التدخل الروسي في سوريا لتأمين مشروع انابيب الغاز والنفط الإيراني

 

لقد أنعش التدخل العسكري الروسي في سوريا الجدل حول الدوافع التي تقف خلفه. ما الذي يجعل دولة تنوء

تحت ثقل مشاكلها وتعاني من العقوبات الاقتصادية المفروضة عليها بسبب تتدخلها في اوكرانيا، ما الذي يدفعها الى ان تفتح جبهة عمليات عسكرية اضافية في سوريا بعيداً عن ساحة عملياتها التقليدية وخارج مجال أجواء الاتحاد السوفييتي السابق؟ ما الذي يدفعها بالاضافة الى الأسباب الرسمية المعلنة الى القيام بضرب المجموعات العسكرية الأخرى التي تحارب النظامباستثناء المعاقل التي تسيطر عليها (داعش)؟

ان الجواب الوحيد الذي يطرح نفسه هو: وجود مكامن الغاز الطبيعي، لاسيما وان أغلب القوى الأجنبية المتحاربة في النزاع هناك هي دول مصدرة للغاز وترتبط مصالحها بواحد من مشروعين يتنافسان كلاهما على مخطط لتمديد خط أنابيب للغاز يمر عبر الأراضي السورية وذلك لإيصال اما الغاز القطري او الإيراني الى أوروبا. وحرب الغاز هذه ستشدّد رحاها بعد ان تخرج إيران من دائرة المقاطعة والحصار التي كانت مفروضة عليها وهي تتطلع بنهم لتصدير ما تملكه من احتياطي هائل للغاز.

Picture1

 خطوط الطاقة

بدأت قطر وإيران بتطوير حقل القبة الشمالية وجنوب فارس في عام ١٩٨٩ والذي يقع على عمق ٣٠٠٠ متر تحت قاع الخليج ويحتوي على ٥١ تريليون متر مكعب من الغاز بالاضافة الى ٥٠ بليون أخرى من النفط السائل، ويعتبر من أكبر حقول الغاز الطبيعي في العالم، وثلث ذلك المخزون يقع في المياه الايرانية والثلثين الباقيين في المياه القطرية. ولقد قامت قطر ومنذ اكتشاف ذلك الحقل باستثمار مبالغ كبيرة في مشاريع لإسالة الغاز الطبيعي واقامة محطات تمكنها من شحن الغاز المسال الى انحاء العالم ضمن ناقلات بحرية، غير ان هذه العملية التي تتطلب تسييل الغاز ثم شحنه تزيد من كلفته الكلية خاصة وان أسعار الغاز أخذت بالهبوط مما يجعل قطر تضطر الى عرض الغاز بأسعار متدنية في الأسواق الأوروبية بسبب وجود الأنابيب التي تحمل الغاز الروسي وغير الروسي الى تلك الأسواق بأسعار أقل من أسعلر الغاز القطري.

ولهذا طرحت قطر في عام ٢٠٠٩ مشروعاً لبناء خط انابيب تستطيع عن طريقه نقل انتاجها من الغاز الطبيعي باتجاه الشمال الغربي عبر الأراضي السعودية ثم الأردن فسورية حتى الأراضي التركية، وسيتطلب ذلك استثمار بلايين الدولارات في البداية ولكنه سيؤدي لاحقاً الى تخفيض تكاليف النقل في الأجل البعيد، غير ان الرئيس السوري، بشار الأسد، رفض توقيع مثل هذه الخطة، كما ان روسيا مارست ضغوطاً على الرئيس بشاربهذا الإتجاه لكونها لا تريد وجود من يهدد مركزها داخل أسواق الغاز الأوروبية.

في نفس هذا الوقت قامت إيران، وهي تنتظر فرصتها الذهبية، وتفتقد الى بنية تحتية لتسويق ما تملكه من مخزونها الهائل من الغاز، الى طرح مشروع بديل يقضي بإنشاء خط للأنابيب يبدأ من إيران ويمر عبر العراق ثم سوريا يضخ عبره الغاز الايراني من حقل فارس وحتى الموانئ السورية، مثل اللاذقية، وليستمر بعدها خط الانابيب تحت مياه البحر الأبيض المتوسط. ويبدو ان موسكو كانت قد باركت قيام مثل هذا المشروع معتقدة انه سيكون من الأسهل على روسيا التعامل مع إيران مقارنة بالتعامل مع قطر- التي يوجد على أراضيها قاعدة عسكرية امريكية- للسيطرة على امدادات الغاز الصادرة الى أوروبا والواردة من إيران وبحر قزوين وآسيا الوسطى. ولقد تم اعلان نبأ الاتفاق على خط الانابيب هذا والممتد من إيران الى سوريا مروراً بالعراق في عام ٢٠١١، ووفق المخطط فقد كان مقرراً الانتهاء من عملية الانشاء في عام ٢٠١٦، لكن مالحق بالمنطقة بعد قيام الربيع العربي حال دون ذلك.

اذ بعد نشوب الثورة عام ٢٠١١ واتساع ساحة المعارك كانت إيران تقوم بتقديم كل أشكال الدعم الى حكومة الأسد، وبحسب التقارير فان ايران هي من تقوم حالياً بتحريك الجيش السوري وتزويده بالسلاح، كما امدته في الفترة الأخيرة بقوات من الحرس الجمهوري ومن قوات القدس، ولدى ايران اسباب تدفعها الى تقديم مثل هذا الدعم لنظام الأسد الذي اثبت انه يمكن الاعتماد عليه كحليف ثابت وممر آمن من أجل ارسال الأسلحة الى حزب الله في لبنان بالاضافة الى ان سوريا ستكون ممراً سهلاً لمشروع نقل الغاز عبر خط الأنابيب الايراني.

أما قطر فقد بدأت مساعيها للاطاحة بنظام الأسد حين بدأت بتمويل جماعات الثوار بحيث بلغ مجموع ما قدمته حوالي ٣ بليون دولار بين عامي ٢٠١١-٢٠١٣ كما قررت منح مبلغ ٥٠ ألف دولار لكل من ينشق عن النظام. وقد اتسمت العلاقات القطرية السورية بكونها علاقات ودّية حتى قيام قناة (الجزيرة) القطرية بدور حيوي في دعم ثورات الربيع العربي وتوفير صوت للاحتجاجات في سوريا، كما ساهمت قطر في عزل الأسد دبلوماسياً وذلك حين تم تسليم مقعد سوريا في الجامعة العربية الى المعارضة، وبهذا تكون قطر قد جازفت بعلاقتها الجيدة مع إيران التي كانت قائمة بين البلدين حتى ذلك الحين.

ويضيف التدخل الروسي الحالي في سوريا بعداً آخر، فروسيا تفضل اما انشاء خط أنابيب (إيران-العراق-سوريا) أو عدم وجود خط للأنابيب على الإطلاق لكي تتمكن من السيطرة الفعالة على امدادات الغاز الى أوروبا والتي تعتبر السوق الرئيسية لها. وبالنسبة الى قطر فان سوريا تمثل فرصة لنقل الغاز بأسعار رخيصة الى الأسواق وتمثل سوريا ايضاً فرصة لمنع إيران من السيطرة على خط الأنايب الذي سينقل الغاز من مصادره في الحقل المشترك بين قطر وإيران. وبالنسبة الى الولايات المتحدة فهي تساند انشاء خط الأنابيب القطري لكونه سيشكل اداة مواجهة وتوازن مع إيران، وسيوفر ايضاً مصادر متعددة للغاز المصدّر الى أوروبا بعيداً عن التأثير الروسي، كما ان خط الأنابيب القطري سيوفر لتركيا فرصة لتأمين مصادر متعددة لتلبية حاجاتها من الغاز بعيداً عن روسيا وسيعزز ذلك طموحات تركيا لتكون محطة محورية لنقل الغاز بين آسيا وأوروبا. لقد باشر الاعلام الرسمي الروسي مؤخراً بتذكير تركيا انه من غير المحتمل ان تكون قادرة على تدبير امورها من دون الغاز الروسي بالاضافة الى ان إيران، مزوّد تركيا الآخر بالغاز، هي حليف روسيا في سوريا.

وبعبارة اخرى فان أي حلّ سياسي للأزمة في سوريا يجب ان توفّق بين مصالح ممولي الغاز المتنافسين، وإحدى الطرق التي يمكن ان تؤدي الى تحقيق مثل هذا الأمر هو اتاحة المجال لبناء كلا الخطين من أنابيب النقل لتمكين كل من قطروايران من تسويق الغاز الخاص بكل منهما الى الأسواق الأوروبية بأسعار زهيدة، كما ان هذا سيضع حداً لأحد الأسباب التي تغذي الصراع الدائر وسيخدم وبشكل معقول مصالح كل الأطراف المتنازعة باستثناء روسيا، اذ ان انجاز خطّ الأنابيب الثنائي هذا سيشكل كارثة حقيقية لموسكو. فروسيا لها مصلحة حيوية في السيطرة على امدادات الغاز الى أوروبا حيث تقوم شركة (غازبروم) الروسية ببيع ٨٠٪ من انتاجها من الغاز في الأسواق الأوروبية. لقد تمكن الاتحاد الأوروبي في السنوات الأخيرة من النجاح في تنويع مصادره من الغاز عن طريق استيراده للغاز المسال، ويسعى الاتحاد الأوروبي ايضاً الى انشاء خطوط نقل اضافية من آسيا الوسطى والشرق الأوسط للتقليل من اعتماده على الغاز الروسي. ان مشاريع خطوط النقل القطرية والايرانية ستساهم بانتزاع حصة روسيا من هذه الأسواق، بل وستساهم أيضاً في تخفيض أسعار الغاز الى دون الحد الذي يسمح لميزانية الدولة الروسية بالاستمرار.

كانت روسيا في السابق قد ابدت عزمها على دخول الحرب من اجل هذه القضية، فخاضت الحرب في (جورجيا) لزعزعة خطط الغرب الهادفة لتصدير الغاز من منطقة بحر قزوين الى الغرب عن طريق (ازربيجان) و (جورجيا) الى (تركيا). كما دخلت روسيا الحرب في اوكرانيا للسيطرة على أهم دولة لعبور الغاز بين روسيا واوروبا، ان كل ذلك يستدعي التوقع ان تقوم روسيا بخوض الحرب من اجل ايقاف مشروع خط انابيب الغاز القطري ومنعه من العبور في سوريا للوصول الى أوروبا، والذي بدوره سيجعل صادرات الغاز الإيراني تعتمد بشكل رئيسي على الدعم والمساندة الروسية، ويفسر هذا لماذا قامت روسيا بقصف جماعات الثوار داخل سوريا التي تمولها كل من قطر والسعودية وكيف شدّد هذا التدخل الروسي من تصميم وعزم دول الخليج.

يتبين بوضوح، حين يأخذ المرء قضايا الطاقة بعين الاعتبار ان تسليم كيان دولة سوريا  الى إيران سيقود الى كارثة، كما ان التفاوض مع الطرف الروسي على ايجاد حل سيكون صعباً جدا بسبب التضارب الحاد بين مصالح روسيا ومصالح الولايات المتحدة، وتقف تركيا بموقعها على مفترق الطرق التي تصل آسيا بأوروبا لتصبح نقطة التوازن بين كل مصدري الغاز في الشر الأوسط لتأمين حرية تصديره ونقله.

بعض المعلومات الواردة في المقال مأخوذة من مجلة (قضايا خارجية)

يونادام

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *