رسالة إلى مسلمي العالم ولبنان: لا خلافة ولا دولة دينية في القرآن

رسالة إلى مسلمي العالم ولبنان: لا خلافة ولا دولة دينية في القرآن

رؤوف قبيسي

28 تشرين الثاني 2015

لا أريد لهذه الرسالة إلى مسلمي العالم ولبنان، إلا أن تكون حديث النفس المطمئنة إلى النفس المطمئنة، النفس التي يدعوها القرآن إلى أن ترجع إلى ربّها راضية مرضية، لتدخل في عباده وتدخل جنته، والتي يقول “المسيح” إنها به تحيا وإن ماتت. تركتُ شيعتي وديني منذ زمن بعيد. لم أخرج لأصير كافراً، أو زنديقاً، أو هرطوقياً، أو مرتداً يستحق القتل أو العذاب، بل شديد الإيمان، بأن المرء، لا يمكن أن يكون مؤمناً، إذا كان يعتبر دينه الحق وأديان الآخرين باطلة، وأن “النعيم” له، وللآخرين الجحيم! هي رسالة أكتبها مستوحياً القرآن والأناجيل، وبوحي من الإيمان، بأن أي تديّن ينافي أديان الآخرين، ليس درباً سليمة إلى “الله”، وما يحدث في شرقنا “العربي العبري السرياني- مهد الرسالات السموية” خير دليل! حروب دينية لا مثيل لها في العالم، بين “مسلمين” و”مسيحيين”، بين “سنّة” و”شيعة”، بين “سنّة” و”علويين”، بين “دواعش” وأقليات عرقية دينية ومذهبية، وبين “مسلمين” و”يهود”، عمرها من عمر الإسلام، وقبل أن تولد إسرائيل بقرون!

الأديان والمذاهب تصنيفات تُحدث شروخاً بين البشر. هكذا كانت عبر التاريخ، ومهما عقد رجال الدين والمذاهب في الشرق والغرب، مؤتمرات وندوات ومجالس، تحت عنوان “حوار الأديان”، أو “حوار الحضارات”، فسوف يفشلون. قد يخرجون بقرارات ووعود، وأدعية وصلوات، غالباَ ما تكون مسكّنات تخفف الوجع إلى حين، لكن هيهات أن تستأصل المرض من أساسه، لأن التديّن، ساعة يشتد، لا يعود للإيمان وجود، وخصوصاً إذا سادت الجهالة والبطالة والأمية. لذلك خاطب “المسيح” أتباعه بالقول: “لا تفسدوا الوصية بالتقليد”، وقدّم الإيمان على الطقوس بقوله “إن الله يريد رحمة ولا يريد ذبيحة”، ولذلك جاءت الآية القرآنية لتقول: “ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر”.

الدين يصادر الإيمان، يسجنه في طقوس تتحجر مع الزمن، وتشعل الفتن والحروب، ولا غرابة أن يقول ماركس إن الدين أفيون الشعوب. لم يقل صاحب نظرية الحتمية المادية، إن الإيمان أفيون الشعوب، بل قال إن الدين أفيون الشعوب، لأن في الإيمان أبعاداً إنسانية لا يظهرها التديّن، أو هي في الدين، لكنها لا تظهر إلا “لمن أتى الله بقلب سليم”. هكذا أفهم القرآن، “ولله المشرق والمغرب فأينما تولوا فثمّ وجه الله”، وهكذا أفهم حوار “يسوع” مع السامرية عند بئر يعقوب، ساعة قالت له: “آباؤنا سجدوا في هذا الجبل، وأنتم تقولون إن في أورشليم الموضع الذي يجب أن يسجد فيه، أجابها: لا يا إمراة، لا في هذا الجبل ولا في أورشليم، الله روح، والذين يسجدون له، فبالحق والروح يجب أن يسجدوا”

■■■

بحثتُ عن “الله” في الكتب علّني أقف على شيء من أسرار الوجود. جعلني البحث عن هذا “الخالق” أجلّ “الكتب السموية”، ومنها هذا القرآن الذي عليه عاش آبائي وأجدادي. لا أميل إلى رأي من يزدريه، كما يفعل بعض العلمانيين والملحدين والدارسين، ولا آخذ برأي متديّن يعتبر كتابه خير الكتب، ويسفّه كتب الآخرين. أقول هذا على رغم إعتقادي الذي لا يتزعزع، بأن لكل إمرئ الحرية أن يقول ما يشاء. فولتير “الكافر” بنى كنيسة لأهل قريته، وكان يقول: “لا أومن بما به تؤمن، لكني أجرّد سيفي للدفاع عن حقّك في أن تؤمن بمعتقدك الذي لا أصدّقه”. عاش فولتير في القرن السابع عشر، لكن قبل أن يولد هذا الفيلسوف الفرنسي بمئات السنين، جاء القرآن فقدّم المعنى بكلام أوضح وأكثر إيجازاً، وأشار على “نبي” الإسلام بأن لا يكون على الناس وكيلاً ولا وصياً، وخاطبه بالقول: “ولو شاء ربّك لآمن من في الأرض كلهم جميعاً أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين”.

كثيرون يفسرون هذه الآية، وآيات تدعو إلى حرية الاعتقاد، كآية “من شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر” على أنها لا تلغي “الجهاد”، ولا تنفي واجب قتال “المشركين”. يستشهدون بآية تقول: “وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين لله”، وآية ثانية “واقتلوهم حيث ثقفتموهم”، وآية ثالثة تقول: “إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فساداً أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفوا من الأرض ذلك لهم خزي في الدنيا ولهم في الآخرة عذاب عظيم”. يسمّونها “آيات السيف”، على رغم اعتراض بعض الفقهاء على الاسم، ويأخذون بمبدأ “الناسخ والمنسوخ”، أي السور التي تسود على ما جاء قبلها من سور، لتكون عندهم أساس الشريعة.

لن نأخذ بشروح المفسّرين والشرّاح، هي كثيرة وفيها تناقض، وقد تضعنا في مأزق، وخصوصاً ما جاء قبل من السور، وما جاء بعد، وما هو مديني من الآيات وما هو مكي، في حين أن المطلوب قراءة إيمانية غير حرفية للنصوص، وهذا كل شيء! قراءة، ترفض مبدأ “الناسخ والمنسوخ”، وتأخذ بفقه التيسير، وتعتبر أن “آيات السيف” من أحكام الزمن الغابر، وأنها كانت مرتبطة بظروف استثنائية، وبسياق تاريخي جاءت فيه. من ثمّ، ألا يعلم أهل “الجهاد” أن “كفّار الأمس” غير “كفّار اليوم”؟ “كفّار الأمس” سلاحهم السيف، مراكبهم الخيل والإبل، في حين أن “كفّار اليوم”، سلاحهم أسلحة دمار شامل، يستطيعون أن يبيدوا بها “المسلمين” في عقر دارهم، إذا حاربهم “المسلمون” في عقر دارهم! عليه نتساءل: ما الأفضل للإسلام والمسلمين، أن يأخذوا بالسيف، ويقوم من بينهم، من يفجر نفسه في بيروت ودمشق، وبغداد وباريس، أم يأخذوا بآيات السلم والصفح والرحمة والمحبة؟!

القرآن يقول لـ “النبي”: “ولو كنت فظاً غليظاً لانفضّوا من حولك فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الأمر فإذا عزمت فتوكل على الله إن الله يحب المتوكلين”. أما التكابر الذي يلجأ إليه المتزمّتون، فجهلٌ مطبق بتاريخ الأديان، ولقد ذكرت في غير موضع، أنني لا أغيّب السيف من المعادلة، وأقول إن الإسلام لم ينتشر بحدّ السيف، وإنه لم يُفرض عنوةً. في مراحل كثيرة قام على السيف وساد من غير شك، لكنه لم يقم بالسيف وحده ويسد، انتشر أيضاَ بالهجرة وحرارة الإيمان، ولو لم تكن فيه أشياء تلبّي حاجة لدى البشر في طريق بحثهم عن “الله”، لما وصل إلى أماكن بعيدة في العالم لم تطأها أقدام “الفاتحين”. مهما يكن، السيف ما كان يوماَ وقفاً على الإسلام وحده. المسيحية فُرضت عنوةً أيضاً، وفي أمكنة وأزمنة كثيرة في التاريخ. فرضها قسطنطين ديانة رسمية في الأمبراطورية الرومانية، وفرضها الأمير فلاديمير في روسيا قبل نحو ألف عام، وجعلها الملك هنري الثامن بروتستانتية خالصة، حين فصل مملكته عن بابوية روما الكاثوليكية، ومهّد إلى ما عرف في ما بعد بكنيسة إنكلترا. شبيهٌ بذلك أيضاً ما فعله الشاه اسماعيل الصفوي، قبل نحو 500 سنة، عندما أخذ بالسيف القاطع وسيلة، وجعل من إيران “السنّية” دولة “شيعية”، ليصدّ خطر العثمانيين عن حدود مملكته الفارسية.

وجود السيف في “الكتب المقدسة” الأخرى، مسيحية ويهودية، خير ردّ على القائلين إن من المستحيل أن تولد دولة مدنية من رحم قرآن يوصي بقطع يد السارق، وقتل الكفّار، وجلد الزاني والزانية، وأن تكون هذه الدولة علمانية دهماوية (الدهماوية، هي الترجمة العربية للكلمة اليونانية ديموقراطية، وقد جاءت في معاجم اللغة بمعان مغايرة، لأن الحاكم لم يستأنس بمعناها الذي يعني الحكم للشعب)! هؤلاء ينسون، أو يتجاهلون، أن الدولة المدنية في الغرب لم تنشأ إلا بعدما تخطت نظرة الكنيسة الضيقة إلى الحياة، وحسبت العنف الذي في “الكتب المقدسة”، من أحكام الزمن الغابر. لذلك، على المتنورين من المسلمين، ورجال الدين الورعين الأتقياء، أن يطرحوا تفسيراً معاصراً للقرآن، يتخطى أحكام الزمن القديم، ويأخذ بفقه التيسير، الذي يستوحي الأحكام من آيات كثيرة مثل آية “يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر”، وآية “وما جعل عليكم في الدين من حرج”، وآية أخرى تقول: “يريد الله أن يخفف عنكم وخلق الإنسان ضعيفا”، ومثلها أيضاَ “لا يكلف الله نفساً إلا وسعها”.

هنا لا بد من التذكير بموقف شيخ الأزهر السابق، محمد سيد طنطاوي، من الحجاب في فرنسا، عندما وقف إلى جانب الحكومة الفرنسية في منعه في المدارس، قائلاً إن لكل دولة قوانينها، وعندما أحلّ الفوائد الربوية لدى البنوك، واعتمد التيسير، وأدرج كتابه “فقه التيسير” في برامج التعليم في الأزهر، بدلاً من كتب المذاهب الأربعة (الشافعي والحنفي والحنبلي والمالكي)، في بادرة رحّب بها المعتدلون وكانوا الغالبية، وأثارت حفيظة قلة من المتنطعين والمتحفظين، الذين ما إن علموا برحيل الشيخ، حتى تنفسوا الصعداء، وأوقفوا العمل بكتابه! علينا أن نفهم رجال دين، مثل الشيخ محمد سيد طنطاوي، ومثل الشيخ الجليل عبد الله العلايلي، وإمام كبير مثل الشيخ محمد عبده، لندرك أن بعض ما في القرآن من قوانين وتعاليم هي “أشكال” لزمن معيّن، ومكان معيّن، ولا تتماشى مع عصر كعصرنا الذي يشهد أكبر ثورة معرفية وتكنولوجية في التاريخ، وأما في “الجوهر” فالقرآن كتابٌ باقٍ لا تستقيم الحياة من دونه، وصالحٌ لكل زمان ومكان.

في “العهد القديم” من “السيف” والترهيب أكثر مما في القرآن. نقرأ في سفر إرميا: “ملعون من يمنع سيفه عن الدم”، ونقرأ في سفر حزقيال: “فزعتم من السيف أنا أجلب عليكم السيف يقول السيد الرب”، وفي سفر صموئيل: “الآن اذهب واضرب عماليق، وحرّموا كل ما له، ولا تعف عنهم، بل اقتل رجلاً وامرأة وطفلاً ورضيعاً، بقراَ وغنماً، جملاً وحماراً”. أما في العهد الجديد، فلم يتورع “يسوع” الرحمة والمحبة، الذي قال لأتباعه، أحبّوا أعداءكم باركوا لاعينيكم، لم يتورع عن الأخذ بالترهيب. في أحد المواقف يدخل الهيكل ويأخذ بالسوط، يقلب موائد الصيارفة ويصرخ في وجه الجموع: “بيتي بيت الصلاة يدعى، وأنتم جعلتموه مغارة للصوص”. “مسيح” الرحمة هذا قال أيضاً: “لا تظنوا أني جئت لألقي سلاماً على الأرض. ما جئت لألقي سلاماً بل سيفاً”.

من “المسيحيين” ورجال الكنيسة من يعترض على هذا التفسير، بحجة أن كلام “يسوع” هنا استعارات ورموز لمعان أخرى، ولا يصح إخراجها من السياق العام الذي يرسم شخصيته الرحيمة السمحة، وأن “يسوع” الذي قال لبطرس “من يأخذ بالسيف بالسيف يُؤخذ”، لا يلجأ إلى العنف. مهما يكن التفسير، يبقى “العنف” هنا واضحا، ولو على نحو رمزي ومجازي، هو أمر لا يشين الرسالة على أي حال، لأن “يسوع” القائل: “ما جئت لأنقض الناموس جئت لأكمل”، والذي لم ينقض شريعة “موسى والأنبياء”، هو ذاته “يسوع” الذي قال غير مرة: “قد قيل لكم كذا وكذا، أما أنا فأقول لكم”. خرج من التقليد ليحفظ الوصية، وترك للناس حرية وضع النظام الذي يلائمهم، كما في قوله: “مملكتي ليست من هذا العالم”، وفي قوله الآخر: “أعط ما لقيصر لقيصر وما لله لله”، هكذا وصلت رسالته في الأناجيل الأربعة المعتمدة، بسيطة وديعة غنية وقوية. أما ما شابها من طقوس وشروح في ما بعد، فلا علاقة له بالجوهر، بدءاً بتفسيرات “الرسول بولس”، الذي يرى كثيرون، ومنهم جبران في كتابه “يسوع ابن الإنسان” أنه، أي بولس الرسول، “أفسد رسالة الناصري بما أدخل عليها من تعاليمه”!

■■■

في حياته وكتبه وأبحاثه، أخذ الشيخ اللبناني الجليل عبد الله العلايلي بشعار عنوانه: “ليس محافظة التقليد مع الخطأ، وليس خروجاً التصحيح الذي يحقق المعرفة”، وقال: “لأية جماعة الحق أن لا تتصل بالسماء عن طريق محمد”. وجد الشيخ الراحل في التديّن تعصباً وتحجراً وجموداً، وفي الإيمان حياة وخلوداً. في هذا المعنى تكون “الدولة الدينية” التي يريدها المتدينون، دولة تعسفية مهينة لمعتقدات من لا يدين بدينها، دولة أحادية تأخذ جانباً واحداً، وتعتبر السائرين على مذهب غير مذهبها مواطنين من درجة ثانية وثالثة، هذا إذا أبقتهم أحياء! هذه “الدولة الدينية” التي يريدها الإسلاميون، لم توجد في التاريخ، ومن حسن الطالع أنها لم توجد، لسبب بسيط هو أنها مخالفة لروح القرآن! كانت هناك دول تقنّعت ببراقع الإسلام، كما الدول المحسوبة على الإسلام اليوم، لكنها لم تكن إسلامية، وكانت أبعد ما تكون عن القرآن.

نتساءل: هل كانت الدولة الأموية إسلامية؟ هل كانت الدول الأخرى، العباسية والفاطمية والأيوبية والمملوكية والعثمانية والصفوية دولاً إسلامية حقاً؟ بالاسم كانت، لكنها لم تكن إسلامية. أما الخلافة الراشدية التي جاءت بعد موت الرسول، والتي يتغنى بها “المسلمون” فلا نعرف عنها إلا ما تفيدنا السير، خصوصاً السيرة الأولى التي وضعها ابن هشام (توفي 833 ميلادية) نقلاً عن سيرة ابن اسحق، بعدما هذّب سيرة هذا الأخير وشذّبها كما قال في مقدمة الكتاب. سيرة ابن اسحق هذا مفقودة، ومن المؤرخين من لا يعتدّ بسيرة ابن هشام، ويعتبر فترة المئة السنة الأولى من تاريخ الإسلام “منطقة سوداء” يكتنفها الغموض، ولا أحد يعرف عنها شيئاً، ولا يوجد دليل واحد “حسي ملموس” في متاحف الدنيا يعود إلى السنوات الأولى من تاريخ الإسلام، لا قطعة نقد، ولا مخطوطة، ولا شيء آخر البتة، وكل ما يقال عن “مصحف عثمان” ورسائل “النبي” إلى كسرى، ورسائل عمر بن الخطاب إلى ملوك الفرس والروم، وشعرة “النبي” وسيفه في متاحف اسطنبول هراء بهراء. لا شيء من هذا كله صمد ويصمد أمام الفحص الكربوني! حتى “العهدة العمرية”، أي الرسالة التي تقول الكتب إن عمر بن الخطاب وجهها إلى أهل إيليا (القدس) يعطيهم فيها الأمان لأنفسهم وأموالهم، ولكنائسهم وصلبانهم، لا وجود لها في أي متحف، موجودة في الكتب فقط، وبنصوص مختلفة، منها ما هو صلحي ومنها ما هو عدائي! يرويها الطبري في كتابه “تاريخ الأمم والملوك” بنص يختلف عما رواه إبن كثير في “التفسير”، وما رواه إبن عساكر في “تاريخ دمشق”، وما رواه ابن القيم الجوزية في “أحكام أهل الذمة”، أما ما جاء عنها في كتابات ابن تيمية، وما يتقيد به “الداعشيون” هذه الأيام، فرسالة استسلام مهين للمسيحيين! مهما يكن، هذا “التزوير” ليس وقفاً على تاريخ الإسلام وحده. تاريخ الأديان كلها يحفل بكثير منه أيضاً. لقد ظل العالم “الكاثوليكي” مئات السنين يتبرّك بقطعة قماش ملطخة بالدم، موجودة في مدينة تورينو في إيطاليا قيل إنها كانت على جسد “المسيح” وقت الصلب، إلى أن جاءت العلوم الحديثة وفحوص الأشعة الكربوينة لتدحض هذا الاعتقاد، وتبيّن أن عمر هذه “القماشة المباركة”، لا يتعدى 1300 سنة!

المشكلة في تاريخ الأديان، هي أن غالبية الناس لا تريد أن تسمع بالحقيقة الجارحة أو تراها! كان أرسطو يقول عن معلّمه أفلاطون: “أريد الحقيقة وأريد أفلاطون، لكني أريد الحقيقة أكثر مما أريد أفلاطون”. يبقى أن الأمر الذي لا تدركه غالبية الناس، هو أن الحقيقة الجارحة، التي تهزّ عقول المتدينين ووجدانهم هزاَ عنيفاً، هي أفضل السبل للوصول إلى الإيمان النقي المجرد، الخالص من كل وهم. بهذه الحقيقة تبرأ النفس من الخرافة، وتغدو حرة عاقلة، وبها تتجلى سلطة العقل الذي لا إمام غيره، كما يقول شاعرنا العظيم أبو العلاء المعري. السعي وراء الحقيقة يجعلنا اليوم نتساءل: أليست تنظيمات مثل “داعش” و”القاعدة” وأخواتها، ضرباً من ضروب الوهم، والقراءة الخاطئة للنص، والفهم البدائي للإسلام وتاريخ الإسلام؟!

لقد وُضعت كتب السيرة المنسوبة إلى رواة فرس وعرب، بعد مئات السنين على وقوع الحوادث، ولا أحد يمكنه أن يثبت إذا وقعت فعلا! كُتب لعبت فيها الأغراض التجارية والسياسية والقبلية والمذهبية كل مذهب، ولا نملك صفحة أصلية واحدة منها، علماً بأن ابن هشام، كما في الكتب، وضع السيرة الأولى، بعد مضي 132 سنة على وفاة الرسول، وهو ما يعادل اليوم ألف عام! حتى لو أخذنا بما كتب ابن هشام وغيره من الرواة، سندرك من غير عسر، أن الفترة الراشدية التي تقول المراجع إنها استمرت ثلاثين عاماً، لم تكن عصراً ذهبياً على الإطلاق. فيها لاقى ثلاثة من الخلفاء الراشدين، عمر وعثمان وعلي، مصرعهم، وفيها حدثت حروب الردّة، وفيها انقسم المسلمون شيعاً وأحزاباً.

من حسن الطالع أن “النبي” لم يترك وصية مكتوبة يوصي فيها لخليفة من بعده، أو يذكر فيها ما يدل على شيء له علاقة بخلافة أو بدولة. أما اجتماع المسلمين في السقيفة، الذي تفيدنا الكتب أن فيه تمت البيعة لأبي بكر الصديق خليفة على المسلمين، فأمر لا يتماشى مع القرآن، الذي لا ذكر فيه لخلافة أو لدولة. حتى إذا اعتمدنا السيرة، وأقررنا بصحة ما جاء فيها من قصص وروايات، وأردنا أن نطبّق عليها قيم أيامنا ومعاييرها، فلن نتردد في القول، إن ذلك الاجتماع لم يكن ديموقراطياً، ولا قانونياً، ولا شرعياً، لأنه لم يؤخذ فيه برأي جموع المسلمين، أي أن بيعة أبي بكر، لم تكن شورى كاملة، أو نتيجة استفتاء عام، لذلك قال عمر بن الخطاب “إن بيعة أبي بكر كانت فلتة وقى الله المسلمين شرّها”! مهما يكن، للشيعة كتبهم الخاصة بالسيرة، وهم لا يقرّون بنتائج اجتماع السقيفة، والخلافة عندهم هي لعلي بن أبي طالب، ابن عم النبي وصهره وأبي سبطيه، الحسن والحسين، ثم لأولاده الأئمة من بعده. حجتهم في ذلك أن “الرسول” في حجة الوداع، في السنة العاشرة بعد الهجرة، وفي أثناء عودة المسلمين من المدينة المنورة، توقف في مكان يدعى غدير خم، وهناك رفع يد علي وخاطب جموع المسلمين وقال “من كنت مولاه فعلي مولاه، اللهم وال من والاه، وعاد من عاداه”، وقد فسّر الشيعة تلك الخطبة، بأنها إقرار واضح من “النبي” بخلافة علي، أما السنّة فيقولون إنها إقرار من “الرسول” بفضائل علي، لا بخلافته.

هذا ما دوّنه الرواة في كتب وُضعت بعد مئات السنين من وفاة “الرسول”، والناس تتداول ما قيل وما جرى، كأنها حوادث وقعت البارحة! أين الحقيقة إذاً؟ لا أحد يعرف! ليس هناك نص مكتوب موثّق يعود إلى تلك الفترة. ما الصواب إذاً، أن نركن إلى حوادث وأحاديث مختلفة وغير موثّقة على الإطلاق، أم نقول إن ليس في الإسلام دولة ولا خلافة؟ القرآن لا يشير إلى دولة ولا إلى خلافة، ولا إلى حكم جمهوري أو أميري، أو ملكي، أو مستبد، ولا يرسم آليات للحكم بالمعنى السياسي للكلمة، بل ترك الأمر شورى بين المسلمين، ومن حسن الطالع أنه تركه شورى، ليتسنى للناس اختيار النظام الذي يرتأون!

أيّ عاقل يتدبّر القرآن والسيرة، سيراوده الشك في أمر البيعة، وفي مسألة الخلافة، ومن الخير ومصلحة الإسلام والمسلمين أن يشكّوا في أمرها، ولا يعتبروها ركناً من عمارة الإيمان، وحكم الخلفاء الأربعة إن حدث كما قيل في الكتب، كان حكماً استثنائياً فرضته ظروف ذلك الزمن، ولا يصح أن يتردد، لأنه بعيد عن الإسلام الصحيح، ولا يصح بمعايير عصرنا الحاضر، الذي يتطلب الاستفتاء العام. ثم إن مشكلة الخلافة أوجدت سنّة وشيعة، وأحدثت انقساماً “سياسيا” لا تزال الفرق “الإسلامية” تعانيه حتى اليوم، وهذا ما يفرض عدم الأخذ بها. أما السبب الآخر الذي يجعلنا نرفض الخلافة، ونعتبرها خروجاً على أحكام القرآن، فهو حاجتنا الماسة إلى بناء الدولة المدنية التي لا خلاص للبنان، والعالم العربي إلا بها، وهي للمؤمنين، أقرب إلى “الله” والقرآن، من أي خلافة، أو دولة دينية أو دولة مذهبية.

من الخير أن نشكّ في الحوادث والأحاديث المدونة في السيرة، والمسيئة للرسول والإسلام، ومنها المتصل بزواجه وحياته الشخصية. من منا يستطيع أن يثبت أن الرسول خطب عائشة وهي بنت ست سنين، ودخل عليها، أو بان بها وهي بنت تسع سنين؟! هل تدخل هذه القصة في العقل؟ من منا يستطيع أيضاً أن يثبت أن معركة الجمل بين علي وعائشة وقعت فعلاً! إذا قال قائل “على رسلك يا رجل، أنت تلغي التاريخ”! فسأجيب: نعم، يطيب لي أن أشك في قصص تغض من الرسول ومن علي ومن عائشة، وتناقلتها الكتب بألوان مختلفة، ولا أحد يعرف الصحيح منها وغير الصحيح ولا شيء حولها موثّق! أريد أن أدفع عن التراث، ليبرأ من شوائب الوضع المكذوب الذي يثير الفتن والضغائن والأحقاد. أريد أن أدفع عن رسول الإسلام، وأقول إنه لم يتزوج عائشة الطفلة، ولم يوص لأحد، وإن واقعة الجمل لم تحدث، وإن الهدف من ذكرها بثّ الفرقة بين المسلمين، لينقسموا سنّة وشيعة، ولتقوم الحروب بينهم إلى أجل غير مسمّى! حروب تدكّ ديارهم وديار آبائهم وأجدادهم هذه الأيام، فيما الصهاينة يريقون مزيداً من دماء الفسطينيين، ويغتصبون مزيداً من أرض فلسطين التاريخية، متسلحين بخرافة اسمها أرض الوعد، وأحد عتاتهم (برنارد لويس) يجرّد العرب من أي روح وطنية وقومية، ويزعم أنهم (أي العرب)، لم يعرفوا في تاريخهم ولاءً إلا للدين أو القبيلة!

لا أريد أن أرى “شيعياً” يجلّ علياً، ويحطّ من قدر عمر وعثمان وأبي بكر، ويتكلم عن الخلافة كأنه حضر اجتماع السقيفة، وكان شاهداً على الحوادث! لا أريد أن أرى “سنّيا” أورثته بيئته عصبية مماثلة، يكفّر الشيعة ويقول فيهم الأقاويل. أريد أن أسمع أن “شيعيا” سمّى ابنته عائشة، وآخر سمّى ابنه عمر أو عثمان، علماً بأن هذه الأسماء ليست إسلامية، بل عربية كانت قبل الإسلام! في كتب السيرة بحر، بل بحور من الأحاديث والقصص، يسهل على كل من يريد تشويه هذا الدين، وخدش صورة رسوله أن يلجأ إليها، وحتى إلى أهم كتابين منها، عنيت بهما، “صحيح مسلم” و”صحيح البخاري”.

■■■

إذا أردتني أيها القارئ الكريم، أن آخذ بالسيرة (من غير غربلة)، فسأقول لك إن ما جاء في قصة الغرانيق صحيح، وإن الشيطان دخل على الخط ساعة كان الرسول يقرأ سورة النجم ويتلقى الوحي من السماء، وسوف أقول لك أيضاً إن “النبي” قال “رزقي على رمحي”، كا جاء في “صحيح البخاري”، وأنه بان بعائشة وهي بنت تسع سنين، كما جاء في “صحيح مسلم”، وإنه صعد مرة إلى الجبل وكاد أن ينتحر، وإنه تحدث بالعربية مع حماره يعفور، وكانت لديه قدرة جنسية تعادل قدرة أربعة آلاف رجل! أهذا ما تريد أن تسمعه عن الإسلام، ورسول الإسلام، أيها القارئ الكريم، وهو مدوّن في بطون الكتب؟ أتريدنا أن نورث أبناءنا قصصاً غريبة تشيب لها الرؤوس، منها أن صحابة الرسول كانوا يتبركون ببوله، وأن “النبي” في إحدى الليالي بال في فخارة ونام، ثم جاءت إمرأة اسمها أم أيمن، أرادت أن تتبرك ببوله، وكانت عطشانة، فشربت ما في الفخارة، فلما أفاق “النبي” من نومه، قال لها “يا أم أيمن، قومي أهرقي تلك الفخارة”، فقالت له والله قد شربت ما فيها، فضحك الرسول حتى بانت نواجذه (أي أضراس العقل) وقال لها “لن تلج النار بطنك”!

كثيرون من عرب وغير عرب، قرأوا هذه القصص وأشباه هذه القصص، منهم من اشمأز، ومنهم من اتخذها ولا يزال حجة للتعريض بالإسلام. أما أنا فلا أشمئز لأن مؤرخاً أخطأ، أو فقيهاً كانت له “غاية في نفس يعقوب قضاها”، لأني لا أعتدّ بكثير مما جاء في كتب السيرة، ولا أتناول القرآن كما يتناوله المتزمتون، أو كما يرعى الجمل الأعور الأشواك، بل أنظر فيه نظرة المؤمن (غير المتدين) الذي يتصالح به مع نفسه ومع الناس، بمن فيهم اليهود والملحدون. أقرأه كما كان يقرأه عبد الله العلايلي، واتخذ منه آية كان ذلك الشيخ الراحل الجليل اتخذها مرشداً له في العمل والحياة:” قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة”.

هل تعرف أيها القارئ الكريم أن بعض الدارسين من يشك في وليم شكسبير، ويعتبره شخصية خرافية، ويعتبر الأعمال الشعرية والمسرحية المنسوبة إليه، سرقة مفضوحة من مصادر لاتينية وجرمانية، ومن نتاج شعراء عاشوا في عصر الملكة اليصابات الأولى المهيب، وتهيبوا، وكتبوا بأسماء مستعارة؟ شكسبير “هذا العظيم”، كما جاء في الكتب، ولد في بلدة اسمها ستراتفورد في إنكلترا، وما نعرفه عنه غير مؤكد، حتى الصور الزيتية عنه غير موحدة، والصورة الشائعة “الثابتة” عنه ليست ثابتة. هذا عن شاعر تقول الكتب إنه عاش قبل 500 سنة، في بلد لا يهمل شيئاً، بل يحفظه ويحافظ عليه، أتريد بعد ذلك أن تركن إلى روايات وضعت قبل ألف سنة وأكثر، في صحراء العرب، ومحيط صحراء العرب، ومعظمها، أو كلها، كُتب بطريق “العنعنة”، والخلاف حولها يهرق في هذه الايام أنهاراً من الدم؟!

■■■

مهما يكن من أمر الأديان وتاريخها، وما يكتنفها من غموض وفروقات، المهم هو الجوهر، وهذا ماثل في القرآن والأناجيل، وباقي “الكتب المقدسة” خير تمثيل، وحين يصبح “المسلمون” مسلمين حقيقيين، لن يحتاجوا بعدها إلى فرض دينهم على الآخرين، ولن يحتاج مسلم مؤمن، إلى التخلي عن إيمانه ليدخل في المسيحية، أو يحتاج مسيحي مؤمن، إلى التخلي عن إيمانه ليدخل في الإسلام. أذكر في هذه المقام كلاماً حدّثني به صديق لي من رجال الأعمال المسيحيين المخلصين، مفاده أن أحد “المسلمين” جاءه مرة وقال له، بشيء من المحاباة والتزلف، إنه يفكر في هجر الإسلام، والدخول في المسيحية، فأجابه الصديق المجرّب، العارف دخيلة محدثه: “خير لك أن تقابل ربّك مسلماً سويّاً، من أن تقابله مسيحياً منافقاً”! أذكر في هذا المقام أيضاَ العظة العظيمة التي ألقاها الإمام موسى الصدر منتصف السبعينات، في كاتدرائية مار لويس اللاتينية للآباء الكبوشيين في بيروت، وقوله فيها: “كانت الأديان واحدة، حيث كانت في خدمة الهدف الواحد: دعوة إلى الله وخدمة الإنسان، وهما وجهان لحقيقة واحدة. ثم اختلفت، عندما اتجهت إلى خدمة نفسها، ثم تعاظم اهتمامها بنفسها، حتى كادت أن تنسى الغاية، فتعاظم الخلاف واشتد، وازدادت محنة الإنسان وآلامه”.

مهما يكن، هناك أمر يجب أن يكون واضحاً لدى العلمانيين، والملحدين والمشككين، أنه مهما اختلفت آراؤنا في “الكتب المقدسة”، وتباينت حول إنسان أو “نبي” أو “ربّ” ظهر في التاريخ اسمه “يسوع”، أو إنسان أو “نبي” اسمه محمد، ولد وعاش في بلاد العرب وتلقى الوحي من السماء، أرى التجديف على الكتب، والقول للناس في المجالس، وعلى صفحات الصحف، إن كتابكم سيئ هو عمل غير أخلاقي. الناس يختلفون بحسب خلفياتهم، وكل عالم أو مثقف، درس الفلسفة والعلوم، وأوصلته علومه وتأملاته إلى اللاأدرية Agnosticism أو الإلحاد، يختلف عن مواطن ولد في قرية نائية، ولم تسعفه الظروف ليدخل كلية أو جامعة، ليقرأ كتاباً مثل “رأس المال” لكارل ماركس، وكتاباً آخر مثل “أصل الأنواع” لتشارلز داروين، أو كتاباً في الإلحاد مثل “لماذا لستُ مسيحياً” لبرتراند راسل، بل اختلف إلى مدرسة ابتدائية، وعاش حياته يفك حروف القرآن، أو الإنجيل، أو التوراة، أو “كتاب الحكمة”، أو كتاب الصابئة “كنزاربا”. المقصد من الكلام، أنه مهما فعلنا، كعلماء وأهل فكر ومعرفة، لن يكون في مقدورنا إخراج الآيات من وجدان الناس، والحكم الشيوعي الذي دام سبعين عاماً خير دليل. آيات القرآن، وأقوال “المسيح” في الأناجيل، وأسفار التوراة، وأناشيد “داود النبي” وآيات “كتاب الحكمة” مغروزة في صدور البشر منذ مئات السنين. هي تراث البشرية، ومن الخير أن تبقى، شرط أن لا تؤثر في الجوهر، وتغدو عقيدة ذاتية جامدة، تهدد النسيج الاجتماعي والروحي وأواصر التعارف بين الناس، وتتحول إلى عصبية هوجاء، ينشرها الغلاة في القرى والدساكر والأقاليم، كما النار في الهشيم.

لن ينفع التجديف على “الكتب المقدسة”، وسياسة تسفيه معتقدات الآخرين. كان جدّي أمياً، وكذلك كانت جدّتي، كذلك كان أبي وكانت أمي، ولا أذكر أن “الله” غاب عن بيتنا يوماً، بل بقي اسمه يتردد صبحاً ومساءَ، فمن أنا القادم من الغرب العلماني لأكرز بينهم بفكر جديد، وأقول لهم إنكم على خطأ، وإن ما تؤمنون به خرافة لا تصمد في وجه العلم؟! لا أحد في العالم يحق له أن يصادر الحقيقة مهما كانت جلية، وكما أن المعرفة حقيقة، كذلك هو الجهل، إنه قائم وظاهر أمام كل عين! لا يكفي على سبيل المثل، أن نلوم “الدواعش” ونحاربهم! هم مجرمون وسفاحون وقتلة بمقاييس العدل والرحمة، لكنهم، من وجهة نظر فلسفية واجتماعية، مساكين وأبرياء وضحايا، كما الضحايا الذين يموتون بنيرانهم وحرابهم. علينا أن نفهم الظروف التي تدفع “داعشياً” في مقتبل العمر، ليفجر نفسه في بيروت أو باريس. هو يبيد نفسه قبل أن يبيد الآخرين. نلومه بالطبع، لا نترحم عليه ونسجنه مدى الحياة إن بقي حياً، لكن هذا لا يكفي. وكما أنه لا يكفي أن ندين المحشش، من غير أن ندين تاجر الحشيشة، لا يكفي أن نلوم “الداعشي”، من غير أن نلوم الذين هيأوا الظروف التي جعلته “داعشياً”: أصحاب العصبيات الدينية المغايرة، سنّية وشيعية، وأنظمة الدول التي تفيأت بظلها هذه العصبيات، والدول الاستعمارية، والعربية وغير العربية، التي تذكي نار الفتن، وتقدم المال والعتاد والأسلحة.

لو كانت الدول العربية مدنية، هل كنا شهدنا هذه المظاهر وهذه الآثام؟ هل كنا شهدنا هذه المؤسسات الدينية تتصارع باسم “الله”، وهذه الأنظمة العربية الفاسدة، ومنها نظامنا الإقطاعي العنصري الذي يقسّم البلد مذهبياً، ويتعامل مع المواطنين على أسس طائفية، لا نظير لها حتى في عقائد القرون الوسطى؟ على الأحرار في لبنان إذاً، من مسلمين ومسيحيين حقيقيين، ورجال الدين الأتقياء الورعين، والعلمانيين والمثقفين، ودعاة المجتمع المدني، أن لا يعوّلوا على أحد من أهل السياسة في بناء الدولة المدنية. في كتابه “روح القوانين” يضع مونتسكيو، أحد أكبر فلاسفة التنوير، وأكبر كاره للأصولية الدينية في تاريخ فرنسا، أسس الجمهورية، ويقول ما معناه إننا لا نستطيع أن نبني قبل أن نهدم، ولا أن نركّب قبل أن نفكّك، لذلك فإن هدم النظام الإقطاعي الطائفي القائم في لبنان، شرط أساسي لبناء الدولة المدنية، والتخلص من آفة “الإنفصام الخلقي والروحي والوطني” التي يعانيها اللبناني منذ أن يولد إلى أن يموت. هذه الدولة لن تكون حلاً لهذا الوطن المعذب بتاريخه وجغرافيته وحكّامه فحسب، بل ستكون أيضاً نبراساً تستنير به الشعوب المجاورة، وخشبة الخلاص الوحيدة في بحر هذا الشرق المتلاطمة أمواجه.

■■■

لن يكون التديّن حلا لمشكلات البشر، خصوصاً حيث تتعدد الأديان والمذاهب، كما في الشرق، وفي لبنان بنوع خاص. ما يجمع البشر، وما هو أدنى إلى “الله”، الدولة المدنية التي هي دولة التعارف، ودولة الإيمان أي “دولة الله”. هكذا سمّيتها في الرسالة التي وجهتها العام الماضي عبر “ملحق النهار”، إلى السيد حسن نصر الله، وبوحي من شعور لا يعرف التديّن، ولا يعتدّ بغير الإيمان طريقاً، كتبت أيضاَ رسالة إلى “مسيحيي” لبنان للعمل على إقامة دولة مدنية، كحل لا حل غيره لهذا الوطن الصغير المعقد والمعذّب. بوحي من هذا الشعور ذاته أيضاً، أوجه هذه الرسالة إليكم يا “مسلمي” لبنان، لأقول إن لا تناقض بين الدولة المدنية والقرآن، وأن في ظلال هذه الدولة وحدها تنمو براعم إسلام صحيح، تصونه القوانين المدنية العامة، قوانين التعارف التي يوصي بها القرآن.

قد يكون من الحكمة أن أذكّركم أيها القراء الكرام، بمجتهد مجدد، أحسبكم قرأتموه أو سمعتم به، هو الشيخ الإمام محمد عبده (توفي في العام 1905)، مفتي الديار المصرية، ورائد حركة الإصلاح الديني في مصر. أنقل إليكم كلاماً قاله عند عودته إلى مصر، بعد رحلة طويلة إلى أوروبا: “ذهبت إلى الغرب فوجدت إسلاماً ولم أجد مسلمين، وعدت إلى الشرق فوجدت مسلمين ولم أجد إسلاماً”! قال الشيخ الإمام هذا الكلام بعدما وجد أن الإسلام الذي حلم به، لم يكن في مصر، ولا في أي دولة من دول العالم العربي، أو “الإسلامي”، بل في ظلال الدولة المدنية التي عاينها في أوروبا. لم يكتف الإمام العاقل الحكيم بذلك، بل ذهب إلى الأبعد، وانتقد الغلاة من الأزهريين وغير الأزهريين، وقال قولته الأخرى الشهيرة: “هو دين أردت إصلاحه، وأحاذر عليه من اصحاب العمائم”!

الدولة المدنية لا تلغي الدين من الحياة، ففي الولايات المتحدة لا يزال اسم “الله” مطبوعاً على ورقة النقد الأميركية، وفي بلاد مدنية علمانية عظيمة مثل بريطانيا لا تزال الملكة رأس الكنيسة، ولا يزال الدين أحد أعمدة الحكم، ومادة تدرّس في المدارس، ولا تزال القوانين تحمي ما هو “مقدس”، وتعاقب امرءا يعيّر آخر بدينه، أو بعرقه، أو بلونه، ولا تزال القوانين تمنع افتتاح حانة للشرب، أو نادياً للقمار بالقرب من مدرسة أو معبد، وتمنع بيع التبغ والمشروبات الروحية، لمن هم دون الثامنة عشرة، ومحظورات كثيرة لا مجال لذكرها هنا.

قد تتساءل أيها القارئ الكريم أيضاَ عن الدافع وراء هذه الرسالة، ولماذا أوجهها إلى “مسلمي” لبنان؟ الجواب نابع من محنة شخصية وعامة, فقد ولدت في بيت كان البيت “الشيعي” الوحيد، في حي من أحياء بيروت “السنّية”، وكانت مدرستي الأولى مقاصدية تأخذ بالمذهب السنّي، لكنني لا أذكر في حياتي كلها أن كانت هناك عداوة بين السنّة والشيعة، كما هي الحال في هذه الأيام. لا أظنّها كانت أيضاَ، كما هي اليوم بين سنّة العراق وشيعته، وبين سنّة سوريا وعلوييها، وبين الغلاة من “المسلمين”، وأخوانهم في الدين، ولا بينهم وبين “المسيحيين”، ولا بين الحوثيين وغير الحوثيين. كثيراً ما فكرت وأنا في الاغتراب: لماذا لا يحترب المنتمون إلى المدارس والطوائف “المسيحية”، من كاثوليك وبروتستانت وأرثوذكس وغيرهم، كما يحترب السنّة والشيعة، علماً بأن الفوارق “الدينية” بين المدارس والطوائف “المسيحية”، أكبر بكثير مما هي بين السنّة والشيعة، وهي تتباين حتى حول أمور تتعلق بطبيعة “المسيح”؟! لقد اختلفت الطوائف “المسيحية” في ما بينها في الماضي، وأشعلت حروباً دامت سنين طويلة، ولم تتوقف إلا عندما قامت الدول المدنية، أفلا يجدر بنا أن نتعلم من تجارب الآخرين، بدلاً من أن نحرق الأخضر واليابس لنتعلم الدرس؟! كثيراً ما تساءلت أيضاً، عن الحل الذي يمكن أن يوقف هذا الصراع، الذي بدأ يدمي جسد العرب والعروبة، ويكاد يدمي جسد لبنان، ونسيجه الوطني والاجتماعي، فلم أجده إلا في جواب يعرفه القاصي والداني من المتنورين، أي في الدولة المدنية.

نظرت من حولي في لندن حيث أعيش، في أوروبا حيث أتجول، فوجدت الملايين من “المسلمين” يمارسون طقوسهم وعباداتهم، ولم يحدث أن توترت العلاقة بينهم وبين أهل البلاد، إلا عندما تحزبت فئات قليلة منهم، نتيجة رياح دينية ومذهبية، هبّت عليهم من الشرق “الإسلامي”، فأفسدت حياتهم، ووتّرت العلاقة بينهم وبين مواطني بلاد يعيشون فيها وينعمون بخيراتها. غير أن السؤال الأساس، الذي يقض المضاجع، بقي ماثلاً: هل تخالف الدولة المدنية روح القرآن؟ هل يمكن القرآن والدولة المدنية أن يتعايشا؟

ذكّرني التساؤل بطه حسين، في مقدمة كتابه عن المتنبي. كان عميد الأدب يهمّ بالسفر إلى جنوب فرنسا لتمضية الصيف رفقة أولاده، وزوجته الفرنسية سوزان، ومعاون له كان يعتمد على نظره في القراءة. أراد عميد الأدب أن تكون رحلته فرصة يبتهلها لوضع كتاب عن المتنبي. سأله المعاون وهم يعدّون العدّة للسفر، ما إذا كان يريد بعض المراجع، وبعض كتب النقد والشروح، فأجابه الأديب الكفيف النظر البصير الرؤية: أريدك أن تحمل كتاباً واحداً لا غير، هو ديوان المتنبي، لأني أريد التعرف إلى الشاعر من خلال ديوانه، لا من خلال ما قال الناس عنه وما كتبوا. هكذا ظهر كتاب “مع المتنبي”، أحسن ما ألّف عن شاعر العرب الأكبر حتى الآن!

فكرت في عميد الأدب وكلامه في ذلك التصدير، وقلت في نفسي: سأبدأ بالقرآن، بالقرآن وحده، لأنه النبع، ولأنه المصدر، ولأنه الكتاب الوحيد المجمع عليه بين “المسلمين”. قدرت أني ما إن أفرغ من المصحف، حتى أفتح بعدها عيني وأذني لأقوال المفسرين والشرّاح. أردت أن أعرف ما إذا كان في القرآن إشارة إلى خلافة أو دولة دينية. نظرت وأنعمت النظر، فلم أجد علامة واحدة تدل على هذه الدولة المزعومة، أو هذه الخلافة التي تتمنطق هذه الأيام بالسكاكين والبارود، وتضم تحت راياتها، عشرات الآلاف من الشباب الهائج، وتدغدغ أحلام الملايين من المحسوبين على الإسلام.

لم أجد في الكتاب نظاماً للحكم. وجدت أننا متى تدبرنا الآيات بروية، وقلب سليم، سندرك أن “القرآن” كتاب يمكن أن يصلح لكل مكان وفي كل زمان، وأن حدود “الله” التي يطلب القرآن من المؤمنين أن لا يتعدّوها، لا تتعارض مع الدولة المدنية، بل تتعارض مع الدولة الدينية، التي يريدها المتزمتون، والمتاجرون بالأديان. هؤلاء يأخذون بشرعية الخلافة استناداً إلى آية تقول “فاحكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم عما جاءك من الحق”. هذه الآية موجهة إلى “الرسول”، وإلى “الرسول” وحده. ثم من قال إن الدولة المدنية لا تحكم بما أنزل “الله”؟ أليست هي دولة الإيمان التي يشعر فيها المواطنون جميعهم بالأمان والعدل والمساواة وحرية الاعتقاد؟ اليس هذا ما يريده “الله” لعباده؟! هناك عشرات التجارب في التاريخ المعاصر على “صحة” هذه الدولة كدولة للإنسان، وليست هناك تجربة واحدة “ناجحة” على صحة الدولة الدينية، لا في هذا العصر، ولا في أي مرحلة من مراحل التاريخ. من ثمّ، هل كانت الدول التي سمِّيت إسلامية، دول عدل وحرية ومساواة، كما الدول المدنية الآن؟!

يستدل القائلون بشرعية الخلافة على آية تقول: “يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم”. يتخذونها حجة ليقيموا دولة الخلافة ليكونوا هم أصحاب كراسيها ومقاليدها، في الوقت الذي يجب أن يكونوا أول من يطيع الله! هل تعني هذه الآية خلافة فعلاً؟ هي تشير إلى طاعة الله والرسول وأولي الأمر، لا إلى خلافة أو إلى أي آلية من آليات الحكم. إن طاعة “الله الحي القيوم” هنا واضحة لا جدال فيها، وأما “الرسول” فقد توفي، ولم يبق لنا إلا أولو الأمر، فمن هم أولو الأمر هؤلاء الملتزمون شرع الله، الذين يريدنا، أصحاب نظرية الخلافة، أن نطيعهم؟ هل هم موجودون فعلاً، وأين؟ هل هم أصحاب خلطة الدين بالسياسة، الذين يسيئون إلى الدين وإلى السياسة؟ هل هم أصحاب الأوقاف “الذين يشترون بآيات الله ثمناً قليلاً” كما جاء في القرآن، أم أولو الأمر من أصحاب الفتاوى، الذين يظهرون على “الفضائيات”، ويخرجون بأقوال واجتهادات يتخذها “جند الله” حجة لقتل الأبرياء، وقطع رؤوس من لا يدينون بدينهم؟!

حين لا يجد أصحاب نظرية الخلافة “الدليل القاطع” على خلافة، أو دولة دينية في القرآن، يلجأون إلى كتب السيرة والحديث، هكذا تصير كتب مثل “صحيح البخاري”، و”صحيح مسلم” سنداً “أوفى” عندهم من القرآن! أما نحن “أصحاب نظرية الدولة المدنية”، فلا كتاب في الدين عندنا، نأخذه مرجعاً وسنداً إلا القرآن (والحمد لله)، لأنه منارة الإيمان الوحيدة على طريق الإسلام، ولأنه الكتاب الوحيد المجمع عليه بين المسلمين، ولأن الدولة الدينية، مسألة لا إجماع عليها بين “المسلمين”، وكلٌّ يبتغيها على قياسه. فبينما يريد السنّة أن يسمى قائدها أو رئيسها “خليفة”، يريد الشيعة أن يكون “إماما”، هذا في رأس الهرم، فما بالك بالفروع؟!

لهذا كله، فعلتُ ما فعل طه حسين. اكتفيت بالقرآن، وبالقرآن وحده، لتأكيد الحجة. لم آخذ برأي فقهاء يفسرون الآيات وفق مزاجهم ومصالحهم، ويختلفون في ما بينهم، ولا يجمعون على رأي! لم آخذ بالسيرة لأنها مشوشة، ولا أساس تاريخياً لكثير مما جاء فيها من أخبار وأحاديث وروايات. أخذت بالقران وبالقرآن وحده، لأن فيه آية تقول “إن الله غني عن العالمين”، ولأن “الله” في القرآن يوصي بأن يكون التعبد إيمانياً، لا تديّناَ أعمى. هكذا يجب أن يُفهم الإسلام ويُعرض، شريعة يتصالح المسلم بها مع نفسه ومع بني جنسه، بغض النظر عن أعراقهم وألوانهم وانتماءاتهم الروحية، ولا يكفّر أحداً من الناس، لأن عند “الله” وحده يكون الحساب. لأجل ذلك كله، أوجّه هذه الرسالة إليكم يا “مسلمي” لبنان. أكتبها بنية صافية سليمة لا تشوبها شائبة، ولا ترمي إلا إلى الخير، فالأعمال بالنيات، ولكل امرئ ما نوى. أدعوكم إلى أن تشاركوا أخوانكم المسيحيين في بناء الدولة المدنية، لأنها كما هي دولة القرآن، هي أيضاً دولة الأناجيل، والدولة الوحيدة التي تصون الرسالات الروحية من عبث المنافقين والمتاجرين من أهل السياسة وأهل الدين!

■■■

من المتشدّدين من يرى في كلمة “خليفة” الواردة في القرآن حجة لتأسيس دولة الخلافة. هذه الكلمة لم ترد في الكتاب إلا في سورتين، الأولى في سورة البقرة، وتعني البشر أجمعين، “وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبّح بحمدك ونقّدس لك قال إني أعلم ما لا تعلمون”، وفي المرة الثانية في سورة “صاد”، وفيها وعد من “الله” إلى داوود “النبي”: “يا داوود إنا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين الناس بالحق ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله إن الذين يضلون عن سبيل الله لهم عذاب شديد بما نسوا يوم الحساب”. يستدل من الكلام هنا أن كلمة خليفة تعني “رسول”، أي أن “الله” جعل داوود رسولاً، وهي خاصة بداوود وعلاقته بشعبه وزمانه على أي حال، ولا علاقة لها بالعرب، ولا بالمسلمين!

سيقول قائل: ماذا عن الزواج ماذا عن الطلاق ماذا عن الإرث، وغيرها من تعاليم هي أساس الشريعة؟ ما المشكلة إذا قلنا إن “حدود الله” هنا أرضية، كان لا بد منها في أزمنة محددة، وإنه ما دام الزمن قد تغير، فلا ضير أن نتجاوزها إذا كان هذا التجاوز، لا يعني خروجاً على جواهر الإيمان؟ إذا كان “الله” يريد بنا اليسر ولا يريد بنا العسر، ألا يعني ذلك أن من حقنا أن نجتهد، ونضع القوانين التي تناسب عيشنا، ما دمنا ملتزمين روح الكتاب في الخير والصدق والتسامح والرحمة والمحبة، وما دام الحاكم يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر؟! “الله غني عن العالمين”، هكذا يقول الكتاب، وإن نحن تعبّدنا ووضعنا ما يناسبنا من قوانين، فذلك لأجلنا، لا لأجل “الله” الغني عنا، وعن العالمين.

قد يقول قائل إن القرآن نمط حياة، وإن ما فيه شريعة لا تقبل التبديل والتعديل، وإن القوانين المدنية لا تتوافق مع القوانين الإلهية، الصالحة لكل زمان ومكان. لست فقيها، ولن أذهب مذهب الفقهاء، ولست مؤهلاً لأعتمر عمامة أحد منهم ولا أريد، لكن أقول إن التفسير ليس وقفاً عليهم وحدهم. أعمل عقلي في ما هو أمامي وأقول، إن الدولة المدنية ليست خروجاً على الإسلام، بل هي الدولة الوحيدة التي تجعل المسلم يخاف “الله”، ويؤاخي المسيحي واليهودي والبوذي والملحد، وفي القرآن آية جلية واضحة تسند هذا الرأي: “يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم”.

القرآن هنا يقول لنا إن التقوى عند “الله” تحتّم علينا التعارف مع القبائل والشعوب، وهؤلاء لا بد أن يكونوا مختلفين عنا حتماً، لأننا لو كنا شعباَ واحداً متجانساً، ولساناً واحداً، لما أوصانا القرآن بالتعارف، وخصوصا أن فيه آية تقول: “ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة”. هنا لا بد للعاقل أن يتساءل: هل هناك شريعة أفضل من هذه الشريعة التي جاءت من بلاد العرب قبل مئات السنين، وقبل أن يسمع العالم بشيء اسمه شرعة حقوق الإنسان، ويضع المبادئ التي مهدت لتأسيس عصبة الأمم المتحدة؟

يقول القرآن “لا إكراه في الدين”، ويقول للمسلمين أمركم شورى، وإذا اتفق أن وجد الناس الدولة المدنية خير سبيل إلى هذا التعارف وإلى هذه التقوى، فهل تكون هذه التقوى عندئذ خروجاُ على الإسلام، أم تكون من صلبه؟ الدولة المدنية ليست فكراً مستورداً، هي من صلب الإيمان القرآني. أما الذين يظنون أن الخلافة مدينة فاضلة فواهمون، وكلنا يعرف أن الدول التي نشأت في الشرق، وحُسبت على الإسلام قامت بحد السيف والغدر والقتل، وما نقلته كتب التاريخ في هذا الشأن واضح! أما المدينة الفاضلة، التي حكى عنها فلاسفة الإغريق، فهي في الأحلام، ولن توجد في الحياة الواقعة ولو بعد ملايين السنين، لأنها منافية للطبيعة البشرية القائمة على التضاد، وعلى ثنائية الخير والشر، ولأن هذا العالم سيبقى دوماً عالم لصوص وكذبة وأفّاقين ومجرمين وأوغاد كما قال فاغنر، ولقد أوضح القرآن هذه الطبيعة الخيرة الشريرة قبل أن يولد فاغنر بقرون. أوضحها في آية تقول: “ونفس وما سوّاها فألهمها فجورها وتقواها”. أما رافضو الدولة المدنية بحجة أنها خطر على المجتمع، ودولة فسق ومجون، فيجب أن لا يغيب عن بالهم أن دولتهم البديلة، الدولة الدينية، ستقضي على العقل إن قامت، وستكون عنصرية لا محالة، وستشعل الضغائن والفتن والحروب، خصوصاً متى ولدت في منطقة تكثر فيها الأديان والمذاهب، وهي لن تدوم على أي حال، لسبب بسيط، أنها مخالفة لروح القرآن!

قد يقول قائل إن الخلافات ستبقى قائمة إذا استبدلنا الحدود القرآنية بقوانين مدنية. أبحث في القرآن فأجد كلاماً لا مثيل له في أي كتاب سموي وغير سموي. آية يمكن أن تكون دستوراً للأمم: “إلى الله مرجعكم جميعاَ فينبّئكم بما كنتم فيه تختلفون”، معناها أن “الله” وحده يبّت الخلافات بين البشر، ولا يحق لغير “الله” أن يفعل ذلك! هل قرأ الداعشيون، والأخوة “المسلمون” من جميع الطوائف والمذاهب، هذه الآية المرددة في غير سورة من سور القرآن؟ أظنهم قرأوها غير مرة، لكن هل فهموها حق الفهم؟ لو فهموها لما تجرأ أحد منهم، على الأخذ بالسيف، ليفرض معتقده على الآخرين.

أعطي بعض الأمثلة التي تجعلنا نقرّ بأن بعض ما جاء من أحكام قرآنية كانت لزمن محدد، مثل الآية التي تقضي بقطع يد السارق. هل يعقل مثلاً أن ننفذ حكماً من هذا النوع في زمننا الحاضر، مع معرفة ما يمكن أن يترتب على هذا الحكم من نتائج، تتحملها دائرة الرعاية الاجتماعية، لتنفق على من قُطعت يده؟

مثل آخر: تقول آية في سورة النساء: “ومن قتل مؤمناً خطأ فتحرير رقبة مؤمنة أو ديّة إلى أهله”. ألا تعني جملة “تحرير رقبة” أنها لزمن محدد كان فيه رق وكان فيه عبيد؟ ثم إن قيمة الديّة غير محددة، وقيمتها قبل 1400 سنة غير قيمتها الآن. كذلك، هل يعقل اليوم أن يتزوج رجل أربع نساء، وأن يبقى التناسل كما هو ولا يتحدد، فيما أعداد “المسلمين” في العالم تزداد على نحو مخيف، ومعها نسب الأمية والبطالة والمرض بينهم، لا لشيء إلا لأن القرآن لم يحدد النسل؟! هذا ما يراه بعض “الفقهاء” النجباء الذين يعارضون تحديد النسل، ويبررون الزواج من قاصرات، ونكح اليتامى اللاتي لم يبلغن بعد، أو يحضن بعد.

الآيات القرآنية عند بعض الفقهاء تبيح هذا الزواج، لكن أي عاقل يتدبر الكتاب، سيدرك أنها كانت، استناداً إلى ما تقدم ذكره، تعليمات لزمن محدد، وكان هناك ما يبررها، إذا وقفنا على أحوال الأعراب قبل الإسلام، وما كانوا عليه من تخلف، وحاجتهم الماسة إلى قوانين وإرشادات تخفف من حدة حياتهم البدوية الجافة. لقد منعت دولة مثل مصر الزواج من القاصرات، فهل يعني ذلك أن الدولة العربية الكبرى، التي فيها الجامع الأزهر، وجامع “سيدنا الحسين” خالفت القرآن؟! القرآن لا يتساهل في “العبادات”، لكنه يتساهل في “المعاملات” إذا كان ذلك من ضرورات الزمن وأحكامه. هذا عند العقول النيّرة، لكنه ليس كذلك من منظور الذين “لا” يتسع القرآن عندهم إلا لدماغ واحد: الساعون في الظلم، الظلاميون الكارهون للنور، الذين لا يريدون لشمس الحياة أن تسطع.

مثل آخر يتصل بموقف القرآن من اليهود والنصارى. من يقرأ الكتاب قراءة سريعة، سيعتبره كتاباَ عنصرياً، لأن فيه آية عن اليهود تقول: “لتجدن أشد الناس عداوة للذين آمنوا اليهود والذين أشركوا”. هذه الآية خير دليل على أن بعض ما جاء في القرآن من أحكام، هو لزمن محدد. القرآن لا يمكن أن يكون ضد اليهود في المطلق، بل ضد يهود قدامى خالفوا شريعة “موسى والأنبياء” يوم ظهور الإسلام. الشيء نفسه يمكن أن يقال عن المسيحيين، الذين يسمّيهم القرآن نصارى. تقول الآية لرسول الإسلام “لن ترضى عنك اليهود والنصارى حتى تتبع ملّتهم”. هذه الآية لا يمكن أن تكون ضد اليهود والمسيحيين على العموم، بل ضد المتزمتين من “النصارى واليهود”، الذين لا يرضون عن المسلم حتى يتبع ملّتهم، كما “المسلم” المتزمت، لا يرضى عن المسيحي واليهودي حتى يتبعا ملّته. قد أبدو هنا كأنني أقوم بـ”جراحة تجميلية” للقرآن، لكني لا أجد تفسيراً لهذه الآيات القرانية “المثيرة للجدل” في أذهان بعض الناس، ولا أريد أن أجد لها تفسيراً إلا في ضوء مصباح يقضي بقراءة إيمانية غير حرفية للآيات، وإلا وقعنا في حبائل المتزمّتين، وتفاسيرهم الضيقة، التي توسّع هوة الخلاف بينهم، وبين أتباع العقائد الروحية الأخرى، وتجر بلادنا وأجيالنا إلى الوراء.

مهما يكن، هناك آيات فيها مديح للنصارى، ومديح غير عادي لبني إسرائيل، كما في الآية “يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم وإني فضلتكم على العالمين”. يكفي أن نشير إلى تصالح الإسلام مع اليهودية والمسيحية ما جاء في سورة البقرة: “إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى والصابئين من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحا فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون”. لقد أتى القرآن على ذكر “موسى نبي العبرانيين” 136 مرة، وعلى ذكر “المسيح” 33 مرة، إشارة إلى عمره، فيما لم يأت على ذكر “نبي” الإسلام إلا خمس مرات، أربع منها بلفظ محمد، ومرة بلفظ أحمد، كما أن مريم البتول، هي المرأة الوحيدة التي ذكرها القرآن بالاسم، ما يدل على أن الإسلام كشريعة، استكمال لشرائع سابقة، تعززها آية من سورة المائدة تقول: “وقفّينا على آثارهم بعيسى ابن مريم مصدقاً لما بين يديه من التوراة وآتيناه الإنجيل فيه هدى ونور”.

إن قراءة إيمانية غير حرفية للقرآن، واعتبار بعض الأحكام لزمن محدد، يساعدنا على إدراك كنه الكتاب، والوقوف على حال العرب وتقاليدهم قبل ظهور الإسلام وبعده، وكما أن الأمور مرهونة بأوقاتها كما يقال، كذلك بعض الأحكام الزمنية مرهونة بأوقاتها أيضاً، أو هكذا يجب أن تكون. الحياة دورات متواصلة، لا تتوقف عند مفاهيم معينة وضعها أقدمون، سواء أكانوا من “السلف الصالح”، أم غير الصالح، وهذا ما عناه الإمام أبو حنيفة بقوله “هم رجال ونحن رجال” في إشارة إلى أن الفقه حركة حياة، وأن قراءتنا القرآن على أنه مصحف حياة وحركة، لا مصحف جمود، يخفف عنا أثقال الحياة، ويمهد لنا الطريق لبناء دولة قوانينها وأحكامها من زماننا المعاصر، من غير تأثيرات سلبية على الجواهر الكامنة في الآيات.

■■■

ربما تكون قد تساءلتَ أيها القارئ الكريم، عن سبب وضعي “علامات الازدواج”، حول كلمات مثل “الله” و”يسوع” و”النبي” و”موسى” و”الكتب المقدسة”. لا أخفي عليك أن السبب هو إيماني المطلق بحرية الإنسان، وتحسباً من أن يظن أحد أنني أحاول فرض رأيي على أحد، أو أفرض وجود شخصيات لا يعتقد بعضنا بوجودها، وأضع “المسيح ومحمد” في صورة ليست في أذهان بعض الناس، فأنا ما زلت في الدرجة الأولى من سُلّم المعرفة، ولي إيماني الخاص في الوجود والطبيعة، وما وراء الطبيعة والوجود، لكن ما أعرفه حق المعرفة، هو أن الناس يختلفون في شؤون الدين، كما يختلفون في شؤون الدنيا، وكما أن هناك مؤمنين، ومتدينين، هناك أيضاً ملاحدة ولاأدريون، ومنهم من لا يزال يبحث عن “الله”، وأسرار الكون في الكتب وخارج الكتب. المهم في الأمر وفي كل أمر، أن يسود الاحترام بين الناس، ولا يكفّر أحد أحدنا باسم الرب، أو يقتل باسمه، لأنه إذا كان يؤمن بربّ للعالمين، فعليه أن يعرف أن بين يدي هذا الربّ وحده يكون الحساب، لا في يد من يدّعون تمثيله على الأرض زوراً وبهتاناً.

قد يشك أحدنا في وجود شخصية تاريخية اسمها “المسيح ابن مريم”، وقد يعتقد آخر بألوهيته، ومنا من قد يراه “نبياً من أنبياء الله”، وقد يحسبه آخر رجلاً مصلحاَ عاش في فلسطين الرومانية، وصلب لأنه خالف القوانين، وجدّف على عقائد بني قومه، وقد يعتقد بعض الناس أن موسى نبي، في حين قد يراه آخرون فرعوناً، أو رجلاً هارباً يستحق العقاب، لأنه قتل مصرياً في الطريق، أو شخصية خرافية لا وجود لها. الشي نفسه ينطبق على كل ما هو “مقدس” في رأي بعض الناس، لكنه ليس “مقدساً” في رأي بعضهم الآخر. لهذه الأسباب كلها وضعت “علامات الإزدواج”، عملاً بحرية الرأي، وليحكم كل قارئ بمنظاره. هكذا الحياة، أو هكذا يجب أن تكون، حواراً خلاقاً في طريق البحث عن الحق والحقيقة، وإلا توقف العقل وانتعشت الغرائز.

وضعت “علامات الازدواج” هذه أيضاَ، حول كلمات مثل “مسيحيين” و”مسلمين”، وسبب ذلك، كما سبق وذكرت في مقال لي، اعتقادي بأن ليس كل من يولد في عائلة “مسيحية” هو مسيحي حقاً، وليس كل من يولد في عائلة “مسلمة” هو مسلم حقاً. الإيمان الصادق بالفعل لا بالقول، وليس كل من ذهب إلى الحج صار حاجاَ بالروح، وليس كل من قال “يا رب يا رب يدخل ملكوت السموات”، كما جاء على لسان “المسيح” في الأناجيل. الإيمان العفوي الصادق، لا يتم من خلال طقوس جامدة، بل بالخروج من الدروب الضيقة إلى رحاب الإيمان الطلق، من الصلاة المحدودة إلى النجوى الكونية التي لا تحد، والتي لا تتقيد بلغة ولا بهيكل ولا بمعبد، ولا تتأثر ببيئة أو بموروث، ولا تعرف إلا التأمل والإيمان الخالص طريقاً إلى “السماء”.

هذه الأسباب، وإيماني الشديد بالدولة المدنية كحل لا حل غيره، هو ما دفعني إلى توجيه هذه الرسالة إليكم يا “مسلمي” لبنان، فالدولة المدنية هي دولة القانون العام الذي يسري على الجميع، بغض النظر عن معتقد كل منا. هي الدولة التي فيها وحدها يتنامى الشعور الوطني الصادق، وينمو تعايش حقيقي وتتوالد محبة، وفيها وحدها تتلاحق الأفكار، وتتجلى العقول وتنفتح على حقول العلم والفن والمعرفة. لقد ولدت هذه الدولة في الغرب، وجاءت ولادتها بعد مخاض عسير، وصراع حاد بين العلم والجهل، بين التدين والإيمان، بين البصيرة والغيب، بين المنطق والغريزة، بين العقول النيّرة وصلف الحاكم، وحكم المقصلة ومنصّات المشانق. حاربتها السلطة الدينية الغربية باسم “المسيح”، وتحاربها في الشرق اليوم، قوافل من وثنيين جدد، تحت راية الإسلام و”نبي” الإسلام، وبأشد ضروب الجهالة والغريزة العمياء. لكن، كما جاء يوم، انتصر فيه النص الإنجيلي على السلطة الدينية والسلطة الزمنية في الغرب، سيأتي يوم قريب ينتصر فيه النص القرآني على السلطة الدينية والسلطة الزمنية في الشرق، وهذا النصر العظيم الهائل لن يتحقق، إلا في ظلال دولة مدنية إنسانية حرة.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *