ملامح من التحالف المقدس بين الدين والسياسة في أمريكا

تعليق على كتاب (كيفين كروس)، (كيف اخترعت الشركات المساهمة “امريكا المسيحية”).

لا يزال الناس في الولايات المتحدة يناقشون مسألة دور الدين في سياسة الدولة منذ الأيام الأولى لقيام الجمهورية. ففي عام 1789 اي بعد استلامه مركز الرئاسة أعلن الرئيس (جورج واشنطون ) حينها تكريس يوم خاص ل (تقديم الشكر والصلاة) لأن الله أنعم على الولايات المتحدة بحكومة جمهورية مما يتطلب ان تقوم الأمة بالتعبير عن امتنانها.

وبعد 12 عاما جاء الرئيس (توماس جيفيرسون) ليلغي تلك الاحتفالات مستنداً على التعديل الدستوري الأول والذي اعتبره (جفرسون) انه بمثابة “جدار فاصل بين الكنيسة والدولة “. لعله كان من الأفضل ايجاد مقاولين أكثر مهارة لبناء ذلك الجدار. فاليوم لا يوجد تقريبا اي مظهر من مظاهر الحياة السياسية إلا ويكاد يتأثر بالدين، وكما يبدو فان الله موجود في كل مكان، فالشعار الرسمي للدولة هو: “اننا نضع ثقتنا في الله.” وهي عبارة تم طبعها على العملة الورقية الرسمية للبلاد كما انها مثبتة خلف منصة الرئيس داخل مجلس النواب الامريكي و محفورة أيضاً فوق مدخل مبنى مجلس الشيوخ. ولا يزال قَسَمْ الولاء الرسمي ينادي ان البلاد هي “في عهدة الله” ، ثم انه – ومع الاعتذار لجفرسون- تم احياء “ اليوم الوطني للصلاة “ مع كل اول “ يوم خميس “ من شهر ايار بالإضافة الى اقامة “ صلاة الافطار الوطنية” عند كل اول يوم خميس من شهر شباط. ومع كل خطاب موجه الى الشعب الأمريكي يختتمه رئيس البلاد عادة بالطلب من الله ان يغدق بركته على امريكا. غير ان هذه التقوى ليست كلها شاملة ومسكونية تماماً، اذ ان الغالبية من الامريكيين ما زالوا يعتبرون ان الولايات المتحدة هي “دولة مسيحية”.

يقول (كيفين كروس) في كتابه الجديد “كيف اخترعت الشركات المساهمة امريكا المسيحية” انه مهما كان توجه الشعب الامريكي اليوم فمن المؤكد انه لم يكن في نية مؤسسو امريكا الأوائل قيام دولة دينية “وأن تكون تلك الدولة الدينية (دولة مسيحية) ولقد كانوا على اتفاق مع اعتقاد (جفرسون) الذي يتضمن الفصل بين الكنيسة والدولة. لكن ما الذي يفسر اذن كل هذه التقوى الدينية في السياسة الأمريكية؟

يتتبع ( كيفين كروس ) مؤلف الكتاب جذور هذه المسألة الى ثلاثينيات القرن الماضي حيث واجه قادة رجال الأعمال المحافظون صعوبة في الرد على برنامج (العقد الجديد) الذي وضعه الرئيس الأمريكي (فرانكلين روزفلت) لمواجهة اسوأ تدهور اقتصادي كانت تمرّ به الولايات المتحدة في تاريخها، وتضمن البرنامج انشاء مؤسسات من قبل الحكومة الفيدرالية مهمتها الرعاية الاجتماعية للمدنيين وتقديم المعونة الى المحتاجين وكبار السن، واكتشف هؤلاء المحافظون ان القضايا الاخلاقية هي أكثر اثارة لحماس الجماهير من القضايا الاقتصادية كالمناداة الدائمة ب(حرية السوق )، فقاموا بتمويل حركة امريكية يقودها رجال الدين من أمثال (جيمس فيفيلد) الذي اخذ يبشر على ان برنامج  (العقد الجديد ( New Deal للرئيس روزفلت يطرح مبدأ (الدولة الوثنية) لأنه يصرّ على مبدأ المسؤولية الجماعية وليس المسؤولية الفردية. وهكذا تضافرت جهود رجل الاعمال مع رجل الدين واتفقا على مخطط (الاحياء الروحي) الذي يهدف الى تحرير الامريكيين من زحف مبدأ الجماعية (تقديم الجماعة على الفرد). ان هذه الجهود التي تصبّ كلها في خانة الدفاع عن رجال من ارباب العمل والمعادية لكل توجه يريد ان يدافع عن العدالة الاجتماعية كان من نتائجه تسييس الديانة المسيحية او وضع المؤسسة الدينية في خانة الدفاع عن المؤسسة السياسية، ولقد وجد هذا التوجه ضالته مع وصول بطله السياسي (أيزنهاور) الى مركز الرئاسة الأمريكية في عام1952 غير ان (أيزنهاور) اعاد ترتيب وتشكيل هذه الحركة بصيغة مسكونية عالمية تستجيب لإجماع امريكي قادر على توحيد الأمة الأمريكية خلال الحرب الباردة في صراعها مع الاتحاد السوفييتي الكافر. كان (أيزنهاور) هو الذي يضع جدول الأعمال وما على (الكونغرس) – من جمهوريين وديمقراطيين، من محافظين وليبراليين- الا اقتفاء خطاه. والعديد من الرموز المألوفة التي عبرت عن مثل هذا التوجه الديني في الدولة برزت خلال فترة رئاسة (أيزنهاور) مثل التشريعات الملزمة التي توجب ذكر كلمة (الله) عند ترديد الشعار الرسمي للدولة وان تطبع كلمة (الله) كذلك على وجه العملة الرسمية وترتادها عند اداء قسم الولاء.

لقد عرض (كيفين كروس) في كتابه تفاصيل هذا الحدث وان كان هذا لا يمثل سوى حلقة واحدة من فصول رواية التاريخ الأمريكي كما ان الكتاب يطرح اسئلة حول كيفية استخدام الدين لأغراض السياسة وماذا يحمل المستقبل لتوجهات السياسات الدينية المقبلة؟

بلاد الله

لقد تحولت معظم البلدان الغنية منذ زمن بعيد من دول متدينة في غالبيتها الى دول علمانية. أقل من عشرين بالمئة من الفرنسيين والسويديين والبريطانيين يذهبون الى الكنائس بشكل منتظم، بينما يقوم 40 % من الأمريكيين بالتوجه الى الكنائس اسبوعياً، وان 70% منهم يزورون الكنائس عدة مرات في السنة الواحدة. والتفسير المعتاد لمثل هذا التفاوت هو مدى الحيوية التي تتمتع بها السوق الدينية في الولايات المتحدة. وعلى العكس من البلدان التي توجد فيها كنائس رسمية مدعومة مالياً من قبل دافعي الضرائب فان المشهد الديني في الولايات المتحدة كان دائما على استعداد لاستقبال اي شخص يمكنه ان يجذب ويحشد جماعة من المصلين القادرين على المساهمة بتبرعاتهم المالية السخيّة.

المحصلة هي بلاد تتزاحم فيها المعتقدات الدينية، رغم ان الدستور فيها لا يقرّ بوجود أي دين رسمي، كما هو الحال في الولايات المتحدة، وينجم عن ذلك تكوين مجموعة من وجهات نظر مختلفة يساند كل واحد منها دين او كنيسة معينة. فعبر التاريخ الأمريكي كانت الكنائس تمثل مراكز إنعاش الالهام لكل من الثوار والرجعيين على حد سواء، مراكز للمدافعين عن إلغاء العبودية ولأصحاب العبيد، لليبراليين والمحافظين في نفس الوقت.

ان كتاب (كيفين كروس) يركز على ادارة الرئيس (أيزنهاور) وكيف تبنّت مواقف الجناح اليميني لحركة الاحياء الديني، ثم دور تلك الادارة في جعل مواقف هذا الجناح اليميني مقبولة ومستساغة من قبل جهات واسعة وموجودة في المركز السياسي. واليوم يعكس الدين حالة استقطاب أكثر مما يعكس حالة اجماع، حيث تجد كنائس الامريكيين التي هي من اصول افريقية، ومعظمهم يتبعون الحزب الديمقراطي، تقوم بنقل رعاياها داخل باصات مخصصة لهذا الغرض باتجاه مراكز الاقتراع، بينما يحذر المبشرون الانجيليون البيض رعاياهم من أنهم سوف يسقطون في الخطيئة حين يعارضون القدرة الإلهية، أي اذا اعطوا أصواتهم لصالح فريق الحزب الديمقراطي، ان مثل هذه المواقف تثير عادة دهشة المراقبين الأجانب في حين يجد فيها الأمريكيون سلوكاً عادياً.  كما ان الولايات المتحدة تختلف ايضاً عن البلدان المتقدمة الأخرى من ناحية أخرى ليست مألوفة كثيراً، وهي ان الشعب الأمريكي لا يمانع كثيراً في ان يتدخل رجال الكهنوت في شؤنه، وقد أشارت مؤخراً (آنا جريزمالا باسي)، المختصة في العلوم السياسية، انه في البلدان المتقدمة يرفض الناس تدخل رجال الدين في السياسة، وحتى في الدول التي لديها نسبة عالية من الكنائس، مثل كرواتيا وايرلاندا وبولونيا والبرتغال تصل نسبة من يرفضون مساعي التدخل الديني للتأثير على الشأن السياسي حوالي 70 %  الى  90 % . اما الجمهور الأمريكي فهو أشد كسلا وتمهلاً للوصول الى مثل هذا الاعتراض (وان اخذت مظاهر التململ والاستياء تزداد مؤخراً). ان مثل هذا الفارق بين الولايات المتحدة وبقية الدول المتطورة يرجع في الأساس الى تعدد وتشابك السياسة والدين داخل الولايات المتحدة حيث تعتمد كافة الفئات السياسية على الدين. واذا دققنا في فترات تاريخية طويلة سنجد ان الدين يكرر تأثيره على المشهد السياسي الأمريكي عن طريق ثلاث خطوات هامّة، تبدأ الخطوة الأولى عندما يبادر المبشرون الى استنكار وشجب ظاهرة اتساع موجة العلمانية والديانات المزيفة بالإضافة الى سياسات الحكومة المشجعة لها، وقد يتسرب صوت هذا النواح المتكرر الى التيار السائد في الثقافة العامة والاعلام التي تعزف ابواق النفير لإنذار الشعب الأمريكي ان عليه ان يغير سلوكه والا سيدفع الثمن في الجحيم، أما الخطوة الثانية فتبدأ حين يبادر سياسي متنفذ (كالرئيس مثلاً) الى تلبية الدعوة الدينية والاندفاع نحو قيادة الحملة الصليبية من اجل التبشير بأفكار المصلحين الدينيين داخل كتلته السياسية فينال المصلحون على بعض المكاسب رغم الأوهام التي استولت عليهم.

يُعْتَبر القادة من رجال السياسة بمثابة نماذج اخلاقية لا يمكن التعويل عليها او الاعتماد على مصداقيتها مما يضطر الكنائس الى اعادة اكتشاف الحقيقة القديمة القائلة: ان الحياة الدينية المكرّسة من اجل المبادئ الاساسية تقبع اليوم في محيط غير ملائم من عالم السلطة والقوة وتهيمن عليه النفعية السياسية. وعند الوصول الى الخطوة الثالثة والأخيرة، اي بعد انجاز بعض الأهداف والاخفاق في تحقيق بعضها الآخر او حتى اهمالها، تبدأ الحركة في التفكك كما هو الحال مع كل ائتلاف. فيبدأ الحماس بالتلاشي، ويزحف الارهاق والتعب نحو قلب هذه الكتائب الدينية الزاحفة للقتال نتيجة للمساومات الطويلة والحلول الوسطية فيجعلها تفضل الابتعاد عن السياسة حتى يقفز جيل جديد من النشطاء الى ميدان المعركة لتبدأ حلقة اخرى جديدة في ثلاثية المشهد السياسي الأمريكي.

اعادة نصب الخيمة الكبيرة

لقد أدّت الحلقة التي وصفنا مراحلها الثلاث الى نشوء ثلاثة انبعاثات دينية خلال 80 عاماً الماضية. ويمكن تشبيه هذه المراحل الثلاث بان كل منها يرتبط بإدارة احد هؤلاء الرؤساء : روزفلت، وأيزنهاور، وريغان، حيث أمسك الرئيس في كل حالة منها بزمام امور حركة دينية نافذة ومؤثرة واستخدمها لكي يعيد صياغة العلاقة بين السياسة والايمان.

لقد برزت في بداية القرن العشرين حركة اجتماعية سمّيت (حركة الانجيل الاجتماعية) وكانت بداية تحركاتها داخل الكنائس البروتستانتية حيث دعت المسيحيين الى التركيز على عدم عدالة الوضع الاقتصادي وطالب اتباعها بأجور عادلة وتقديم العون الى الفقراء وتحريم المشروبات الكحولية والاعتراف بحقوق المرأة وقوانين تحظر تشغيل الأطفال بالاضافة الى اتخاذ خطوات جذرية للتخفيف من عدم المساواة الاقتصادية. وفي الثلاثينيات من القرن الماضي استخدم الرئيس روزفلت هذه الحركة للتعريف بسياساته وادانة كافة أعدائه، وفي هذا السياق طرح روزفلت خطة ( الضمان الاجتماعي)  ““Social Security بطريقة تذكر ب “موعظة يوم الأحد” حين خاطبهم بلغة المبشرين قائلاً :ان الجميع ، الكاثوليك والبروتستانت واليهود، يشجبون “التوزيع غير العادل للثروة،” ولكن رغم ذلك فان شياطين الجشع كانت تحتشد خارج دائرة المبادئ الخالدة والمتعلقة بالله والعدالة، لقد وضعت ادارة روزفلت تلك القضايا على جدول أعمالها ليس باعتبارها برنامجا وسياسة صحيحة فحسب بل باعتبارها سلوكاً مسيحياً.

وحين جاء موعد تطبيق برنامج (الانجيل الاجتماعي) كان روزفلت وانصار (العقد الجديد) انتقائيون في ممارستهم فتناسوا تماماً موضوع الحظر على صناعة المشروبات الكحولية( القانون الذي يحرم صناعة وبيع الكحول بقي نافذاً بين عامي 1920- 1933)  وكذلك تجاهلوا موضوع حقوق المرأة، وان كانوا قد شنّوا هجوماً دينياً مبتكراً على الثروة والامتيازات “ لقد تهاوى الصرّافون من مقاعدهم العالية داخل معبد حضارتنا” هكذا وصف الوضع الرئيس روزفلت في خطابه الافتتاحي الأول ثم تابع قائلاً “ وبإمكاننا الآن ترميم المعبد من أجل عودة الحقائق القديمة، والقيم الاجتماعية التي هي أكثر نبلاً من الارباح المالية.” لقد قام الديمقراطيون فيما بعد بالتذكير بموضوع (الانجيل الاجتماعي) كما يفعل اليوم الرئيس باراك اوباما حين يكرر ذكر نفس ذلك المصطلح بشكل دوري، يرافقه في الوقت نفسه تجاهل كامل ل (شياطين الجشع) وابطال المضاربات المالية في سوق الاسهم.

يتابع (كيفين كروس) كتابه فيقدم في الجزء التالي عرضاً ممتازاً للردّ العنيف الذي جاء به المحافظون المسيحيون ضد (العقد الجديد – New Deal) بنسخته الجديدة كما قدّمها اتباع (الانجيل الاجتماعي) حيث خلص القساوسة المحافظون الى ان التعاونيات والاعمال المكرسة للمنفعة العامة لن توفر طريقاً صحيحاً لخلاص البشر، كما ان الأشغال والمنشآت المخصصة للخدمات العامة لا يمكنها ان تعادل قيمة فعل العبادة الذي يؤديه الناس، فالإيمان الذي يبنى على الشؤون المادية يبدّد كل الثروة الدينية التي تم جمعها عن طريق الصلاة والخشوع والشفافية. لقد تحول نقد القساوسة والمحافظون الى بروز تيار اجتماعي وسياسي بعد الحرب العالمية الثانية يحفل بالمشاعر الوطنية العارمة.

حين فاز أيزنهاور بمقعد الرئاسة في عام  1953 وصار بطلاً يدافع عن المثل الدينية المحافظة معتبراً ان ذلك يشكل عاملاً قوياً لتوحيد الشعب الأمريكي خلال الحرب الباردة، حتى انه في خطابه الافتتاحي عند استلام منصب الرئاسة استهلّ خطابه  بالقول “ هل تسمحون لي ان أتشرف بتلاوة صلاة شخصية  قصيرة” ثم استمر لأكثر من دقيقة يتوسل الى الله طالباً منه نشر التعاون والتفاهم بين الناس ، مهما اختلفت مصادر ايمانهم السياسي” ، وقبلها بشهر واحد كان قد اعلن ، وبصوت يشتد ارتفاعاً، عن أكثر تصريحاته الدينية شهرة :” ان نظامنا السياسي ليس له اي معنى ما لم يبنى على اساس شعور عميق بالإيمان الديني ، ولا يهمني اطلاقاً ما هو.” فجاءت تعليقات المثقفين الليبراليين: “ها هو المؤمن يتّقد حماساً لدين شديد الغموض”. لقد وافق الكونجرس بلهفة على ربوبية (ايزنهاور) التي تمخض عنها سلسلة من شعارات “امريكا المسيحية” حتى ان (الاتحاد الامريكي للحريات المدنية) لم يصدر عنه اي اعتراض بهذا الخصوص. يتفق معظم الامريكيون ان على طلاب المدارس ان يؤدوا الصلاة، ولكن صلاة اية طائفة يا ترى؟ صلاة الطائفة (المعمدانية) في الولايات الوسطى الجنوبية ام صلاة طائفة (المورمون) في ولاية (يوتاه) ام صلاة لا تتبع اي طائفة كما هو الحال في نيويورك والتي وصفها (الانجيليون) بانها لا تعتبر صلاة على الاطلاق لكونها لا تذكر اسم السيد المسيح، حتى جاء عام 1962 حين تدخلت المحكمة العليا الامريكية وقررت ان جميع صلوات المدارس تشكل خرقاً للجدار الذي وضعه (جيفرسون) للفصل بين الدين والدولة وبالتالي تعتبر عملا غير دستوري. وكذلك الامر بالنسبة لمشروع توفير الكتاب المقدس داخل المدارس الذي باء بالفشل حينها لان كل طائفة دينية اصرت على ان يكون الكتاب المقدس قد تمت ترجمته حسب معتقدها الخاص.

المحاور المسيحي العظيم

دفنت الفوضى التي اجتاحت البلاد خلال الستينيات كل ما تبقى من التماسك الديني القائم داخل المؤسسات بعد ان كان سائداً في الخمسينيات، فالأمريكيون البيض (من خارج الولايات الجنوبية) الذين قدموا لتحية القس (مارتن لوثر كينج) وحركة اللاعنف المسيحية، تفاجؤوا ببروز قادة من السود المسلمين الذين تحدّوا القس (مارتن لوثر). ثم ظهر جيل جديد من المندفعين نحو المراكز الدينية مركزين هجومهم على انغماس الأمريكيون في المتع الحسيّة وادانة اخلاق الدولة التي تحكمهم. ولقد نجح الكونجرس الامريكي بالتصويت على التعديل الدستوري المتعلق بالمساواة في الحقوق المدنية عام 1972 ثم القت المحكمة الدستورية العليا كل القيود المفروضة على عمليات الاجهاض في عام 1973 فاندفع اليمين الديني نحو العمل السياسي مرة ثانية، وصارت المنظمة المسماة (الأغلبية الاخلاقية) من أكثر المنظمات ظهوراً في الساحات العامة وأخذوا يبشرون بين الناس بمواعظهم المألوفة حول تحريم الاجهاض والمحافظة على العائلة والتقاليد العائلية والدفاع عن القيم الاخلاقية والقيم الامريكية. وسرعان ما اكتشفت هذه الحركة بطلاً فذّاً لها، وهو (رونالد ريغان) حاكم ولاية كاليفورنيا.

عندما قبل (رونالد ريغان) ترشيح الحزب الجمهوري له لمنصب الرئيس في عام 1980 توقف في منتصف خطابه وخرج عن سياق النص المكتوب ثم اخذ يلمح بطريقة ملتوية الى سلطة خفية غير مرئية قد تضمر له العقوبة لأنه فعل شيئاً محرّماً، فقال:” لقد فكرت بشيء ما، لم يكن مقرراً ضمن الخطاب الذي علي ان القيه عليكم، وانا قلق الآن لكوني فعلت ذلك،” ثم تابع قائلاً “ دعونا نبدأ حربنا الصليبية معاً بصلاة صامتة.” وفي الشهر التالي وجه (ريغان) رسالة الى حشد وطني واسع من القساوسة الانجيليين والاصوليين فخاطبهم قائلاً “انا اعرف تماماً انه ليس بإمكانكم ان تتبنوا ترشيحي للرئاسة بشكل رسمي” ملمحاً الى الجدار الغير عادل الذي اقيم ليفصل بين الدولة والكنيسة ( والذي يمنع منظمات دينية معفية من الضرائب من دعم حملته الانتخابية) ثم تابع:” ولكن اريدكم ان تعرفوا انني انا من سيتولى تأييدكم.” وقد جاءت ادارة (ريغان) لاحقا بإصلاحات دينية كان من شأنها ان تغير التوجه السياسي في الولايات المتحدة وكان من نتائجها خيبة الأمل الكبيرة التي اصابت مؤيديها الانجيليين.

قبل ان يستلم ريغان مقاليد الحكم كان ما يقارب النصف من الخطب الرئاسية تقريباً تنتهي بتعابير الابتهال والتوسل الى الله ولكنها وبعد تولي ريغان الرئاسة وصلت  تلك النسبة الى اكثر من  90  ٪  ، وبعد استمالته للأصوليين المسيحيين الى داخل الائتلاف الحاكم  تم دفع الحزب الجمهوري الى الالتزام والتعهد بمحاربة الاجهاض والقبول بالعصمة التوراتية والردع الأخلاقي الحازم  لكل سلوك سيء مهما كان مصدره فتحولت الحرب على المخدرات ومحاربة الجريمة الى موضوعين رئيسيين ضمن جدول اعمال سياسة الحكومة، وصار يكرر مرة تلو الأخرى ان الجريمة والفقر ليسا نتيجة للعنصرية أو الأوضاع المعيشية الصعبة، لذا على الأفراد ان يتحملوا عواقب افعالهم مما ادّى الى ارتفاع عدد من وضعوا خلف القضبان داخل السجون الى خمسة أضعاف خلال الثمانينيات والتسعينيات.

لقد أشاد ريغان سياجاً من الأطر الاخلاقية ليحاصر ويهدد به برامج الخدمات الاجتماعية العامة والتي احتفظت بتأثيرها حتى في عهد بيل كلينتون حين وضع حدّاً لبرنامج الإعانات الاجتماعية – welfare-   الذي وصفه أعدائه حينذاك بان وجوده يشجع على الكسل والاختلاط الجنسي مما دفع بالمسؤولين الى شن حملة تدعو الى التمسك بالقانون والنظام ووضع ميزانية تسمح بتشغيل 100,000 شرطي اضافي في جميع ارجاء البلاد. ومع قدوم ادارة جورج بوش صارت التعابير والمواضيع الأخلاقية والدينية أكثر وضوحاُ ولاسيما بعد هجمات الحادي عشر من ايلول حيث تكلم بوش وبدون اي ارتباك عن حروب صليبية قادمة وعن الشياطين فاعلي الشر في العالم.

يونادم

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *