زوبعة الأسد: ملامح الجناح العسكري للحزب السوري القومي الاجتماعي

 

ان تواجد فصائل جانبية تقاتل الى جانب الجيش النظامي السوري وقوات الأمن السورية ضد المعارضة المسلحة لسلطة البعث هو امر اصبح اعتيادياً. اذ يوجد عدد من الفصائل شبه العسكرية التي تنشط في الدفاع عن النظام من بينهم اللجان الشعبية، وقوات الدفاع الوطني، ومليشيات الشبيحة، ومقاتلي حركة حزب الله اللبنانية، ومقاتلي الحزب السوري القومي الاجتماعي (ح س ق ا) والذي يتميز بوجود شارة الحزب او (الزوبعة) على البستهم واعلامهم.

Continue reading

ميليشيات الحزب السوري القومي الاجتماعي والحرب تحت ظلال العلمانية

 ميليشيات الحزب السوري القومي الاجتماعي والحرب تحت ظلال العلمانية

لقد حصد الحزب السوري القومي الاجتماعي (ح س ق ا) اهتماماً ملفتاً للنظر خلال الحرب الدائرة، مع انه قليلاً ما يتم ذكره كتنظيم رغم انه موجود منذ عام 1932، ولا يأتي أعضاء الحزب من خلفية دينية واحدة ( وان كان يتم تصويره كمنظمة مسيحية) وهؤلاء الأعضاء لا يحاربون من اجل ان يبقى حزب البعث في السلطة، او من اجل حماية مصالح حكومات اجنبية متنفذة ، او تلبية لفتوى دينية مقدسة.. لماذا اذن يشارك افراده في الحرب في سوريا؟ للاضطلاع على وجهة نظر الحزب ودوافعه ليكون طرفاً في الصراع داخل سوريا لا بد من القاء نظرة متفحصة على المراحل الاولى من تاريخ هذا الحزب بالإضافة الى التعرف على مؤسس الحزب. ولذلك لا بد من تقديم لمحة موجزة عن خلفية الحزب ليتسنى للقارئ تكوين فكرة عامة عن مواقف الحزب وآرائه عن الأمة السورية وكيف جرت ملاءمتها مع الحرب الجارية.

أسس الحزب (أنطون سعادة)، المسيحي الأرثودوكسي، في عام 1932 وجد (سعادة) ان خدمة المحتل الأجنبي وتدهور الاقتصاد والمعرفة وضعت الجماهير في طريق المجهول وانتزعت منهم هويتهم الحقيقية وثقتهم بأنفسهم. وقامت أيديولوجية الحزب على انه حركة علمانية وعلى مبدأ فصل الدين عن الدولة وبالتالي ليس معنياً بالتوجهات الدينية او العرقية، وتبنى إلغاء الحواجز بين الطوائف والمذاهب الدينية، ولقد كتب (سعادة) من السجن عام 1935 بهذا الخصوص يؤكد فيها على هذه النقطة بقوله ان الحزب توحده عقيدة ” سوريا لكل السوريين” وان الولاء القومي يجب ان يحل محل الولاء الديني او العرقي، ولهذا فان الحزب كما كتب (سعادة) ليس مبنياً على مبدأ الخوف من الغريب بل على مبدأ الاشتراكية القومية. ان هذه الأيديولوجية القومية ليست مبنية على الإسلام او العروبة، مما جعله يجتذب اهتمام الأقليات في كل من سوريا ولبنان.

تستند الأمة الى 4 مقومات وهي: الحرية، الواجب، النظام، ثم القوة، وتمثل هذه المقومات الزوايا الأربعة في الرمز الموجود على علم الحزب ومع ذلك فقد وجد الحزب صعوبة في كسب القوة والنفوذ داخل لبنان وسوريا. وبوفاة (أنطون سعادة) عام 1949 تلاشت عملية الاقناع في الحزب خاصة وان شخصية الزعيم (أنطون سعادة) وكتاباته جعلت اتباعه يعبدونه كجماعة ويرجع سبب هذه الانتكاسة من ناحية ما الى وجود هذه النظرة الأيديولوجية في منطقة اغلبية سكانها من العرب المسلمين والتشديد على محاولات نشر التوجه القومي داخل كل من البلدين المذكورين. ولم تجد سوريا في النظام السياسي للبعث مجرد أيديولوجية قادرة على ان تجتذب الأقليات فقط، بل لقابلية هذه الأيديولوجية على اجتذاب الجماهير السنيّة الى فلكها.

كان ل (ح س ق ا) تاريخ طويل من النشاط في معارضة حزب البعث وعانى كثيرا من نتائج معارضته تلك، وعاد الحزب الى نشاطه السياسي والاجتماعي في سوريا بشكل تدريجي، ولم يسمح له بممارسة نشاطه العلني الا مؤخراً وذلك في عام 2005 (بعد ان كان محظوراً منذ عام 1955) مع تولي (بشار الأسد) للسلطة، وفي ظل ما سمّي حينها ب (الإصلاحات) وتم دمجه بالجبهة الوطنية التقدمية واصبح رئيس الحزب، (علي حيدر)، وزيراً للدولة ، غير ان التوتر وصل الى درجة الغليان في عام 1955  حين قام احد أعضاء الحزب بإطلاق النار واغتيال العقيد (عدنان المالكي) العضو في حزب البعث واحد الضباط المتنفذين في الجيش السوري ونجم عن ذلك اعتقال الآلاف من أعضاء (ح س ق ا)، حتى ان احدى صفحات الفيس بوك التابعة للحزب قامت بنشر موضوعاً على شرف ذكرى هؤلاء الأعضاء الذين قدموا تلك التضحيات في سبيل الحزب داخل السجون السورية بعد اتهامهم زوراً في قضية اغتيال (عدنان المالكي)، والملفت للانتباه ان صفحة الموقع المذكورة تبدأ بتقديم كل آيات الاحترام للرئيس (حافظ الأسد) ثم تكرر القول ان بشار الآن قد أعاد لهم حضورهم القوي.

picture1

صورة من موضوع منشور على الفيسبوك والتابع ل (ح س ق ا) يمدح فيه الأسد ويقدم آيات التكريم والشرف لهؤلاء الذين وضعوا قيد الاعتقال بعد عملية اغتيال العقيد المالكي. ويشاهد ايضاً صور بشار الأسد مرفوعة الى جانب أعلام الحزب.

ومع نهاية الجمهورية العربية المتحدة بين سوريا ومصر عام 1961 ساهم الانفصال في مساعدة حزب البعث على تركيز اهتمامه نحو سوريا على حساب اهتمامه بالعالم العربي، والذين استمروا بالتمسك بالمشروع العربي كونوا الحرس القديم للقيادة البعثية بقيادة (ميشيل عفلق) فعرفوا ب (القيادة القومية)، اما البقية الذين أكدوا على الدولة السورية فعرفوا ب (القيادة القطرية) او البعثيون الجدد. ان وجود الأسد في الطرف القطري يعطي أهمية خاصة عند تحليل التعاون الحالي القائم بين حكومة بشار و (ح س ق ا)، وهو ليس مفاجئاً اذا اعتبرنا ان كلا الطرفين يقدمان نفس المغريات لنفس القاعدة الجماهيرية. فالعلمانية التي تشكل عامل جذب للأقليات تجتذب في نفس الوقت شريحة من الطبقة العليا للنخبة، وهي في هذه الحالة الطبقة التجارية السنية.

ومع ان أيديولوجية (ح س ق ا) حول “سوريا الكبرى” اصطدمت بوجهة نظر البعث حول العروبة الا ان الطرفين كانا على صلة وثيقة اثناء بعض النشاطات وفي فترات معينة. لقد ذكر (اسعد حردان) زعيم الحزب في لبنان اثناء انعقاد مؤتمر في عام 2008 لتكريم مركزه القيادي الجديد: ” ان حزبنا يرى دمشق على انها قلب الأمة النابض، وندعو كل جميع اللبنانيين الكبار لإدراك حقيقة الدور الايجابي الذي تقوم به سوريا للحفاظ على وحدة لبنان والعروبة.”

كما ان (نهاد سمعان)، قائد الحزب في (حمص)، قال مؤخراً “رداً على هذه الموجة من التعصب الطائفي، فقد قرر حزبنا التعاون مع الحكومة (السورية).” ، وتوثقت العلاقة بين الطرفين بدرجة كبيرة حيث خفف كلا الطرفين من حدة خطاباتهم. فوجد (ح س ق ا) انه من المفيد ان يخفف نقده لموضوع العروبة في نفس الوقت الذي اقدم فيه حزب البعث على التعاطف مع مسألة (القومية السورية) على حساب مسألة (القومية العربية) او العالم العربي الكبير. ويوجد مثال يتناول هذا الموضوع ضمن كتيب بقلم (سعادة) يقول فيه ” هؤلاء الذين يعتقدون ان الحزب السوري القومي الاجتماعي يسعى لسحب سوريا من العالم العربي، يرتكبون خطأ كبيراً لأنهم لا يميزون بين يقظة القومية السورية وبين قضية العروبة. نحن لن نتخلى عن موقعنا في العالم العربي ولن نتخلى عن مهمتنا نحو العالم العربي.”. ويبدو انه حتى الآن لم تقف الفروقات بين الطرفين عائقاً امام التوجهات التي يتشابهان فيها، ويرجع ذلك الآن الى التقدم الذي أحرزته الدولة الإسلامية في الوضع الحالي. لأن التهديد الذي يشكله الجهاديون في سوريا هو ضربة في صلب أيديولوجية (الحزب السوري القومي) ، ان أي محاولة لشرخ، وتقسيم، او غزو الأمة سيعتبره الحزب عملاً عدوانياً كبيراً. ان الجهاديين ومن يدعمهم يمثلون النقيض لرؤية الحزب لما تعنيه سوريا المستقلة. يجري فجأة تجميع ولملمة السوريين معاً بحسب انتماءاتهم الدينية والعرقية، والأجانب يتبعون بلدانهم التي قدموا منها او يتبعون البلد الذي منح المال، وبالتالي يعتبر هذا ومن وجهة نظر الحزب ضياع الهوية القومية. في احد أوائل الخطابات الرئيسية المتعلقة بسياسة الحزب الموجه لأعضاء الحزب قال (أنطون سعادة) :” ان كل عضو في الحزب السوري القومي الاجتماعي يشعر بأنه تحرر من الهيمنة الأجنبية وعوامل السيطرة الخارجية.” وبالتالي يجد الحزب نفسه مرة أخرى يقاتل الى جانب حكومة (الأسد) ليواجه ما يعتبره تهديداً وجودياً لوحدة (سوريا) والشعب السوري. ويعتبر ذلك بالنسبة لقادة الحزب تأكيداً على (الأمة السورية) واستقلالها، ومن هنا يأتي شعارهم: “البقاء للأمة.”

 الحزب السوري القومي الاجتماعي ليس غريبا عن النزاعات المسلحة، اذ اندفع بهذا النشاط خلال الحرب الأهلية اللبنانية، بالإضافة الى قتاله ضد الكتائب اللبنانية لصالح حكومة (الأسد)، كما اشتبك مقاتلو الحزب مع القوات الإسرائيلية المتمركزة في لبنان باللجوء الى العمليات الانتحارية، وقد يأتي هذا مفاجئاً للكثيرين الذين لا يربطون التفجيرات الانتحارية بحزب علماني، وخاصة ان غالبية أعضائه من المسيحيين. ولكن رغم ذلك فقد تبنى الحزب 8 عمليات انتحارية من أصل 18 تفجير انتحاري ضد إسرائيل في جنوب لبنان وذلك بين شهري آذار وتشرين الثاني من عام 1985، وقد نفذت احدى تلك العمليات المذكورة فتاة تدعى (سناء المحيدلي) البالغة من العمر 17 عاما والعضوة في الحزب والملقبة ب (عروس الجنوب) حسب وصيتها، واستخدمت في العملية سيارة (بيجو) ، والفتاة من جنوب لبنان وتعتبر اول انثى تقدم على عملية انتحارية في المنطقة حيث قتل فيها جنديان إسرائيليان على الأقل. وقامت (سناء محيدلي) بتصوير نفسها في فيلم فيديو تطلب فيه من “كل الشابات والجيل الشاب الانضمام الى صفوف المقاومة الوطنية لأنها وحدها القادرة على طرد العدو من البلاد…” ثم ختمت حديثها بقولها ” انا ذاهبة الى مستقبل أعظم، الى سعادة لا يمكن وصفها.”

انحسرت بشكل كبير نشاطات الحزب العسكرية بعد انتهاء الحرب الأهلية اللبنانية، ونتيجة لذلك شهد الحزب نوع من الركود في شعبيته ولكن الحرب في سورية أنعشت التنظيم من ناحية قوته العسكرية وماكينة دعايته خاصة بعد ان لم يعد يواجه قيوداً على نشاطه، وازداد عدد السوريين المعرضين لتلقي دعايته وأديباته المتزايدة من خلال مواقع الحزب على الانترنيت والتي ما كان لها ان تتوسع لولا نشوب القتال في سوريا. ورغم كل شيء فقد اشتركت مجموعة من مقاتلي الحزب في المعارك الى جانب وحدات الجيش السوري النظامية وقوات الدفاع الوطنية اثناء أقسى مراحل الحرب، ولم ينخرط مباشرة في القتال حتى منتصف عام 2014 ويمكن متابعة هذا الأمر من خلال المواقع الاجتماعية التي تنعي سلسلة شهدائه الذين قتلوا في المعارك. ان صمود الحزب ورفضه للجيش السوري الحر والجماعات الجهادية جعل أعضاء الحزب ينخرطون على طول خطوط الجبهة ولاسيما في ظرف كانت حشود المقاتلين الأجانب تتوافد على سوريا. وكان اصطفافه مع البعثيين مثمراً، فخلال السنوات الماضية تحول الحزب الى قوة قتال منظمة في نفس الوقت الذي توسعت شعبيته، بالإضافة الى تزويده بالسلاح والدعم بل وحتى تجميل مظهره واضفاء رونق خاص على أسلوبه.

ويطلق الحزب على جناحه العسكري اسم” نسور الزوبعة” حيث يجري التأكيد على الرمز والصورة وتكرارها بالترديد الدائم لدرجة انها تتحول الى تعاويذ مقدسة واشارات مبهمة يتعامل بها أعضاء الحزب خلال طقوس تتسم بها كل الأحزاب التي تأثرت بأشكال وصيغ تكرست مع تصاعد الفاشية في أوروبا وتركت أثرها على (أنطون سعادة) و (حزب البعث) الذي كان ينشر أفكاره (التنويرية) معتمداً على سلطة الدولة التي يمسك بها فيقوم بتلقين طلبة المدارس ولاسيما الأطفال في المرحلة الابتدائية صيغاً وقوالب جاهزة للتفكير (الحر!) ويتعامل معهم كحشود وقطعان تعلن استعدادها لأن تكون فداء (رخيص طبعاً) من اجل القائد، أكان هذا القائد حافظ الأسد، او ابنه في السلالة الحاكمة بشار الأسد، او الزعيم أنطون سعادة المعصوم بعصمة الأنبياء عن ارتكاب الأخطاء. ان تلقين الجيل الحالي بهذه القوالب والصيغ الخشبية الجامدة وما تستدعيه من جهاز قمعي مدرب على فرضها واخضاع الحشود البشرية التي يتم تلقينها دروس السياسة في ظل الفاشية، ويستند الجهاز المذكور الى قاعدة واسعة من سجون التعذيب وأبوابها المفتوحة باتجاه الدخول فقط، وتفتخر تلك الاجهزة بإبداعاتها في مجال فنون التعذيب وادواته، ان وجود هذا العالم الذي تم القضاء فيه على الكائن الانساني يقتضي من الاستبداد ان ينجز مهمته الرئيسية في التغييب القسري والمطلق للفرد.

وتقوم (نسور الزوبعة) بضمان الأمن في عدد من البلدات السورية بعد ان أخليت من الثوار خاصة وان نظام الأسد منهك وهو فوق طاقته وينقصه من سيقوم بالمهمات وغير قادر على ان يحكم في كل مدينة او بلدة في حال فقد الثوار السيطرة عليها، ولهذا يلجأ النظام الى تكتيك الاعتماد على جماعات خارجية لديها قاعدة تساندها. ولكن هذه الطريقة ستكون مكلفة إذا لجأت تلك الجماعات الى استغلال ذلك الوضع من أجل الحصول على مكاسب اضافية ولزيادة نفوذها.

لقد استفاد (ح س ق ا) كثيراً من العمليات القتالية التي ينفذها جناً الى جنب مع قوات الجيش النظامي وخاصة في مناطق شمال (اللاذقية)، وريف محافظة حمص قرب بلدة (صدد)، ومحافظة (السويداء) في جنوب غرب سوريا، ومحافظة (درعا)، وريف (دمشق) في دوما والغوطة، وكذلك حول مدينة (محرده) في ريف محافظة (حماة). كما يوجد تقارير على ان الحزب يسيطر على مدينة (حمص) القديمة، ثم ان هذا التنسيق مع الجيش السوري النظامي يجعل ميليشيات الحزب على صلة قريبة مع (حزب الله) حيث يمتد هذا التحالف الى داخل لبنان المجاور. وفي الفترة الأخيرة ازداد نشاط ميلشيات الحزب في المناطق الجبلية شمال مدينة (اللاذقية) لأن نظام الأسد يسعى الى تسجيل انتصارات قريباً من معاقل العلويين في الوقت الذي يبعد فيه الجماعات الجهادية والإسلامية عن خطوط الامداد. والجبهات التالية هي المواقع التي يتمركز فيها مقاتلون من الحزب في شمال اللاذقية:

جبل التركمان – جبل الأكراد- سلمى- الغمام- دير حنا، وتصل مناطق العمليات هذه الى الحدود التركية التي تؤمن خطوط التمويل والامداد لفصائل (جبهة النصرة) و (الشيشانيين) و(التركمان)، كما ان السيطرة على هذه المناطق يسد الطريق على أي تقدم محتمل في المستقبل نحو ريف اللاذقية مع الإبقاء على ممرات باتجاه محافظة (ادلب)

في الأسفل صورة لمقاتلين من (الحزب السوري القومي الاجتماعي) في شمال محافظة (اللاذقية) موضوعة على صفحة التواصل الاجتماعي الخاصة بهم في 11.17.2015

pictu21

ويوجد في جنوب (اللاذقية) وداخل المقاطعة الشمالية من محافظة حماة مناطق ينشط فيها أعضاء (ح س ق ا) ويعتبر (سهل الغاب) واحداً من المناطق الساخنة المتنازع عليها، وهو يمتد على طول جبال الساحل الغربي وعلى مقربة من مدينة (حماة)، فالسيطرة على سهول الغاب يخلق منطقة عازلة تحمي الأماكن الساحلية وتساعد في نفس الوقت على اختراق محافظة ادلب الغير بعيدة من مدينة (جسر الشغور). وقريبا من سهل الغاب شمال ريف حماة تقع مدن (محردة) و (السقيلبية) حيث يقطنهما سكان مسيحيون وركيزة من مقاتلي الحزب

(ح س ق ا)، وكلا المدينتين في موقع على خطوط النار الأمامية المواجهة لتنظيم (القاعدة) وحلفائه من الجهاديين والجماعات الإسلامية المتواجدة في الشمال، وينتشر فيهما ايضاً المئات من مقاتلي الحزب واغلبهم من السكان المحليين.

في ريف حمص الجنوبي تقع بلدة (صدد) والتي تعتبر ايضاً موقعاً شعبياً لمقاتلي الحزب

(ح س ق ا) وسكانها الأصليين من المسيحيين السريان، وورد ذكرها عدة مرات لأنها كانت هدفاً لاعتداءات القاعدة وحلفائها بالإضافة الى الدولة الإسلامية واستطاع هؤلاء من السيطرة عليها بدءاً من 21 وحتى 28   من شهر تشرين الأول عام 2013 وأشارت جمعية حقوق الانسان حينها الى جريمة قتل 46 شخص من السريان في البلدة، بعضهم تم رميهم في بئر، كما جرى نهب الكنائس، وعرف ان 41 من القتلى كانوا من المدنيين بما فيهم 14 امرأة واثنين من الأطفال، وتمكن الجيش السوري من دفع المعتدين خارج البلدة بعد مواجهات عنيفة.

وبعد عامين وفي نهاية شهر تشرين الأول وبداية شهر تشرين الثاني من عام 2015 هجمت عناصر من الدولة الإسلامية على (صدد) بعد استلاءهم على بلدة (مهين)، الا ان السكان المحليين وبدعم من الجيش السوري بالإضافة الى 500 مقاتل من المسيحيين السريان بينهم 200 مقاتل من الحزب (ح س ق ا) و 200 مقاتل إضافي من ميليشيا (السوتورو) القادمين من مدينة (القامشلي) تمكنوا من صد هجوم المعتدين وكانت عملية استخدام عناصر (السوتورو) خارج مجال نشاطهم المتمركز في القامشلي تعتبر اول حادثة من نوعها في الصراع داخل سوريا، اذ تم نقل هؤلاء المقاتلين من القامشلي في شرق سوريا والقريبة من الحدود العراقية التركية الى (صدد) بواسطة طائرة شحن روسية.

ادناه صورة لمقاتلين من (السوتورو) في صدد يساهمون في عملية الدفاع. وفي يمين الصورة يظهر علم (قوات حماية “غوزارتو”) المركب من اعلام المجموعتين السريانيتين (حراس الخابور) و (وحدات حماية سهل نينوى) العراقية.

picture3

لمحات من تاريخ الاستبداد في سوريا

بقلم (كريستوفر سولومون) – 27 أيلول 2016

picture1

العقيد (اديب الشيشكلي) مع ضباط من الجيش السوري في عام 1953. على يساره في الصف الأمامي يجلس رئيس الدولة (فوزي سلو) والعقيد (عزيز عبد الكريم). في الصف الخلفي وبالنظارات يجلس العقيد (امين أبو عساف) ثم (رياض كيلاني) و (محمود شوكت).

مرّ 52 عاماً على اغتيال قائد سوري كان يعيش في المنفى، في قلب البرازيل. في الوقت الذي يتابع فيه المراقبون الوضع السوري في محاولة لفهم الحرب الطاحنة التي تدور في ذلك البلد، والمرحلة التي عاش فيها (اديب الشيشكلي) قد تلقي بعض الضوء.

ان العلم الحالي الذي ترفعه أطراف المعارضة السورية والذي يتميز بألوانه الثلاثة، الأخضر والأسود والأبيض بنجومه الثلاثة الحمراء هو نفسه الذي كان يرفرف في الأجواء السورية منذ الاستقلال وحتى الخمسينيات وهي فترة تميزت بالاضطرابات والدسائس والانقلابات العسكرية والتجارب الاولى في الديمقراطية والحكم الاستبدادي. وفي قلب تلك المرحلة عاشت شخصية سياسية قوية نادراً ما تذكر اليوم..

هي شخصية (اديب الشيشكلي).

بينما ينهمك السياسيون في كثير من العواصم الغربية اليوم بالتعاطي مع العنف المستمر والمدمر في سوريا فان الارث الذي تركه الشيشكلي والدروس التي تعلمنا إياها تلك الفترة تستحق ان نتذكرها الآن.. عن حكم الشيشكلي لسوريا، وعن الاتجاهات السياسية حينها.. عن علاقته بالحزب القومي السوري، والاطاحة به لاحقاً، كلها قضايا بإمكانها ان تزودنا حالياً بمؤشرات عما يمكن ان نتوقعه والصراع الدائر في سوريا دخل في عامه السادس.

 

الانقلابات، والاستقرار، والاستبداد

 

الشيشكلي كردي سوري من حماة خدم ضمن الجيوش العربية التي شاركت في الحرب العربية- الإسرائيلية عام 1948، واكسبته اعماله البطولية على جبهة القتال اهتمام القادة العسكريين. وعرف عنه بكونه شخص لا ينجر الى تيار أيديولوجي معين ويجالس العديد من النشطاء السياسيين الشباب في نادي الضباط بدمشق، كما عرف عنه صلاته القريبة من اتباع (أنطون سعادة) في (الحزب القومي السوري) والمعروف حينها أيضا باسم (الحزب الشعبي السوري)، كما ان مشاركته في النشاطات التي تؤججها الأفكار القومية والموجهة ضد الفرنسيين كعملية احتلال قلعة حماة عام 1944 زادت من سمعته كرجل مهمات.

تعاقبت على سوريا بعد الاستقلال سنوات من الاضطرابات السياسية وشهدت بروز قيادات حكمت البلاد وبرزت شخصيات وطنية مثل شكري القوتلي، ومرّت عليها لاحقاً نزاعات سياسية بين الكتلة الوطنية وبين حزب الشعب المؤيد للعراق وكان مركزه حلب، بالإضافة الى الكثير من دسائس (الحزب القومي السوري) ومنافسه الرئيسي من تنظيمات الطلبة التي هيمن عليها حزب (البعث)، ولقد مهدت هذه الأوضاع الى سلسلة من الانقلابات العسكرية هزت البلاد وحولتها الى دولة مارقة.

 جاء الشيشكلي الى مركز السلطة عام 1950 بالانقلاب العسكري الثالث الذي فرض استقرارا مؤقتاً ولمدة قصيرة، وكان الشيشكلي قبل ذلك قد ايد حسني الزعيم الذي قاد الانقلاب العسكري الأول بعد استقلال سوريا في آذار 1949، ولكن الانقلاب الذي حمل الشيشكلي الى السلطة يبقى العلامة الفارقة على دخول الجيش التام لعالم السياسة في بلد عربي، وفتح الطريق امام جيوش المنطقة وشهيتها نحو تذوق طعم مكاتب الرئاسة. ويعتبر البعض ان ما ينجم عن ذلك له فوائده، فقد وجه نظام الشيشكلي ضربة لتفشي الجريمة وسيطر بقوة على الحدود السائبة، كما سعى لتحديث الجيش النظامي، واستغل بشكل جيد قوة وتأثير الراديو والاذاعة مثلما عرف عنه في المنطقة، وحتى قبل قدوم الرئيس المصري (جمال عبد الناصر)، حماسته وولعه بفن القاء الخطب التي كانت تنقلها أمواج الاذاعة. كان الشيشكلي اول قائد في المنطقة العربية بعد نيل الاستقلال يكرّس عبادة الشخصية حيث كانت صوره تظهر في نوافذ كل الحوانيت داخل سوريا وحرص على تأسيس أول وزارة مختصة بالأعلام والدعاية. كما كان جواسيسه وعملائه الأمنيين ينتشرون في كافة انحاء البلاد لمراقبة أي نشاط محتمل معاد له، وقام بإلغاء كافة الأحزاب السياسية وعلى رأسها الأحزاب الدينية. وقبل قيام النظام في مصر بممارسة لعبة القط والفأر بوقت طويل مع (الاخوان) حظر الشيشكلي على (الجبهة الإسلامية الاشتراكية) القيام بأي نشاط سياسي، ولهذا تمت اقالة (معروف الدواليبي) كوزير للاقتصاد لعلاقته ب (الإخوان) والمقرب من (حزب الشعب) في مدينة حلب.

picture2

بعد عودته من مصر استقبل الشيشكلي في المطار من قبل الضابط (عدنان المالكي) المؤيد لحزب البعث، والذي قدم للشيشكلي مطالب تتعلق بإجراء إصلاحات سياسية، فطلب الشيشكلي من المالكي ان يزوده بأسماء كل من شارك في المواجهات الذين القي بهم في السجن.

ورغم حملات القمع التي قام بها الشيشكلي فهناك من يستعيد بذاكرته تلك الفترة بشيء من الولع ويذكر بالخطوات الطليعية التي تم تنفيذها اثناء فترة حكمه، كإقامة (معرض دمشق الدولي) عام 1954 وهو مشروع كان يطمح الى تقديم صورة براقة عن البلاد، ونفس الأمر مع بناء مرفأ (اللاذقية)، ثم هناك المعلّمة (ثريا الحافظ) وهي المرأة الأولى التي جلست في البرلمان عام 1953. ولكن بقي السوريون في رهبة من حكمه حتى بعد الاطاحة به.

 هكذا يتشدق ايضاً نظام الأسد بكونه حافظ على هالة الاستقرار والحداثة والسلوك العصري نحو النساء في كل المناطق التي يسيطر عليها، رغم كونه جزءاً مما يسميه محور (الممانعة) الايراني، ويدعي تبني العلمانية لجلب تأييد الأقليات الدينية الأخرى في سوريا والشرائح السنية التي لا تريد للمتطرفين الإسلاميين ان يسيطروا على الحياة العامة في البلاد، والغريب كيف يتماشى ادعاؤه للعلمانية مع دعوته لمليشيات ولاية الفقيه التابعة ل (حزب الله) اللبناني ودعوة الميليشيات الأخرى لملالي إيران والعراق (العلمانيين) لإنقاذ سلطته المتهاوية من ثورة الشعب السوري.

التوجهات الإقليمية والدولية

 

ما زال لعبارة الشيشكلي عام 1953 لها حضور راهن والتي قال فيها:” ان (سوريا) هو الاسم الرسمي لدولة تقع داخل حدود مصطنعة رسمتها الامبريالية.”

 لقد تعرضت حدود الدولة السورية وبشكل مستمر الى نوبات من المحاولات الانفصالية او الى محاولات اختبار من دول مجاورة، والأمثلة التاريخية تتضمن (مرتفعات الجولان) ولواء الإسكندرون ثم منطقة الإدارة الكردية. ويطرح بعض المحللون اليوم موضوع الدولة العلوية ايضاً في نفس هذا السياق. ومثلما ادت النزاعات السياسية والعرقية الداخلية الى زعزعة الاستقرار، حصل نفس الأمر بالنسبة للنزاعات السياسية الإقليمية التي لم تكن في أيام الشيشكلي سوى سباق للهيمنة بين العراق والحكم الهاشمي المدعوم من بريطانيا والتحالف المصري السعودي.

اما الغرب فكان ينظر الى (سوريا) من خلال الحرب الباردة والمعركة ضد الشيوعية، واستمرت فرنسا في سعيها لضمان نفوذها داخل مستعمراتها السابقة بهدف كبح جماح البريطانيين. وبغض النظر عن العملية الانقلابية وحكومة الشيشكلي العسكرية، فقد عرف عنه رغبته في الحفاظ على استقلال سوريا وسيادتها في فترة اشتد فيها النفوذ الغربي في المنطقة، فتهرّب من تلقي المساعدات العسكرية من إدارة (ايزنهاور) في نفس الوقت الذي حافظ فيه على سوريا بعيداً عن الكتلة السوفييتية. وكان مشروع (الهلال الخصيب) الذي يشار اليه ايضاً باسم (حلف بغداد) هو المحرك الرئيسي في التوجه السياسي لمنطقة الشرق الأوسط. وامتد حينها مجال النفوذ البريطاني الى العراق وكان الهدف هو الغاء الحدود الاصطناعية، وهو احتمال يعكس مدى التهديد الغربي الكامن وراؤه دفع القوى الوطنية داخل سوريا الى الابتعاد عن أي تقارب محتمل بين دمشق وبغداد.

جابهت الحكومة المركزية الضغوط المفروضة من جهات متعددة، ومع انتهاء حكم الشيشكلي كانت مدينة (حمص) تحتل المركز الرئيسي للنشاط المناهض للشيشكلي. وكان يعتقد ان الدروز هم الذين يشكلون التهديد الأكبر لنظام حكمه، اذ اشتهر بجهوده التي بذلها للجم العشائرية وانتشارها بين الدروز في جنوب سوريا، ولن يغفر له الدروز العدوان العسكري وعمليات القصف التي شنّها على جبل الدروز، مما دفع العديد من الضباط الدروز وهم العمود الفقري في التحالف المدعوم من قبل العراق لكي يتآمروا ضده.

لا يزال حتى الآن التحريض الإقليمي يلعب دوراً في كل مناطق سوريا، وتحتل حلب الموقع الرئيسي في نشاط القوى المناهضة للأسد، بالإضافة الى ان السنوات الطويلة التي كان حزب البعث يمارس فيها سياسة التعريب القسرية نحو الأكراد وما تركته من آثاراً مؤلمة. اصطدم الأكراد مع أنصار الأسد مرارا عديدة في مدينة الحسكة، كما ان العنصر الرئيسي في استراتيجية الدولة الإسلامية لاستقطاب السنة من داخل الثورة السورية هو مواصلة تطبيق أيديولوجية تدمير الحدود القائمة من أجل إنشاء دولة الخلافة الإسلامية.

ولتثبيت وترسيخ السلطة في سوريا، اكان ذلك انطلاقاً من دمشق او الرقة، يلجأ القادة الصوريون الى طرح تصوراتهم عن القوة من منطلق استبدادي ومن وجهة نظر الطاغية ورغبته في الاحتفاظ بموقع السيادة في الدولة. ومثلما واجهه الشيشكلي صعوبات لتطبيق سياسته خلال فترة حكمه يواجه الأسد نفس الأمر اليوم.

الشيشكلي والحزب القومي السوري الاجتماعي وحركة التحرير العربية

 

لقد تمتع الحزب القومي السوري بشعبية واسعة في سوريا أيام حكم الشيشكلي، ولم تبدأ أيامه في التدهور السياسي الا بعد سقوط الشيشكلي. وطالما اعتبر لبنان منطقة اختباء ولجوء للساسة المنفيين، كميشيل عفلق، الايديولوجي المنظر لحزب البعث، والذي عاد الى سوريا ليطلق عنان الانتقام على الحزب القومي السوري بعد سقوط الشيشكلي. وبعد اغتيال نائب رئيس الأركان العامة في الجيش السوري العقيد (عدنان المالكي) على يد الرقيب (يونس عبد الرحيم) وكان من اتباع الحزب القومي السوري، الذي انتحر ووضع الحزب على أثرها ضمن القائمة السوداء واجبر على نقل نشاطه نحو العمل السري مع صعود بريق حزب البعث.

كان الحزب القومي السوري موضع ترحيب من قبل الشيشكلي خلال العام الأول من حكمه، ولكنه امتنع عن تبني العقيدة المركزية لذلك الحزب والتي تتخيل قيام كيان سوريا الكبرى الموحدة عوضاً عن الوحدة العربية كما يتخيلها حزب البعث، وتوصل الشيشكلي الى تأسيس حزبه الخاص وسماه (حركة التحرير العربية) عساه يحصد شيئاً ما في حال سيره بهذا التوجه. ورغم عدم وجود أي علاقة أيديولوجية بين الحزب القومي السوري (ح ق س) وبين حركة التحرير العربي ( ح ت ع) الا انه يوجد نفوذ كبير للتنظيم الأول على تنظيم الشيشكلي من حيث تركيب الحزب والتحية والتسلسل الهرمي للسلطة، كما ان (ح ت ع) كان ينشط باتجاه تبني فكرة الوحدة العربية، بينما (ح ق س) كان يؤكد على فهمه الخاص للقومية بما تتضمنه من مكون اسطوري، ووحدة الكيان السوري المتخيل.

لقد اختفى هذا الحزب (ح ت ع) من الحياة السياسية في سوريا. في عام 1954. وبعد رحيل الشيشكلي قام رئيس الجمهورية (هاشم الأتاسي) بالتقاط ما تبقى من تركة الشيشكلي دون ان يحظر نشاط الحزب بل سمح لسكرتير (ح ت ع) (مأمون الكزبري) بالترشح الى البرلمان حيث فاز بمقعد في الانتخابات، لكن الحزب انتهى سياسياً في نهاية المطاف مع بداية الوحدة بين مصر وسوريا، اذ لم يكن بمقدوره الاستمرار والبقاء دون الشيشكلي

picture3

                                                                           نساء في تنظيم (ح ت ع) عام 1953

يوجد اليوم بعض المعالم التي تذكر بهذا التنظيم (ح ت ع) وبالإمكان مشاهدتها، ومنها الساحة الرئيسية في دمشق على مداخل الأحياء المسيحية والمسماة (ساحة التحرير) تيمنا باسم التنظيم (حركة التحرير العربي).

وسمح بدفن الكزبري، الذي كان قد استلم سابقاً منصب رئيس الوزراء، في مدينة دمشق حين وفاته عام 1998 وجرت مراسيم الجنازة في احتفال شبه رسمي. وحتى عام 2016 كانت صوره ما تزال معلقة داخل القاعة الرئيسية للبرلمان السوري تقديراً لدوره كناطق باسم البرلمان في فترة حكم الشيشكلي.

picture4

تجمع لحركة التحرير العربي عام 1953

انحدرت شعبية الحزب القومي السوري وواجه الملاحقة حتى عام 1960 حين بدأ لبنان بإطلاق سراح قادة الحزب من السجون، ثم باشر الحزب بإعادة بناء صفوفه خلال السبعينيات والثمانينات من القرن الماضي، واثناء الحرب الأهلية اللبنانية قام الحزب بمد جسور الصداقة مع حافظ الأسد واستفاد من تلك العلاقة لاحقاً، فالحزب عاد للظهور عسكريا مع الحرب الدائرة في سوريا حيث تنشط ميليشياته في القتال دفاعا عن نظام الأسد الى جانب الميليشيات الايرانية وحزب الله والميليشيات العراقية.

اما حزب البعث فقد حافظ على ازدرائه للشيشكلي معتبراً إياه عميلاً اجنبياً، ولا يوجد اية إشارة الى الشيشكلي في نشرات (ح ق س) لأن ذلك كان سيثير عداء الدروز السوريين والبعثيين مما سيؤثر على تحالفهم في الدفاع عن النظام السوري.

picture5

عصام المحايري رئيس (ح ق س) الى اليمين (بالنظارات) في جلسة للبرلمان

ما زال الجيل القديم من (ح ق س) يتحدث بنوع من الحنين والولع عند التطرق الى الشيشكلي خلال الأحاديث التي تجري في الأماكن الخاصة. وذكر سامي مبيض الذي أنشأ مؤسسة دمشق التاريخية “لقد تنازل (عصام المحايري) عن رئاسة الحزب عام 2015 وكان صديقاً مقرباً من الشيشكلي. وفي مقابلة من أربعة أجزاء مع قناة (الدنيا (الشبه رسمية عام 2010، تحدث المحايري بإيجابية عن الشيشكلي، وتم بث كلماته على التلفزيون الرسمي دون مراقبة”.

وتفتخر قيادة (ح ق س) بحقيقة ان الشيشكلي وشقيقه صلاح كانا من أوائل المنتمين الى (ح ق س) مع أكرم الحوراني الذي أصبح في فترة لاحقة أحد الأعضاء البارزين في حزب البعث. ورغم ان الشيشكلي لم يلعب دوراً ايديولوجياً في (ح ق س) واقتصر تأثيره على الحماس العاطفي، ولكن الاحتفاء به كشخصية هامة ومتميزة في الحزب بقي مستمراً، ومع ازدياد نفوذ الحزب في ظل بشار الأسد فقد يعاد تأهيل الشيشكلي في الذاكرة العامة للدولة.

كما ويراهن الحزب على فوز الأسد الذي سيتيح له حينها دورا مركزياً في مستقبل سوريا، لذلك يشارك بميليشياته الى جانب الميليشيات العراقية وحزب الله وشبيحة النظام للحفاظ، وبأي ثمن، على سلطة الأسد. ومع توافد الأضرار القادمة من الدول المحيطة يمكن القول ان مفهوم البعث عن العروبة والقومية العربية الواحدة أصبح اليوم في (خبر كان).

سقوط الشيشكلي عام 1954 والارث الذي تركه في سوريا 

بدأ الشيشكلي بتقليص دور الجيش في الحياة السياسية السورية كمحاولة منه لإعطاء الشرعية لحكمه، ونتيجة لذلك لجأ العديد من الضباط ممن شعروا بالإحباط والحرمان الى موقع خصوم الشيشكلي السياسيين.  وبمساعدة العراق تمكنت فصائل عسكرية من ان تجمع نفسها في جبهة واحدة نجحت بالإطاحة به، وبعد استيلاء البعث على السلطة تم بذل كل الجهود لانتزاع وجود الشيشكلي من الذاكرة الجماعية السورية، وكذلك لاقتلاع اسمه من التاريخ السوري، مع انه يبقى في الردهات الخاصة وفي بعض الأوساط شخصية سورية مرموقة.

 وذكر سامي المبيض ايضاً ” لم يرد ذكر الشيشكلي في الكتب المدرسية ضمن كافة المستويات الدراسية، كما لا يرد ذكره على شاشة التلفزيون باستثناء مرة واحدة من خلال المسلسل التلفزيوني “حمام القيشاني” الذي انتج في التسعينيات وقام حينها الممثل “أسامة الروماني” بأداء دور الشيشكلي، كما لم ينشر سوى كتاب واحد عن الشيشكلي في سوريا منذ استقالته عام 1954 وتناوله تناولاً عادياً جداً.”  ولا يوجد في دمشق أي نصب او لوحة تذكارية تحمل اسمه، حتى ان التاريخ الرسمي للقصر الرئاسي والذي أشاده الشيشكلي على رأس شارع (أبو رمانة) تحول اليوم الى مكتب نائبة رئيس الجمهورية (نجاح العطار) يبقى تاريخه حتى الان مبهماً، وهو نفس القصر الذي أعلن (جمال عبد الناصر) من شرفته عن الوحدة المشؤومة بين مصر وسوريا.

لم يعود الشيشكلي الى منصب الرئاسة في سوريا منذ ان تركه عام 1954. ومع ذلك توجد حالتان خطط فيهما الشيشكلي للعودة الى السلطة، الأولى كانت كما تم الكشف عن ذلك، بعد مغادرته مباشرة حين أراد ان يحول اتجاه الطائرة نحو بيروت تلبية لرغبة مؤيديه والحاحهم عليه بالعودة. وقد عرقلت هذه الجهود وزارة الخارجية الأمريكية وجرى حرمانه من الهبوط في مطار بيروت الدولي.

picture6

صورة للشيشكلي في منفاه بالبرازيل قبل أيام من اغتياله

أما الحالة الثانية فقد حصلت بعد سنوات قليلة من الأولى وذلك عندما قام الحزب القومي السوري بجولة من الاجتماعات السرية في بيروت مع الشيشكلي، وشقيقه (صلاح) بالإضافة الى مجموعة من مخططي انقلاب يجري تدبيره، غير ان الشيشكلي، الرجل العسكري المحترف، عرف من خبرته ان المخطط لن يلقى تأييد الجيش السوري، فقرر التخلي عن المشاركة.

الانتخابات التي تلت بعد أربع سنوات من دكتاتورية الشيشكلي جلبت معها الوحدة المصرية السورية القصيرة الأمد، وجلبت مع ختامها ايضا الخلافات والنزاعات التي فاقمها تشرذم الجيش وتحوله الى فصائل متشاحنة بعد غياب الشيشكلي. ثم برزت مجموعات من الضباط شكلوا لأنفسهم شبكاتهم السرية تحت رعاية القيادات السياسية. ودفعت المصالح المشتركة الى قيام تحلف بين حزب البعث بقيادة (عفلق) والحزب الشيوعي السوري لإقامة مرحلة جديدة من حكم استبدادي أوصل البلاد الى الانقلاب الذي قاده البعثيون الجدد في عام 1966 وكان المقدمة لوصول سلالة الأسد الحالية الى السلطة.

عند تقييم تلك المرحلة من تاريخ سوريا المقترنة بحكم الشيشكلي، من المهم ان يتذكر المرء، لا سيما مع تصاعد اخبار الثورة، انه كان بإمكان الشيشكلي اللجوء الى القوة (فهو كان يتمتع بولاء عدد من الفصائل العسكرية بما فيها كتائب مدرعة) ولكنه آثر التنازل عنها لصالح الانتقال الى المنفى الذاتي وتجنب حرب اهلية. ومن المحتمل انه أدرك ان سوريا بأساسها السياسي الهش والخصومات الإقليمية المحيطة ستكون

خطرا يهدد البلاد لأمد بعيد. وهذا الخوف الذي حاول ان يتجنبه الشيشكلي هو الذي يهيمن اليوم بكل طاقته على الأرض السورية.

وبالنسبة للسوريين اليوم الذين مازالوا يتذكرونه فقد كان الشيشكلي قائدا سبب الكثير من الانشقاقات والخلافات، وينظر اليه البعض على انه داعية للتغيير او هو دكتاتور يجب ازدراؤه. لقد تم اغتيال الشيشكلي في بلدة (سيرس) في البرازيل على يد شاب درزي هو (نواف غزالة) عام 1964 انتقاما لجرائم الشيشكلي ضد الدروز في حملته العسكرية على جبل العرب.

يبقى السوريون محصنون ضد احتمال التدخل الأجنبي، وبالنسبة للأسد فان المحافظة على استقلال سوريا من النفوذ الأجنبي يبقى العامل الأساسي لمقاومة الاندفاع نحو المفاوضات في (جنيف) وفكرة الانتقال السياسي كما تدل تصريحاته التي أطلقها خارج جامع في (داريا)، ثم ان زيادة اعتماده على (روسيا) و (ايران) ينظر اليه من قبل أنصاره على انه تعبير عن صداقة حقيقية وليس واضحاً بعد كيف ستكون وطأة تأثيرهما على الوضع السوري فيما تبقى من مجرى الحرب الدائرة.

استطاع الشيشكلي ان يرضي مصر والسعودية وسمح لفرنسا بالاحتفاظ بنفوذ رمزي داخل البلاد، ومثلما منح الأسد لروسيا وايران تأثيراً في البلاد والمنطقة، كذلك الأمر بالنسبة للشيشكلي الذي عرف كيف يستغل اللاعبين في المنطقة للإبقاء على سوريا على الحياد اثناء الحرب الباردة لحماية استقلال البلاد، وكانت العراق الأداة الرئيسية لتأجيج الاستياء الداخلي وتنظيم القوى التي وحدت صفوفها ضده.