام غبي حقاً.” ويقول عنه شخص آخر     “ ان (شيلدون أديلسون) هو من الرجال النادرين الذين بامكانهم ارتكاب خطأ تساوي قيمته 100 مليون دولار. لماذا يفضل ان يستقل طائرة من نوع (بوينغ) 747 ؟   لأنه لا يحب التوقف من أجل التزود بالوقود وهو في طريقه الى اسرائيل او سنغافورة “. ان كل شيء يشتهيه من حوله قابل للتحقق لأن لديه المال.

يقول (أديلسون ) انه في السباق الرئاسي لعام 2016 لن يعيد تكرار الأخطاء التي جعلته يدعم مرشحاً فاسداً كما حصل في عام 2012انه هذه المرة لن يقرر اي مرشح سيقع عليه اختياره حتى يتسنى له مشاهدة القليل من مناظراتهم التلفزيونية. يقول (جيفري واسينفيلد) ، وهو صديق من (اسرائيل) ومن المدافعين عن (أديلسون ) ان اولويات الزعيم هذه المرة ستتركز على دعم مرشح قابل للفوز “ سيحاول (أديلسون ) ان يوازن بين عواطفه وبين المعطيات بهذا الخصوص، اما مبادئه ورغباته ستبقى كما هي لا تتغير، أعتقد انه سيوازن تلك المبادئ والرغبات مع الأحكام المبنية على التجربة ومع البيانات التي توفرها (سوق) الانتخابات.”

والفضل اليوم يعود الى (دونالد ترامب) الذي حول تلك السوق الى فوضى عارمة، والتحدي الذي يواجهه (أديلسون ) الآن هو تحديد اي من المرشحين يستطيع ان يحقق الفوز على الديمقراطيين، صحيح ان (دونالد ترامب) يتبجح كثيراً من ان ابنته غيرت ديانتها من المسيحية الى اليهودية وانه مستمر في مهاجمة (اوباما) باعتباره “ اسوأ عدو لإسرائيل” ولكن معلومات (ترامب) عن الشرق الأوسط شحيحة لدرجة ان هذا الجهل سيشل من قدراته المحدودة اصلاً ليكون حليفاً فعالا لدولة (اسرائيل)، كما ان قناعاته تتضارب حول الجمهوريين المنافسين والمتحفزين للقضاء على (ترامب) ، ف(سكوت واكر) مثلاً، رغم كل جهوده لاستمالة التأييد نحوه ينظر اليه المقربون من (أديلسون )على انه ليس جدياً بما فيه الكفاية حول (اسرائيل) وكذلك حول السياسة الخارجية للولايات المتحدة . “انظر اليه! انه حاكم ولاية (ويسكونسن) “ كما يقول عنه (مورتن كلاين) رئيس (المنظمة الصهيونية الأمريكية) التي يدعمها (أديلسون ) مضيفاً ” ان معرفته تقتصر على الأجبان وكيفية اقتطاع حسابات التقاعد الخاصة بالعاملين” انه يفضل من الناحية الشخصية المرشح الجمهوري الآخر (مارك روبيو) ولكن هذا يفتقر الى الشراسة الضرورية للتفوق على ( ترامب). اما المرشح الجمهوري الآخر (تيد كروز) فهو مهيأ لكسب أصوات الجمهوريين الذين يقوم (ترامب) حالياً باثارتهم بما فيه الكفاية ، غير ان (كروز) المعروف بكونه رجلاً محافظ جداً مما يجعله في وضع غير ملائم للفوز على المرشح الديمقراطي في الانتخابات الرئاسية.

ويأتي دور (جيب بوش) المرشح الجمهوري الأوفر حظاً للفوز على كل من (ترامب) حالياً و( هيلاري كلنتون) لاحقا عندما يحين موعد الانتخابات الرئاسية ولكن علاقته مع الزعيم (أديلسون ) عويصة ومنغصة مثلها مثل كل علاقاته مع المرشحين الجمهوريين . ففي شهر شباط وفي مجرى حملته الانتخابية أصدر (بوش) قائمة تضم 21 مستشاراً للشؤون الخارجية من بينهن (جيمس بيكر) الذي كان وزيراً للخارجية في عهد ادارة (جورج بوش) الأب وهو من الشخصيات المقربة من عائلة بوش ولكنه يبقى مكروهاً من قبل (أديلسون) والكثير من الجمهريين اليهود لأن هؤلاء ما زالوا يتذكرون تهديداته للحد من المساعدات الأمريكية لإسرائيل بالاضافة الى انه حين جرى التساؤل عن سياسته نحو اسرائيل والتي رد عليهم حينها بقوله “ انكحوا اليهود! ليسوا هم من انتخب هذه الادارة”

وتعززت شكوك (أديلسون) حول (بيكر) حين تم اعلان ان وزير الخارجية السابق (بيكر) سيلقي كلمة الافتتاح في المؤتمر السنوي لمنظمة (جاي ستريت) ، وهي منظمة ليبرالية يهودية-امريكية تنادي بان على الولايات المتحدة ان تنهج سياسة متوازنة في التعامل مع اسرائيل وجيرانها العرب. لقد دفع هذا احد الجمهريين البارزين والذي كان قد بحث موضوع هذه المنظمة (جاي ستريت) مع (أديلسون) فصرح بعدها قائلاً “بالنسبة الى (أديلسون) فان (جاي ستريت)  قد يشبه (حزب الله)” . وهكذا فان الاعلان عن تعيين (جيمس بيكر) كمستشار (بوش) للسياسة الخارجية بلاضافة الى كلمته التي سيلقيها امام (جاي ستريت) يمكن اعتبارهما بمثابة “لكمتين متتاليتين”. وفعلاً قرر (أديلسون) ان يرد بتوجيه لكماته هو، فبادر الى العمل مع يهود من الحزب الجمهوري للتأثير على حملة (بوش) الانتخابية لكي يتم اما الغاء مركز (بيكر) كمستشار سياسي ل(بوش) او على الأقل الغاء خطابه امام منظمة (جاي ستريت) ، ثم قام (أديلسون) مع حلفائه بتزويد حملة (بوش) بملفات معارضة ل (جاي ستريت) ذكر فيها عدداً من الذين ادلوا بخطاباتهم امام المنظمة والذين اتهموا بالعداء لاسرائيل كما تضمنت الملفات معلومات عن جهود منظمة (جاي ستريت) لتشجيع النواب الديمقراطيين على مقاطعة كلمة رئيس الوزراء الاسرائيلي (بنيامين ناتانياهو) التي وجهها الى الكونغرس الأمريكي في شهر آذار. لقد استطاعت ضغوط (أديلسون) من الوصول الى (بوش) نفسه كما ذكر احد مساعدي (أديلسون) وقال انه” تم تحذير (جيب بوش) وقام اكثر من شخص واحد من المتبرعين اليهود من الحزب الجمهوري بالاتصال ب(بوش) شخصياً لتبليغه ان ظهور (بيكر) سيخلق مشكلة مع المرشح ومعهم ومع (أديلسون). غير ان (بوش) لم يتزحزح عن موقفه وكان ردّه انه لن يطلب من (بيكر) فعل اي شيء، وهكذا ادلى (بيكر) بكلمته في شهر اذار كما كان مقرراً وانتقد فيها ( ناتانياهو) مما زاد من غضب (أديلسون) فاندفع شخصياً لتوبيخ (ميل سيمبلير) وهو من اليهود اصحاب الملايين المقيمين في فلوريدا وممن يدعمون حملة (جيب بوش)، ولقد علق احد الجمهوريين على هذا بقوله “ ما ذكره (شيلدون) هو انه يعتبر ان (جيب بوش) هو شخص ميت”

طبعاً ، في نهاية المطاف، يبقى(بوش) سياسياً واقعياً، اذ بعد ان أدلى ( بيكر) بكلمته ، أجرى ( جيب بوش) بعض التعديلات من بينها انه نشر تصريحاً ينتقد فيها آراء (بيكر) حول اسرائيل بالاضافة الى قيام ادارة حملته الانتخابية بوضع احد الصقور ويدعى (جون نونان) كأحد مستخدميها وعينته مستشارا رسمياً وكان هذا ممن أغدق عليه ( اديلسون) بركاته في السابق كما استدعى (جيب بوش) مساعدة شقيقه، الرئيس السابق (جورج بوش)، والذي يحظى دعمه لإسرائيل بالثناء الدائم من قبل (أديلسون). فحين انعقد المؤتمر السنوي ل(ائتلاف الجمهوريون اليهود) الذي يعتبر (أديلسون) أحد مموليه في كازينو (فينيشيان) في ابريل ، بادر الرئيس السابق (جورج بوش) الى تقديم هدية خاصة الى (أديلسون) وهي عبارة عن لوحة رسمها الرئيس (بوش) بنفسه تتضمن رسماً لكازينو (سنغافورة) الذي يملكه (أديلسون)، وفي شهر ايار ظهر (جيب بوش) في لقاء خاص في مدينة نيويورك مع متبرعين من الحزب الجمهوري ومعظمهم من اليهود او لهم علاقات ب (أديلسون) ، فقال لهم ان مستشاره الأكثر تأثيراً في ما يخص اسرائيل وقضايا الشرق الأوسط هو شقيقه، الرئيس السابق ( جورج بوش) مما دفع احد الموجودين في اللقاء الى التعليق بقوله” لقد اثار ذلك الحديث عن الشقيق-المستشار إطمئنان الحاضرين، متأملين ان لا يذكر هذا الأمر في العلن اثناء الانتخابات العامة. وفي نفس شهر أيار قام المرشح (جيب بوش) بأداء فريضة الحج وتقديم مراسم الولاء والاحترام الى (أديلسون) في كازينو (فينيشيان). واليوم اصبح (بوش) راسخ الايمان في معارضته للاتفاق النووي مع ايران، بل هو يجهد بنشاط لجعل بعض الجمهوريين البارزين ليكونوا اكثر تحفظاً في دعمهم للاتفاقية، وصار بالامكان ملاحظة انه لم يتقدم اي عضو مرموق في الحزب الجمهوري ويعلن تأييده للاتفاقية. غير ان جهود (جيب بوش) ولاسيما زيارته الشخصية ل (أديلسون) حملت بعض النتائج ، “ لقد قال (شيلدون) انه كان لقاء جيد، ولا أعتقد ان (جيب بوش) الآن هو بمثابة شخص ميت بالنسبة الى (أديلسون)” هذا ما قاله احد المقربين، ومع هذا فليس واضحاً حتى الآن اذا كان سيفوز في الانتخابات الأولية الخاصة ب (أديلسون) الذي تعلم درساً في انتخابات عام 2012 يذكره بان بعض العادات لها قابلية للبقاء اكثر من غيرها وكما يقول احد مساعديه” ان (شيلدون) على استعداد لانفاق 100 مليون دولار لمهاجمة (جيب بوش), وفي نفس الوقت يحسب حساباً لاستقباله بذراعين ممدودتين اذا تمكن (جيب بوش) من الصعود نحو القمة”

في عام 1973 ذكر (ميلتون هيميلفارب) وهو احد علماء الاجتماع ، ومن المحافظين الجدد ، ان اليهود كانوا في السابق يدلون باصواتهم بالجملة لصالح المرشحين الديمقراطيين اثناء الانتخابات الرئاسية “ رغم انهم اصبحوا من الناحية الاقتصادية يشبهون اعضاء طائفة الكنيسة الأسقفية – (وهي من أكبر الطوائف البروتستانتية في امريكا الشمالية )- ومن اكثر جماعات البيض ثراء ، غير ان سلوك اليهود في الانتخابات بقي مشابهاً لاحدى اكثر الجماعات فقراً، وهم (البورتوريكيون )” وبعد أربعة عقود من ذلك التاريخ تبقى ملاحظات (هيميلفارب) حول سلوكهم الانتخابي صحيحة . فمن المؤكد ان (هيلاري كلينتون) او اي مرشح ديمقراطي آخر سينال أغلبية أصوات اليهود في شهر نوفمبر من العام القادم ولكن من بين الحزبين المتنافسين الرئيسيين يتبين ان الحزب الجمهوري قد تغير تماماً وتحول وذلك بفضل مجموعة من النشطاء والمانحين اليهود.

يقول احد الأعضاء البارزين اليهود في الحزب الجمهوري “ هل سينضم المزيد من اليهود الى الحزب الجمهوري في المدى البعيد؟ لا قيمة لهذا، المهم ان يقف الحزب الجمهوري بالكامل وبدون خجل او تردد الى جانب اسرائيل.” ويرى اليهود الجمهوريون في هذه التطورات امراً مدهشاً فيقول (فرانك لنتز) وهو احد منظمي الاستفتاءات ويبلغ من العمر 53 عاماً “ عندما كنت صغيراً كنت اقول للناس انني جمهوري ولكني لم اذكر لهم انني يهودي ايضاً وذلك لخوفي من مشاعر العداء للسامية الموجودة داخل الحزب” – لقد بدأ احتضان الدولة اليهودية من قبل الحزب الجمهوري في الثمانينيات من القرن الماضي مع صعود (رونالد ريغان ) للرئاسة واستمر مع ازدياد تدخل الانجيليين في السياسة خلال الثمانينيات والتسعينيات واشتد هذا الاحتضان لدولة اسرائيل بعد احداث الحادي عشر من أيلول اثناء وجود ( جورج دوبليو بوش) في سدة الرئاسة ، واصبح اليوم دعم اسرائيل هو القضية المركزية للجمهوريين. وهذا ما يجعل اشخاصاً مثل (بيل كريستول) ، وهو جمهوري يهودي ومن المحافظين الجدد ومحرر مجلة (ويكلي ستاندارد) واحد المتكلمين الدائمين خلال حفلات العشاء التي يقيمها الجمهوريون في ارجاء الولايات المتحدة فيقول منتشياً حين يتبين له المدى الذي تحتله اسرائيل في المناقشات والاحداث فيقول” اصبح الناس يقفون بفخر ليقولوا انهم ضد الاجهاض، والى جانب انصار حمل السلاح، وضد الضرائب ، والى جانب اسرائيل،.” ويتابع (كريستول) “ ان اعضاء الحزب الجمهوري يصفقون اليوم ويهللون حين اخبرهم انني يهودي.”

يقول (بيل كريستول) ، وهو جمهوري يهودي من المحافظين الجدد، ان نقطة التحول حدثت في عام  2008   بعدانتخاب (اوباما)   حيث حصل شرخ كبير في العلاقات الاسرائيلية الأمريكية، ويؤكد (نوح بولاك) ، المدير التنفيذي ل (لجنة الطوارئ من أجل اسرائيل) وأحد القادة اليهود في الحزب الجمهوري “ ان (اوباما) خلق حالة اصبح معها تأييد اسرائيل بمثابة اختبار حقيقي لموقف الناس.”  وان المانحين والمتبرعين يشعرون بهذا كله. صحيح انه يوجد العديد من الأثرياء اليهود يؤيدون إسرائيل ويؤيدون الحزب الديمقراطي أيضاً،  فالبليونير الإسرائيلي – الأمريكي (حاييم سابان) مثلاً ثابت في دعمه للمرشحة (هيلاري كلينتون ) رغم ان عدداً متزايداً من كبار الأثرياء اليهود الأمريكيين اخذوا بالانشقاق والانتقال الى الحزب الجمهوري. ففي عام  2014  اثناء انعقاد الاجتماع السنوي للإئتلاف اليهودي في الحزب الجموري داخل مدينة ( لاس فيغاس ) وحضره ما لا يقل عن  400  شخص تبرع كل منهم بما لا يقل عن  1000  $ للمشاركة في الاجتماع،  اما الحضور هذا العام فقد تجاوز  700  شخص ويصف ( مات بروكس) المدير التنفيذي للإئتلاف اليهودي هؤلاء المجتمعون بقوله “ ان من بين الحاضرين هذا العام عدد من المستقلين او الديمقراطيين او من الذين ليس لديهم اي نشاط في العملية السياسية وذلك نتيجة لمواقف ادارة ( أوباما) التي تخلت عن اسرائيل.”

ويجد العديد في الادارة الأمريكية، بمن فيهم الرئيس(أوباما) نفسه، ان اتهامهم بعدم الولاء لإسرائيل هو أمر مثير للغضب بحسب ماذكره نائب مستشار الأمن الوطني ( بن رودس) :”لقد انفق الرئيس (أوباما) الكثير من الجهد السياسي في أرجاء العالم لمساندة (اسرائيل) وكان يواجه جمهوراً مختلفاً من الحضور في كل مرة . واذا كان الاختبار هو انك لست على توافق مع حكومة (نتنياهو) – وهي اكثر الحكومات يمينية في تاريخ اسرائيل- فهذا يعني انك لا تؤيد (اسرائيل)، ان هذا يضع سقفاً عاليا يستحيل تلبيته.”

ورغم ذلك فان الجمهوريين على استعداد لتلبيته ، ذلك لانه بالنسبة للكثير من الجمهوريين اليهود ولاسيما المثقفين من المحافظين الجدد فان (نتنياهو) لا يمثل حليفاً بل صديقاً أيضاً ، لقد عرفوه شخصياً في الثمانينيات من القرن الماضي حين كان نائباً لرئيس البعثة الاسرائيلية في العاصمة واشنطن وبعدها حين اصبح مندوب اسرائيل في الأمم المتحدة في نيويوك. ان هؤلاء بلاضافة الى الجمهوريين من غير اليهود يراقبون اليوم باعجاب كبير كيف يقود (نتنياهو) اليوم بلاده على طريق المواجهة العسكرية وبعيداً عن جذورها الاشتراكية ،  يقول (كريستول) :” حين يرى الجمهوريون (بيبي) – اسم التصغير لنتنياهو- وهو يتكلم أمام الكونغرس , فهم يرون فيه شخصاً أمريكياً من التيار المحافظ من حيث مواقفه ومن حيث افضلياته المتعلقة بالاسواق وكذلك في مدى اعجابه ب (تشرشل) ومن خلال نظرته الى العالم باعتبار ان هذا العالم يشكل مكاناً خطيراً يملي عليك ان تكون قوياً.” ، بعد الخطاب الذي ألقاه (نتنياهو) امام الكونغرس في شهر اذار لحشد موقف مناهض لمساعي الادارة الأمريكية المتعلقة بالاتفاق النووي مع ايران تقدم (جريج والدن) وهو نائب جمهوري من ولاية (أوريغون) ورئيس مكتب الحملات الانتخابية الخاص بالحزب الجمهوري واقترب من أحد الاستراتيجيين الجمهوريين مستوضحاً عن رئيس الوزراء الاسرائيلي بالقول :” الا نستطيع اقناعه بتغيير هويته ليتمكن من ترشيح نفسه للرئاسة في امريكا.”

ان خطاب (نتنياهو) الذي ألقاه امام الكونغرس الأمريكي كان قد تم ترتيبه من قبل رئيس مجلس النواب،(جون بوهنر)، وقاطعه 60   من أعضاء المجلس من الحزب الديمقراطي ، كان بمثابة لحظة تحول في عملية استقطاب حزبي اتجاه اسرائيل وهذا التطور اذا اضيف اليه ( صهينة) الحزب الجمهوري يثبت انها احدى المآثر التي سيتركها ( اوباما ) في مجال السياسة الخارجية الأمريكية. فحتى اذا لم يتمكن الحزب الجمهوري من ان يكسب اصوات اليهود او الأموال التي يتبرع بها اليهود فان اليهود من الحزب الجبهوري قد امسكوا بزمام الأمور وحددوا كيف سيكون برنامج الحزب في مجال السياسة الخارجية لسنوات قادمة. وبحسب توقعات احد المحافظين الجدد ففي حال انتقال كرسي الرئاسة القادمة الى الحزب الجمهوري سيتم نقل السفارة الأمريكية من (تل ابيب) الى (القدس) وسيزداد الدعم العسكري لاسرائيل ازدياداً كبيراً رغم كبر حجمه الحالي وستتحول عندها قضايا الأمن الوطني ، ابتداءا من المراقبة والتنصت في الداخل وحتى الصواريخ الايرانية ، وهي قضايا اولوية لدى (اديلسون) واليهود في الحزب الجمهوري لتتحول الى قضايا أولوية على نطاق الحزب .

ولكن ما الذي يفسر غرام (أديلسون) باسرائيل ؟  انه مثل الكثير من اليهود من ابناء جيله الذين نشأوا في ظل المحرقة فترعرعوا وهم يحملون عواطف شديدة اتجاه الدولة اليهودية وحصل التحول الكبير في تعلقه حين التقى ( مريام أوكشورن) عام  1991  ، وهي  طبيبة مولودة في اسرائيل، واصبحت بعد ذلك زوجته الثانية ومعها صار شديد الاسراف في دعمه لاسرائيل ، فكلاهما يقومان بتقديم منح كبيرة وتتضمن مبلغ  160  مليون دولار الى مؤسسة ( بيرثرايت اسرائيل فاونديشون) التي ترعى رحلات مجانية مدتها  10  ايام الى اسرائيل  تمنح الى الشباب من اليهود الأمريكيين ، بالاضافة الى مبلغ آخر قدره  50  مليون دولار يمنح الى ( ياد فاشيم) وهو المتحف الخاص بالمحرقة النازية في القدس، ومبلغ قدره  25  مليون دولار الى جامعة ( ارييل ) التي تقع داخل مستوطنة اسرائيلية في الضفة الغربية ، وكذلك مبلغ  16.4 مليون دولار الى جمعية تسعى الى ارسال مركبة فضائية اسرائيلية الى القمر. في عام  2013  واثناء احدى زياراته التي قد تصل الى اكثر من  6  زيارات سنوياً قام محافظ مدينة القدس بمنح (أديلسون) لقب مواطن شرف لمدينة القدس وقد تبرع ( أديلسون ) باستقدام كل العناصر التي شاركت في الحفل الترفيهي من من كازينو وفندق ( فينيشيان ) الواقع في جزيرة (ماكاو).

طبعاً يعتبر تدخل ( أديلسون) في (اسرائيل) شأناً سياسياً اكثر من كونه شأناً خيرياً ، ويعتبر من مؤيدي (نتنياهو) المتحمسين وصديقه الشخصي،  وكان يجلس هو وزوجته (مريام) في شرفة خاصة اثناء القاء رئيس الوزراء الاسرائيلي خطابه الأخيرفي الكونغرس الأمريكي ، وقد سقطت من ( مريام ) أثناء الخطاب حقيبة يدها عن طريق الخطأ فوقعت على رأس نائب ديمقراطي كان جالسا في الاسفل. ويتم عادة توفير مقعد أمامي داخل قاعة الهيئة العامة للأمم المتحدة ل(أديلسون) عندما يتكلم (نتنياهو) ثم يتناولان بعدها طعام الغذاء معاً.

يبقى تأثير ونفوذ (أديلسون) على السياسة داخل اسرائيل محدوداً جداً بالمقارنة مع الولايات المتحدة الأمريكية وذلك بفضل القوانين الإسرائيلية التي تقلص كثيراًاستخدام الأموال المحلية الاسرائيلية  المخصصة لتمويل الحملات الانتخابية ولهذا يزداد الاعتماد على المتبرعين الأجانب ( تم ضخ حوالي  90  بالمئة من حملة نتنياهو الانتخابية بأموال من متبرعين امريكيين) . وخلال الانتخابات العامة لمنصب رئيس الوزراء يستطيع المواطن الاسرائيلي تقديم التبرعات على ان لا تتجاوز المبالغ الممنوحة للمرشح الواحد على  10,000 دولار في العام الواحد، غير ان (أديلسون) وجد طريقاً للالتفاف على تلك القيود عن طريق الاعلام الاسرائيلي .  ففي عام  2007  قام باصدار صحيفة يومية (اسرائيل هايوم) والتي اصبحت من أكثر الصحف اليومية انتشارا داخل اسرائيل رغم ان خسائرها الشهرية تصل الى ثلاثة ملايين دولار ، وهي تعتبر عن حق الناطقة باسم (نتنياهو) حتى انها صارت تلقب ب(بيبي ايتون) – حيث (بيبي) هو اسم التصغير لنتنياهو ، و(ايتون) تعني جريدة في العبرية- وبعد مرور عامين على تأسيس الجريدة أعاد الناخبون الاسرائيليون (نتنياهو) الى السلطة . يقول (نفتالي بينيت) قائد الجناح اليميني في (حزب البيت اليهودي) ان: “ جريدة (اسرائيل هايوم) هي مثل جريدة (البرافدا)، اي انها تنطق باسم شخص واحد فقط هو رئيس الوزراء او كما قال (ناحوم بارني) وهو صحفي مرموق يكتب في صحيفة (يديوت احرونوث) عام  2008  : “ ان جريدة (اسرائيل هايوم) تنشر ما يريد ان يقرأه (أديلسون) فقط ، هذا اذا كان باستطاعته قراءة اللغة العبرية.” ، ربما تقوم زوجته (مريام) التي تقرأ العبرية بالترجمة له، وقد لا تكون عملية الترجمة مهمتها الوحيدة ، فحسب أحد المضطلعين على النشاطات اليومية لجريدة (اسرائيل هايوم) فان (مريام) غالباً ما تقوم بتنظيم مقابلات مراسلي الجريدة مع شخصيات سياسية امريكية مرموقة.

ظل (أديلسون) ولعدة سنوات ومنذ بداية التسعينيات يفضل ان تكون الجهة الرئيسية لتلقي الاموال الممنوحة من اجل تمويل النشاطلت المتعلقة باسرائيل هي (لجنة الشؤون العامة الامريكية الاسرائيلية او -ايباك) وهي من أكثر الجماعات الضاغطة والمدافعة عن مصالح اسرائيل في أمريكا ، ومن اكثر الجماعات نفوذاً وقوة حيث استطاعت منذ تأسيسها في عام  1951  ان تحظى بتأييد الحزبين ، الجمهوري والديمقراطي ، وقد ذكر احد العارفين بالنشاطات المالية للمنظمة ان ( أديلسون) يعتبر من اكبر المتبرعين للمنظمة فقد تصل تلك المبالغ الى عشرات واحيانا مئات الملايين من الدولارات سنوياً، هذا بالاضافة الى مبلغ

 10  ملايين دولار تبرع بها لانشاء مقر المنظمة اللامع في العاصمة واشنطن، وقبل افتتاح بناء هذا المقر بعام واحد سنة  2008

 انفصل (أديلسون ) عن تلك المنظمة ( ايباك) لأنها كانت تساند رسالة موقعة من قبل أكثر من مئة عضو في الكونغرس وتبناها ضمنياً رئيس الحكومة الاسرائيلية حينئذ ، (ايهود اولمرت)، وخصم (نتنياهو) ، وتطالب الرسالة ادارة الرئيس (بوش) بتقديم المساعدات والمعونات الاقتصادية الى السلطة الفلسطينية فطالب (أديلسون) بدوره  ان تقوم (ايباك) بالغاء موافقتها على الرسالة وبحسب احد المضطلعين على هذا الخلاف  فان :” (ايباك) لم تكن في وارد تغيير سياستها من أجل ارضاء رغبات (أديلسون) الذي خرج من (ايباك) حاملاً معه امواله.” مما أثلج صدر المنظمات الأمريكية اليهودية الأخرى التي تقف الى يمين (ايباك).

بالاضافة الى دعمه ل(الائتلاف اليهودي في الحزب الجمهوري) فان (أديلسون) هو من اكثر المتبرعين سخاء للمتشددين داخل (المنظمة الصهيونية الأمريكية) وكذلك الى منظمة (مسيحيون متحدون من أجل اسرائيل) والى النشاطات السياسية المتعددة ل (شمولي بوتيك)   الحبر الاورثوذكسي الذي لا يكلّ أو يملّ مطلقاً على نفسه لقب (حبر امريكا) كما ألف كتاباً عنوانه (الحلال في الجماع الجنسي) وكان قائدا روحياً للمغني (مايكل جاكسون) ويمنح اليوم كل طاقاته الثمينة من اجل الدفاع عن اسرائيل.

لقد منح (أديلسون) خلال العامين الفائتين أكثر من عشرين مليون دولار الى جماعة تدعى (المجلس الاسرائيلي الأمريكي) الذي تأسس عام  2007  في مدينة (لوس انجلس)  كمنظمة ثقافية غير سياسية تضم المغتربين الاسرائيليين الذين يعيشون على الساحل الغربي من امريكا. ووفق احد المهتمين بتوجهات (أديلسون) فان هذا ينوي ان يجعل من (المجلس الاسرائيلي الأمريكي) تنظيماً موازياً ل (ايباك) وذلك بفضل اموال ( أديلسون) التي سمحت لهذه المنظمة من ان تفتتح لها مكاتب في كل من مدينة (بوسطن ) و( ميامي) و (نيويورك) و (لاس فيغاس) وقامت المنظمة  في شهر نوفمبر بعقد مؤتمرها في العاصمة (واشنطن ) وتربع في مقدمة الحضور (ميت رومني) المرشح السابق للرئاسة عن الحزب الجمهوري بعد عودته من (الاسكا) باسبوع على متن احدى طائرات ( أديلسون) الخاصة.

غير انه لا توجد منظمة تضاهي ما تتظاهر به (ايباك) من كونها تمثل اطاراً للتعاون بين الحزبين ، الجمهوري والديمقراطي، والذي قد يلائم بعض المحافظين اليهود . يقول ( بيل كريستول) ، الجمهوري اليهودي من المحافظين الجدد، :” يمكنك ان تكون في نظر (ايباك) من انصار اسرائيل دون ان تفعل شيئاً في هذا المجال خلال الاوقات العصيبة، ففي مرحلة معينة ، ان ما تفعله هو الحفاظ على التعاون الثنائي بين الحزبين (الديمقراطي والجمهوري) على حساب تعزيز السياسات الصحيحة.” ولقد جرى هذا ، كما يشير الجناح المحافظ داخل (ايباك) ، أثناء الخلافات حول الاتفاق النووي مع ايران. اذ في الظاهر تبدو (ايباك)

ملتزمة بالحاق الهزيمة بالاتفاقية مثلها مثل اي منظمة يهودية تقف من الناحية السياسية على يمين (ايباك) التي انفقت  25  مليون دولار على اعلانات تلفزيونية تهاجم فيها الاتفاقية ، كما دفعت بما يقارب الألف من أعضائها للطيران باتجاه واشنطن من أجل الضغط على أعضاء الكونغرس لكي يقوموا بالتصويت ضد الاتفاقية ، حتى ان (اوباما) نفسه انفرد بذكر (ايباك) حين أخذ يشكو في مقابلة مع (جون ستيوارت) عن نشاط جماعات الضغط والأموال التي انفقوها لمحاربة الاتفاقية. ورغم ذلك يستمر بعض اليهود في الحزب الجمهوري في التذمر من ان (ايباك) لم تقم بما فيه الكفاية ، فهي مثلاً  لم تهدد بايقاف دعمها لكل عضو في الحزب الديمقراطي يقوم بالتصويت الى جانب الاتفاقية. لقد كان فشل (ايباك) في احباط الاتفاق النووي مع ايران هو  أكبر هزيمة للمنظمة خلال مرور  60  عاماً على تاريخها.

بعد انفصال (أديلسون) عن (ايباك) وانشائه منظمات محافظة اكثر يمينية أخذ القناعات تزداد لدى بعض الاوساط المحافظة والداعمة لاسرائيل ان نشاط هذا السياسي من اصحاب الكازينوهات يؤدي الى نتائج عكسية . يقول يهودي بارز من المحافظين ان  “(الائتلاف اليهودي في الحزب الجمهوري) يشكل حالة مأساوية. يجب قيام منظمة جدّية لليهود في الحزب الجمهوري في الوقت الحاضر ، فما هو موجود الآن ليس الا اداة بيد (شيلدون أديلسون) “ أما (المجلس الاسرائيلي الأمريكي) فيعتبر ظلّ (ايباك) ، ففي شهر آذار عشية انعقاد مؤتمر (ايباك) السنوي في واشنطن قام (سامولي بوتيك) ، احد اتباع (أديلسون) بشراء صفحة كاملة – بأموال (أديلسون) طبعاً – من جريدة (نيويورك تايمز) ليتهم فيها (سوزان رايس)، مستشارة (اوباما) للأمن الوطني، بأنها تسعى لإبادة الاسرائيليين بدعمها للاتفاق النووي مع ايران ، وقد وجهت مجموعات يهودية متعددة الادانة لما جاء في تلك الصفحة الاعلانية من جريدة (نيويورك تايمز).

يقوم بعض النشطاء من انصار اسرائيل بتعداد الأيام المتبقية لرحيل هذا الثمانيني من الوجود، حين تكون زوجته (مريام) قد انهت 70  عاماً من عمرها مع قدوم العام الجديد،  لتمسك بزمام حقيبة العائلة المالية وقد تقوم بإشادة مؤسسة اكثر أهمية كما يتنبأ احد المشتغلين بالسياسة ويتابع قائلا :” لقد بدأ العديد من الأشخاص الأذكياء بمغازلتها منذ الآن ، وستعيش مدة أطول بكثير مما سيعيشه هو ، وستحافظ على كل الدسم الذي اصبح بحوزتها وستتصرف بحنكة اكثر .”

كما يبدو ان (أديلسون ) ليس الوحيد على مائدة تبرعات الحزب الجمهوري في السباق الرئاسي  لعام  2016  فقد ابرزت التطورات الأخيرة زمرة جديدة من اليهود الأرثوذوكس مع انهم اقل ثراء من أقرانهم الأقل اخلاصاً فهم رغم ذلك تمتلكهم الرغبة الدائمة في مشاركة الآخرين لثرواتهم ، ويشرح (رون توروسيان) ، احد المستشارين في العلاقات العامة من مدينة (نيويورك)، هذا الأمر بقوله :” هناك عدد من الأشخاص يكتبون شيكات بقيمة –  50,000  و   100,000   أو  250,000   دولار الى لجان الحملات الانتخابية “

والمرشح الأكثر هجوما على غرف هذه الأموال التي أخذت بالتراكم هو (تيد كروز) ،السناتور من ولاية تكساس ومن اتباع الكنيسة المعمدانية، ففي أوائل هذا العام أجرى (نيك موزن) ، وهو يهودي ارثوذوكسي ومن كبار مساعدي (تيد كروز)، تحضيرات لاستقبال (كروز) كضيف رئيسي ضمن احتفالات خاصة بعيد الفصح عند اليهود – وهي عبارة عن قضاء اجازة مدتها عشرة أيام في منتجع (سانت ريجيس) الواقع في (لاغونا بيش) داخل ولاية كاليفورنيا وبتكلفة تصل الى  11,000  دولار للشخص الواحد، وفي المنتجع القى (كروز) كلمة حماسية عن اسرائيل اثناء تناول الافطار التقليدي بالمناسبة. وكان هناك (بول سينغر) ، البليونير اليهودي من نيويورك والذي يعتبر أكثر جذبا للآخرين في التعامل معه متجاوزاً(أديلسون)  من هذه الناحية، ومع ان (سينغر) معروف داخل الأوساط السياسية بجهوده في حشد الحزب الجمهوري من اجل مساندة زواج المثليين . وزاد الاهتمام ب (سنغر) داخل المحافل الاسرائيلية في السنوات الأخيرة ، لاعتباره ، وبحسب احد المقربين، ان “ اسرائيل في حالة حصار.” ورغم ان ثروته البالغة  2.1  بليون دولار لا تعد شيئاً يذكر مقارنة بثروة (أديلسون) ، الا انه يمتاز بانه يملك شيئاً يفتقد اليه (أديلسون) ، اذ ان لديه عدداً كبيراً من الأصدقاء الأثرياء وهم على استعداد للتبرع حين يكون (سينغر) الذي نال ثقتهم قد اجرى كل الترتيبات اللازمة  لتقديم التبرعات بطريقة غير علنية و ضمن اندية خاصة مثل نادي (متروبوليتان) في (مانهاتن)، ولقداستضاف على موائد الغذاء عدداً من هذه المآدب على شرف عدد من مرشحي الرئاسة من الحزب الجمهوري شملت (بوش)، و (واكر) و (روبيو) و (كريس كريستي) و (جون كاسيك). وأطلق المرشح الرئاسي (بوش) خلال واحدة من هذه المآدب ملاحظة اشار فيها الى ان شقيقه الرئيس السابق (بوش) هو مستشاره الرئيسي في كل ما يتعلق باسرائيل.

توجد كذلك صداقة شخصية بين (أديلسون ) و (سينغر) ف (سينغر) عضو في (الائتلاف اليهودي للحزب الجمهوري) وهو مثل  (أديلسون ) يعشق المرشح الرئاسي (روبيو) بالاضافة الى (بوش)، ومع ذلك توجد بينهما فوارق شخصية تميز كل واحد منهما ف (سينغر) مجاز في القانون من جامعة (هارفارد) وليس من هواة حمل السلاح ولا يحب الجلوس تحت الأضواء مثل صديقه (أديلسون) .

في شهر حزيران من العام الحالي – 2015   – انضم الى (أديلسون) في احدى قاعات كازينو (فينيشيان) ممثلوا  50  جماعة يهودية امريكية تمت دعوتهم للقاء غير رسمي لتقديم آرائهم الى (أديلسون) والى مجموعة اخرى من المتبرعين اليهود الأثرياء بهدف  معرفة كيفية محاربة السياسات والحركات التي تنادي بمقاطعة اسرائيل ، والمنتشرة داخل الكليات التعليمية في امريكا حيث وعد(أديلسون) بتقديم  50  مليون دولار لهذا الغرض ، خاصة وان هذا الجهد من قبل (اديلسون) موجه بصفة شخصية لحماية ابن زوجة (أديلسون) (مريام) من الفساد الذي قد تأتي به مثل هذه الدعوات ومدى تأثيرها على ذهن هذا الشاب  الذي يجب حمايته وصيانته من العواقب السلبية التي قد تأتي بها أفكار العداء لاسرائيل .

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *