الماركسية… وسرير بروكوست (1)

الماركسية… وسرير بروكوست (1)
محمود أمين العالم

العالم: “سيرورة التاريخ عند ماركس يتحرر فيها الناس بانفسهم من الضغوط والقيود الطبيعية والاجتماعية، انه تحقيق للذات وتفتح متطور لا نهاية له، وليس مغلقا على غاية محددة” – في الصورة: مظاهرة لعمال فلسطينيين يرفعون مطالب نقابية طبقية

*لقد حوربت كتب ماركس وصودر في اغلب الاوقات المترجم منها طوال السنوات السبعين الماضية. ولهذا لم يتم حوار عربي فكري حقيقي علني مجتمعي حول الماركسية مما كان من الممكن ان يغني ثقافتنا وينمي معرفتنا الموضوعية والنقدية بها، ولعل اغلبنا قد اكتفى او لم يجد امامه الا بعض ما ترجم من كتب ماركسية اغلبها ترجمة ركيكة، او تبسيطات وملخصات مرت على المصفاة السوفييتية الايديولوجي

* لهذا، فلنعترف ان معرفتنا الحقيقية بالماركسية معرفة محدودة مسطحة هشة، ولا شك ان هذه المعرفة المحدودة المسطحة الهشة بالماركسية هي امتداد لمعرفتنا النظرية العامة التي تتسم بالمحدودية والتسطيح والهشاشة. فما اشد ضعف وتخلف الفكر النظري عامة في ثقافتنا العامة*

نلتقي ونتناقش حول ازمة الماركسية فكرا وتطبيقا، ونحن جميعا، وبغير استثناء وبدرجات متفاوتة نسبيا، لا نملك المعرفة الحقيقية العميقة بالماركسية. ليس الامر مجرد عيب ذاتي فينا، في مثقفينا. فقد يكون بينهم من عرف الماركسية معرفة نظرية طيبة، واستوعب مراجعها الاساسية، انما هو عيب موضوعي كذلك.
فماركس لم يترجم ترجمة كاملة شاملة في لغتنا العربية، أي انه حتى اليوم لم يدخل في ثقافتنا العامة فضلا عن انه لم يجد طريقه بشكل موضوعي في اعلامنا، وتعليمنا ومدارسنا وجامعاتنا وحتى مجلاتنا وكتاباتنا العلمية الا في صورة عكسية او ضدية في اغلب الاحيان . لقد حوربت كتبه وصودر في اغلب الاوقات المترجم منها طوال السنوات السبعين الماضية. ولهذا لم يتم حوار فكري حقيقي علني مجتمعي حول الماركسية مما كان من الممكن ان يغني ثقافتنا وينمي معرفتنا الموضوعية والنقدية بها، ولعل اغلبنا قد اكتفى او لم يجد امامه الا بعض ما ترجم من كتب ماركسية اغلبها ترجمة ركيكة، او تبسيطات وملخصات مرت على المصفاة السوفييتية الايديولوجية.
ولهذا، فلنعترف ان معرفتنا الحقيقية بالماركسية معرفة محدودة مسطحة هشة، ولا شك ان هذه المعرفة المحدودة المسطحة الهشة بالماركسية هي امتداد لمعرفتنا النظرية العامة التي تتسم بالمحدودية والتسطيح والهشاشة. فما اشد ضعف وتخلف الفكر النظري عامة في ثقافتنا العامة.
لست اتحدث عن المعرفة النظرية في حدودها الفردية، وانما في افقها المجتمعي عامة، افق الثقافة السائدة، ان الفكر النظري لم يتح له التطور والتعمق في مجتمعنا وثقافتنا سواء في ظل الاحتلال البريطاني منذ 1882 حتى 1952. او منذ 1952 حتى الآن، لقد غلب الفكر العملي البرغماتي، او الفكر النظري الانتقائي او التوفيقي.
والغريب ان يكون هذا هو مصير الفكر النظري الماركسي في مصر رغم نشأة الحركة الشيوعية المصرية منذ بدايات القرن العشرين وهي قضية جديرة بالدراسة في بعديها الذاتي والموضوعي.
واليوم نحن نلتقي لنتساءل عن حقيقة الماركسية وعن مصيرها وعن ازمتها، وعن دلالتها في مجتمعنا وفي عصرنا . وتساؤلاتنا واجاباتنا ستكون بالضرورة محدودة بحدود معرفتنا بالفكر الماركسي كما ذكرت من قبل. ولهذا قد يكون من المفيد ان نحدد اولا بعض المعالم الاساسية للماركسية حتى يستند حوارنا ونقاشنا على اسس واضحة، مهما كانت هذه الاسس محدودة ومجزأة.
ولهذا قد احرص على ان اقول منذ البداية وقبل دخولنا في الموضوع، اننا احوج ما نكون الى توافر ترجمة عربية صحيحة كاملة لمؤلفات ماركس، فضلا عن العناية بدراستها دراسة معمقة في ضوء خبراتنا الخاصة فضلا عن مختلف الخبرات العلمية العالمية حولها التي توافرات طوال السنوات الماضية. \

// تأريخانية الماركسية
الماركسية ليست كل ما قاله ماركس، فلقد عالج ماركس قضايا متعددة وبمستويات مختلفة وعبر مراحل زمنية ومتنوعة. ولم تتشكل ما نسميه بالماركسية دفعة واحدة، بل تمت وتحددت عبر خبرة طويلة من المعرفة الفلسفية والعلمية والممارسات النضالية والعملية. وقد نتبين في بعض مفاهيمها اختلافات في التركيز على بعض الجوانب او في بعض الدلالات.
ولهذا فقد تكون النظرة التاريخية والموضوعية لماركسية ماركس، هي متابعة تطوره الفكري لا من حيث ما جاء في كتاباته ومواقفه فحسب، بل من حيث علاقة هذه الكتابات والمواقف بالسياق الاجتماعي والتاريخي والثقافي الذي نشأ وعاش فيه وتأثر به.
فبهذا تكون دراستنا ماركسية حقا للماركسية، فماركسية ماركس هي ثمرة اوضاع تاريخية واجتماعية وفكرية محددة الا ان ما يسبغ عليها صفة النظرية، أي اعتبارها ماركسية لا مجرد كتابات ماركس، هو ارتفاعها من مستوى القراءة الوصفية للواقع الآني في عصره، الى التحديد العلمي والفلسفي والتوجيه العملي المستخلص من هذا الواقع والذي يصلح ان يكون رؤية شاملة، وفاعلية مؤثرة في حركة الواقع في عصره، وفي تغييره تغييرا جذريا ذا طابع انساني مستقبلي شامل. هذا معنى انها نظرية أي انها نسق متجانس مترابط موحد من الافكار التي تسعى لتفسير المشاكل الاساسية التي تواجهها الانسانية وتتضمن منهجا لحلها او لحل جانب منها.
// تعدد وتنوع مصادر الماركسية
وفي تقديري ان الذي يميز هذه النظرية عن غيرها من الانساق النظرية والفلسفية السابقة امور ثلاثة: الاول : انها تستمد عناصرها ومعطياتها وبالتالي قوانينها من الدراسة العلمية العينية الملموسة للواقع الاقتصادي والاجتماعي الفكري والصراعي فضلا عن حركة التاريخ عامة. فهي ليست مستخلصة من افكار ونظريات او عقائد او مرجعيات او خبرات سابقة، وان تكن تتمثلها وتستلهمها بغير شك، وانما تستمد افكارها من الوقائع كما ذكرنا فضلا عن الخبرة العملية والممارسة النضالية.
الامر الثاني: هو انها ليست مجرد نظرية معرفية علمية تستمد صدقها من الدراسة العلمية الموضوعية وانما تتضمن كذلك موقفا موضوعيا كنظرية، لتغيير الواقع تغييرا جذريا لاقامة واقع مغاير يتخلص فيه الانسان من الفقر والقهر والاستغلال وتتفجر فيه انسانيته الابداعية وتتوافر له الحرية الحقيقية.
الامر الثالث : انه ليس بين الامر الاول والامر الثاني فواصل او مسافات، بل هما متداخلان متفاعلان فالمعرفة لا تهتم بالفكر المجرد التأملي وانما بالبحث العلمي من ناحية، والفاعلية والممارسة العملية الانسانية من ناحية اخرى، ان الممارسة العملية تتم وفق هذه المعرفة، وان تكن الممارسة مصدرا اساسيا في الوقت نفسه لهذه المعرفة. ولعلنا نجد هذه العلاقة بين المعرفة والممارسة منذ وقت مبكر في اطروحات ماركس عن فيورباخ التي كتبها عام 1845. وتأسيسا على هذا فالماركسية تقف من حيث جوهرها ضد امرين: ضد التجريد المطلق من ناحية وضد التجريب البرغماتي الجزئي من ناحية اخرى، وبالتالي ضد أي فكر عقائدي دوغماطيقي غير نقدي وغير علمي وضد أي ممارسة تقوم على هذا الفكر..
ولو تتبعنا تطور فكر ماركس لوجدناه ينتقل من الايديولوجيا الهيغلية الى الاقتصاد السياسي عبر المشاركة النضالية السياسية.
ولهذا، في تقديري المتواضع، ومع احترامي لقول لينين بالمصادر الثلاثة لفكر ماركس وهي: الفلسفة الالمانية عامة والهيغلية خاصة، والاشتراكية الفرنسية الطوباوية والاقتصاد السياسي الانجليزي، وانها اكتمال لهذه المصادر، فانني ارى ان الماركسية ليست مواصلة واكتمالا لهذه المصادر على حد تعبير لينين، بل هي نقد لها وقطيعة معها وخروج عليها. وبهذا المعنى، وليس بمعنى الاكتمال، تكون هذه التيارات الفلسفية والسياسية والاقتصادية في مصادر الفلسفة الماركسية. الا ان هناك مصادر موضوعية اخرى قد تكون هي الركائز المرجعية للماركسية، هي في تقديري التطورات العلمية في مجال الفيزياء وفي مجال علمي التاريخ والاجتماع، فضلا عن التغيرات القومية والاجتماعية والاقتصادية وما صاحبها من صراعات منذ بداية عصر النهضة واندلاع الثورة الفرنسية وبخاصة الصراعات الطبقية وبروز الطبقة العاملة في مواجهة السلطات البرجوازية الجديدة.
اما من الناحية الفلسفية فلا شك في تأثر ماركس تأثرا نقديا بهذه المصادر الثلاثة وبخاصة فلسفة هيغل وتجاوزه لها، الى جانب ثقافته الانسانية الواسعة لمختلف المجالات والتيارات الفلسفية والاجتماعية والاقتصادية والعلمية. بل لعل بعض الدراسات الجديدة للماركسية تتكشف تأثرا كبيرا لماركس بفلسفة ارسطو وخاصة فيما يتعلق بمفهوم الوجود بالقوة والوجود بالفعل الذي يكاد ماركس يفسر بها المراحل الانتقالية في التحولات الاجتماعية، الى جانب تأثير فلسفة ابيقور في تطوير مفهوم الحرية.
اردت ان اؤكد تعدد مصادر الفلسفة الماركسية في جوانبها الفلسفية والعلمية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية. ولست اقصد بهذا رصدا تقريريا لمصادر الماركسية، بقدر ما احرص على تأكيد مصادرها المتعددة، وبيان اين تقف الماركسية من التراث البشري عامة، ليكون هذا درسا لنا عندما نتحدث عن الماركسية في العصر الراهن. ان انتقال ماركس من المثالية الالمانية الى الاقتصاد السياسي هو دلالة رمزية موضوعية في آن واحد على انتقال من المجرد للعيني الملموس، او بتعبير آخر من المثالية الى المادية.
على ان مفهوم المادية عند ماركس مفهوم خاص مختلف تماما عن مفهوم المادية عند الفلاسفة السابقين عليه، وبخاصة الفلاسفة التجريبيين الحسيين في الفلسفة الانجليزية (مثل هوبز ولوك وهيوم) او فلسفة الانوار الفرنسية عند هولباخ وغيره. فمادية ماركس لا تعبر عن قوانين مسبقة تقول بان المادة هي الجوهر النهائي لكل شيء، وليست ذات رؤية جزئية حسية خالصة، وانما تعني معرفة الاشياء والوقائع كما هي في تحققها الفعلي لا في تصوراتها الوهمية ولا في جزئياتها المنعزلة. وانما في علاقاتها وتشابكاتها التي تتخذ اشكالا مختلفة وفي تفاعلاتها وحركاتها وتغيراتها وبهذا المعنى كذلك فهي جدلية، وليس في فكر ماركس، هذا الفصل – كما يكتب كثيرا – بين المادية والجدلية.
// جدلية الماركسية
بل ان المادية عنده غير مفصولة عن الجدلية، والجدلية هي جوهر المادية وحقيقتها. فلا مادية بالمعنى العملي الحقيقي في المصادر النظرية الماركسية ان لم تكن جدلية حقا، هناك فكر مادي غير جدلي نجده في الفلسفة الطبيعية القديمة او بعض جوانب الفلسفة الوضعية، وهناك جدلية غير مادية نجدها في الفلسفة المثالية، ولكن المصادر النظرية الماركسية تقول بالطابع الجدلي للوقائع المادية. ولعلنا نجد في كتابات ماركس ما يجعل الجدلية هي اساس المادية وجوهرها، ولهذا قد نجد في كتاباته تعبير الجدلية المادية لا المادية الجدلية.
المهم في هذا كله هو ان المادية الجدلية والجدلية المادية التاريخية وهما ثيمتان نظريتان اساسيتان في الفلسفة الماركسية، لا يمثلان مقدمات مجردة نفرضها على الوقائع فرضا. او نستخلص منها القوانين المتحكمة في هذه الوقائع، وانما نتبينها ونستخلصها بالبحث والدراسة في الطبيعة والتاريخ.
وفي ضوء هذا نحاول ان نحدد العلاقة بين النظرية والمنهج في الماركسية. الماركسية في تقديري نظرية كما هي منهج في الوقت نفسه. وتكاد كل فلسفة وكل نظرية ان يكون لها منهجها المستمد منها. الفلسفة الوضعية مثلا تقول انه لا يوجد في الواقع غير الوقائع الحسية الجزئية، ولهذا ترفض القول بموضوعية الاحكام العامة. ولهذا فان منهجها هو تفكيك التعابير والاحكام العامة تفكيكا الى وحدات لغوية جزئية لاختبار مدى مطابقتها او عدم مطابقتها مع معطيات الواقع الجزئية الحسية.
ولهذا نرى ان الماركسية بمصادرها المادية الجدلية بالنسبة للطبيعة والتاريخ، ترفض التجريدات المطلقة، كما ترفض القول بالجزئيات المنعزلة، وتقول بالوقائع المادية في علاقتها المتشابكة المتفاعلة المتحركة المتغيرة المتصارعة. ولهذا فمنهجها يتسلح بهذه الرؤية نفسها. او بهذه المصادرة النظرية نفسها، ويسعى لكشف هذه العلاقات وتحديد قوانين حركتها، التي قد تختلف باختلاف الوقائع والملابسات الطبيعية والاجتماعية والاقتصادية والفكرية. ولهذا، اسمحوا لي ان أقف لأتحفظ قليلا ازاء تعريف لينين للجدلية بانها علم القوانين العامة للحركة في العالم الخارجي والفكر الانساني، ان مثل هذا التعميم قد يوحي بأن الحركة في العالم الخارجي المادي والاجتماعي والفكر الانساني قوانين عامة. وهذا قول يقيني قاطع يكاد يعيد – وان يكن بشكل مختلف -الواقع الطبيعي والانساني. حقا، ان لينين في العديد من دراساته يختلف مع تعبيره التعميمي السابق هذا، فهو يلجأ دائما الى التحليل العيني للظواهر كشفا عن قوانينها الخاصة، بل لعلنا نذكر تعريفه للماركسية بانها التحليل العيني الملموس للظواهر العينية الملموسة. ان مفهوم المادية الجدلية عند ماركس رغم انه يستند الى مصادر نظرية مادية جدلية فانه منهج لاكتشاف القوانين النوعية المختلفة باختلاف الاوضاع والملابسات والظروف، ولا يقول بشكل قبلي انه سابق على التجربة بالقوانين العامة في العالم الخارجي المادي والاجتماعي والفكر الانساني، ولعل هذه الرؤية الاطلاقية القبلية للجدل هي التي كانت – بعد ذلك – وراء ما يسمى بالـ Dia Mat في الاتحاد السوفييتي الذي صيغ باعتباره الفلسفة الرسمية للحزب والدولة والذي تم تقنينه عام 1934. وسوف نشير الى ذلك فيما بعد.
// دراسة عينية
ليس معنى هذا انتقاء القوانين العامة، ولكن القوانين العامة هي ثمرة الدراسة العينية للوقائع العينية، التي يمكن ان نرتفع بها بالبحث والدراسة الى التعميم الى قوانين عامة التي بدورها قد تختلف في دلالتها باختلاف الملابسات والاوضاع الاجتماعية والتاريخية، أي بتعبير آخر انها لا تُفرض مسبقا ولا تكون لها صفة الاطلاقية والابدية، وانما تكون موضوع دراسة وبحث باختلاف الملابسات والاوضاع.
والواقع ان هذا الفهم الاطلاقي للمادية الجدلية يكمن وراء فهم اطلاقي لمفهوم آخر هو مفهوم الضرورة والحتمية عند ماركس. يقول ماركس في النص المعروف في مقدمة كتابه “مساهمة في نقد الاقتصاد السياسي” ان الناس في انتاجهم الاجتماعي لوجودهم يدخلون في علاقات محددة ضرورية مستقلة عن ارادتهم، علاقات انتاج تتفق مع درجة التطور المحدد لقواهم المادية الانتاجية. ان مجموع علاقات الانتاج هذه تكون البنية الاقتصادية للمجتمع والاساس المادي الملموس الذي يقوم عليه الاساس الفوقي القانوني والسياسي والذي ترتبط به اشكال الوعي الاجتماعي المحددة، ان نمط الانتاج المادي هو الذي يحدد ويشرط سيرورة الحياة الاجتماعية والعقلية عامة. ليس وعي الناس هو الذي يحدد وجودهم وانما العكس، ان وجودهم هو الذي يحدد وعيهم”.
// قراءات جامدة
ان بعض القراءات الجامدة الاطلاقية الشكلية لهذا النص تسارع الى القول بان الوجود الانساني محكوم ومشروط بشكل حتمي بالواقع المادي. وهذا الواقع المادي هو الذي يحدد المسار التاريخي الانساني كله.
على ان القراءة الموضوعية لهذا النص، تكشف منذ بدايته ان انتاج الناس لوجودهم الاجتماعي هو الذي يفضي الى تحقيق علاقات مستقلة عن ارادتهم الفردية. وهذا لا ينفي اولا مشاركتهم في شكل هذه العلاقات وانما يكون بشكل غير ارادي، أي بشكل موضوعي. وهنا تلتقي الممارسة الذاتية بالتشكل الموضوعي، الذي سوف يعود بدوره الى التأثير في الوعي الذاتي، والممارسة الذاتية، بما يفضي بدوره الى اشكال اخرى متطورة من العلاقات.
أي هناك تفاعل بين الذاتي والموضوعي، هناك ضرورة موضوعية تتحقق بالممارسة الاجتماعية، على ان هذه الضرورة الموضوعية يمكن ان تتغير بالوعي الذاتي بها. ولهذا يقول ماركس بوضوح ساطع “ان الناس هم الذين يصنعون التاريخ” ولقد فسر ذلك قائلا “حتى الآن فعلوا ذلك بغير وعي خاضعين لقوى اقتصادية واجتماعية لا يفهمونها ولكنهم قادرون الآن على الوعي”، بها هذه – في تقديري – القيمة الثورية التاريخية الاساسية للماركسية.
ان مقولة الضرورة والحتمية عند ماركس ليست احادية الجانب، وليست لاهوتية، او ميكانيكية او اقتصادية. ان المثل الذي يضربه ماركس للتعبير عن تغير نمط الانتاج بين مرحلة واخرى، بالطاحونة اليدوية، وبطاحونة الهواء، لا تدل على ان العامل الميكانيكي او الاقتصادي هو العامل الوحيد المحرك للتاريخ. ولم يقل ماركس – كما اوضح انجلز – في دراسة خاصة، ان الاقتصاد هو العامل المحدد الوحيد للسيرورة التاريخية.
ان مقولة الضرورة والحتمية تتضمن القول بالعوامل المتعددة المتفاعلة والتي يلعب الوعي الانساني والممارسة الانسانية دورا اساسيا بينها، وان كان للعملية الانتاجية – لا الاقتصاد بالمعنى الميكانيكي الآلي – الدور الحاسم في نهاية المطاف، وهذا ما يجعل مفهوم الضرورة والحتمية في الفكر الماركسي تكاد تكون، ان لم تكن، هي بالفعل مرادفة لمفهوم الامكانية. فالعالم في الماركسية لا يحكمه قانون من التطور الكلي الذي يتوجه نحو غاية معينة، فليس هناك شيء كامن في الطبيعة والتاريخ، أي نوع من العقلانية المحايدة التي تحكم الموجودات والاحداث الفردية وتوجهها توجيها أحادي الاتجاه. ان ماركس يرفض بشكل قطعي هذه الرؤية القدرية للتاريخ. يرفض القول بتاريخ يتبع غاية خاصة مستقلة عن غايات يريدها الناس، فهذه الغاية لن تتحقق الا بمشاركة واعية وارادية للناس الذين يستطيعون في الوقت نفسه تحقيق غاياتهم الفردية في ضوء ادراكهم للظروف الموضوعية القائمة. ان سيرورة التاريخ عند ماركس يتحرر فيها الناس بانفسهم من الضغوط والقيود الطبيعية والاجتماعية، انه تحقيق للذات وتفتح متطور لا نهاية له، وليس مغلقا على غاية محددة.
// الحتمية العلمية
حقا، ان كل شيء يتحقق وفق قوانين محددة، وفق علل محددة، وهذا ما يمكن تسميته بالحتمية العلمية، التي تستبعد كل ضرورة مفارقة من خارج التجربة الانسانية، وكل علة غائية نهائية. ان ما يميز هذه الحتمية هي انها لا تستدعي الا الاسباب والعلل الفاعلة والشروط المحددة في التجربة، والعلل والشروط المحددة لها، وهي علل وشروط انسانية واجتماعية وتاريخية وموضوعية اساسا.
وليست القوانين العامة الا تعميمات لهذه القوانين المحددة المؤسسة على هذه العلل والشروط. ولهذا فهي تختلف وتتنوع باختلاف الاوضاع والملابسات. وهذا ما ينفي عنها جمودها ونمطيتها المطلقة، ويعطي لها دلالات خاصة. على ان هذه القوانين العامة نكتشفها خلال دراسة تجلياتها العينية المختلفة. ولعل من ابرز هذه القوانين العامة المعبرة عن العلل والاسباب الفاعلة، هو الصراع الطبقي، والعلاقة بين قوى الانتاج وعلاقات الانتاج، الدور المحرر للطبقة العاملة والمنتجة عامة.
ان الوعي بهذه القوانين وهذه العوامل والعلل الموضوعية في التاريخ وتأسيس الفاعلية الانسانية عليها هو الذي ينتج تحقيق الحرية الحقيقية. لهذا لا سبيل الى القول بحتمية قدرية في الماركسية.
والواقع ان الذين يصفون نظرية ماركس بهذه الحتمية هم من خصوم الماركسية ومن اشياعها كذلك. فالخصوم يتخذون من هذا الفهم ذريعة لاتهام الماركسية بالمادية الجامدة الميكانيكية غير الانسانية.
اما الاشياع فيتخذون هذا الفهم لتبرير ممارساتهم الارادية السياسية التي يفرضونها فرضا على المجتمع والناس والواقع، في تعارض مع ضرورات الواقع وارادات الناس.
// جوهر الماركسية
ان جوهر نظرية ماركس هو أبعادها العلمية والفلسفية والسياسية العملية التي تتضافر لتحقيق ثورة جذرية في التاريخ بفضل ظهور الطبقة الاجتماعية المؤهلة لتحقيقها وهي الطبقة العاملة. وهي ثورة ضرورية وممكنة في وقت واحد، بل لعل امكانها مرتبط بأساسها الضروري، وهي ثورة تسعى لالغاء استغلال الانسان للانسان والقضاء على كل قهر سياسي، وذلك بالغاء الملكية الفردية لوسائل الانتاج والانتقال بالتاريخ من ملكوت الضرورة الى ملكوت الحرية.
ولا يتم هذا بشكل ميكانيكي قدري، وانما بالممارسة النضالية الثورية التي تعي وتسيطر على الشروط الموضوعية للواقع الموضوعي.
*إشارات:
(*) هذا أحد آخر مقالات المفكر الماركسي المصري محمود أمين العالم، والذي رحل قبل نحو نصف سنة. ونستكمل نشر المقال الأسبوع القادم.
(**) “بروكوست”، نسبة الى اسطورة يونانية قديمة عن بروكوست العملاق وكان يضع سريره فى الطريق، فكلما مر به إنسان أخذه وأمره أن ينام فى السرير حتى إذا نام ووجده قصيرا لا يصل أبعاد السرير فيبدأ بجذب أطراف هذا الإنسان ولا يهمه أن تتخلع مفاصله أو أن تُنزع أطرافه أو أن يموت. أما إذا كان الإنسان طويلا على السرير، فيبدأ فى قطع أطرافه حتى يكون على مقاس سريره.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *