بحث موجز في تاريخ السياسة

القسم-١

– لماذا لا يمكن للمستبد ان ينتمي الى عالم السياسة:

يحكى ان الخليفة (هارون الرشيد) كان يتنكر بهيئة شحاذ متسول لكي يكشف ماذا تقول عنه الرعية، ولاسيما جماعة المتملقين ممن يعشقون الالتفاف والركون حول قوة السلطة، ولهذا ما كان بإمكانه اكتشاف حقيقة الأمور الا بهذه الطريقة الشيطانية، ويروى عنه أيضا، اعلان حكمه على (شهرزاد) بالموت وهي التي سحرته بقصصها تتلوها عليه كل مساء طوال ألف ليلة وليلة، فأجبره الاستمتاع بها والاستماع اليها الى تأجيل تنفيذ الحكم حتى تزوجها. هذه الحكاية تقدم صورة معبرة عن الاستبداد، وهو نظام يخلقه الاحتلال ويعتاش على الخوف، وتصدر أحكامه المطلقة من نزوات النظام المستبد اليومية.

في نظام حكم استبدادي تنطلق الأحكام من ميول الطاغية نفسه، رغم ذلك فالاستبداد ليس نظاما تغيب عنه العدالة، اذ هيمن الاستبداد عموما داخل المجتمعات التقليدية حيث تسيطر وتتحكم العادات الاجتماعية وتكون شروط العدالة مقبولة ضمن ذلك النظام الطبيعي للحياة. السلالات الحاكمة تبرز ثم تسقط، وكما يقول المثل الصيني: “حسب ما تمليه إرادة السماء”. غير ان الحياة بالنسبة للفلاح لم تتغير كثيرا، وكان كل شيء يتوقف على إرادة الحاكم.

(الاستبداد) مقولة تحتوي على الكثير من المفارقات، ولقد سيطرت، بشكل او آخر على الحضارات غير الأوروبية، أنظمة استبدادية، حيث يعتبر الاستبداد اليوم، مع الدكتاتورية والتوتاليتارية، أحد اشكال الحكم، ومن المؤكد ان مثل هذا الوضع كان سيلقي الذعر في قلوب ابناء اليونان الذين صاغوا هويتهم على أساس تمييز أنفسهم عن حياة الاستبداد الذي كان شائعا في المشرق، ويدل هذا التباين على مركزية السياسة في المشهد الحضاري لدرجة ان معنى السياسة اخذ يتغير مع كل تغيير في الثقافة او الظروف والاوضاع. ومن المهم ايضا ان ننظر نحو القيمة التي اضفاها الكلاسيكيون الاغريق على مفهوم السياسة، لقد عرف  عن الاغريق بكونهم لا ينتمون الى المشرق وأبدوا اعجابهم وتقديرهم لثقافة الحضارات التي نشأت مع الامبراطوريات المصرية والفارسية رغم ازدرائهم لطريقة حكمهم التي سموها “الاستبداد” لأنها لم تكن تختلف عن العلاقة بين “السيد” و “العبد”

واحتقروا عملية سجود اعضاء الرعية للحاكم. واليوم بعد مرور أكثر من 2000 عام نرث نحن نفس المشاعر وردود الفعل من عملية “السجود” و”الانبطاح”.

ان جوهر “الاستبداد” يكمن في انه لا يمكن لأي شخص ان يستأنف الحكم، لا في الواقع ولا من خلال القانون، ضد السلطة المطلقة للحاكم المستبد، وسلوك الرعية ينحصر في اسعاد الحاكم المستبد. فلا وجود لبرلمان ولا وجود لمعارضة ولا وجود لصحافة حرة او قضاء مستقل، باختصار لا وجود لصوت جماهيري سوى صوت الطاغية، ولا غرابة ان مثل هذا العجز يجعل الطغاة مصدرا من مصادر التنوير الروحي ويترسخ رد الفعل ضد عالم تتحكم فيه نزوة المستبد فيلجأ الرعايا من اصحاب الوقار الى الانسحاب يجللون أنفسهم برداء الصوفية او الرواقية او اي شكل آخر من طرق التقهقر حين يتكشف جوهر الحياة في عالم روحي يتجاوز عالم الحواس تتحول فيه الحياة الاجتماعية والسياسية الى مجرد اوهام تخنق العلوم والتقدم التقني، وقد مرّت على اوروبا 3 مناسبات هامة من هذا النوع انهارت في حالتين منها كل الانجازات. الحالة الاولى ظهرت مع وجود المدينة -الدولة في اليونان الكلاسيكية والتي غرقت في الاستبداد بعد وفاة الاسكندر الكبير. والثانية ظهرت بين الرومان نتيجة انتصاراتهم ونجاحاتهم في تكوين امبراطورية يعمّها عدم التناسق والاختلاف فتحتاج الى سلطة حاكم مستبد يمنعها من التشرذم والانهيار. لقد انجبت التجربة الاولى العالم الرواقي وغيره من فلاسفة الانطواء عن العالم الواقعي، وفي التجربة الثانية انجبت بذور المسيحية. ومن تزاوج مملكتي المسيحية والبربرية في الغرب برزت سياسة القرون الوسطى التي ادت الى تشييد عالم السياسة لعصرنا الحديث القائم على التمييز بين الحياة الخاصة والحياة العامة، الحياة الخاصة المتمثلة بالعائلة وبمعتقدات وقناعات وافكار وخيارات كل فرد، وهذه الحياة الخاصة تتطلب الإطار العام للدولة وبنية قانونية تستجيب لتلك الحياة الخاصة. ان السياسة قادرة على البقاء والاستمرار ما دامت قوانين الحياة العامة تعترف بكونها محدودة ولا تستطيع تجاوز تلك الحدود، او كما صاغها (بركليس) في عزائه للأثينيين إثر حرب (البولوبونيز):” نحن احرار ومتسامحون في حياتنا الخاصة ولكن في الشأن العام نحن نتمسك دوماّ بالقانون”. غير ان الحدود الفعلية التي تفصل بين القوانين وسلوك الناس، بين الحياة العامة والحياة الخاصة هي في حالة تغيير متواصل، في حالة حركة دائمة.

خلقت السياسة في بلاد الاغريق طرقا جديدة في التفكير وفي ابداء المشاعر بالإضافة الى انها وضعت الفرد في علاقة مع الآخرين. وكان المواطنون يختلفون من حيث الثروة والجمال والذكاء ولكنهم كانوا متساوين كمواطنين وحصل ذلك لأن المواطن كان عقلانيا، والعلاقة المناسبة بين الكائنات العاقلة هي الاقناع الذي يختلف عن العلاقة الأوامرية لكونه يتيح المساواة بين المتحدث والمتلقي، ويقدم (افلاطون) رؤيا نبيلة لهذا الشكل من الحياة السياسية. فبعد اصدار الحكم بموت الفيلسوف (سقراط) لأنه أفسد عقول الشبيبة، رفض عرضا لمساعدته في الهرب من (أثينا) لأن الهرب لا ينسجم عقلانيا مع دعواته التي أطلقها طوال حياته معبرا فيها عن التزامه بحياة المدينة. “إذا اقترفت عملا جبانا في الهرب فكيف سأدافع بعد ذلك عن فضيلة الشجاعة امام الناس!” حتى طريقة تنفيذ حكم الموت تعكس قناعته الأساسية بان العنف لا يمكن ان يكون علاقة تتناسب والمواطنة فقام بشرب كأس من شراب (الشوكران) السام.

اليوناني كان ينصاع عن قناعة وبحريته الشخصية للتقيد بقوانين مدينته وكان يفتخر بهذا الامتثال، بل يمكن القول ان هويته كانت ترتبط بمدينته، وأقسى عقاب قد يواجهه كان النفي، الذي كان بمثابة اعلان وفاة او موت مدني يفرض على رجال الدولة ممن قد يهددون الدستور. ونجد في حياة الاغريق الشروط العامة للحرية: الفرد يعيش حياته بين افراد متساوون ولا يخضعون لغير القانون، يتداولون الحكم ويتداولون الخضوع للقانون، وهم من اوائل الشعوب في التاريخ ممن كوّنوا مجتمعات على هذا الأساس. وهم طبعا من اوائل الشعوب التي أبدعت ادبا يكشف عن مثل هذه التجربة. والسياسة كانت النشاط الخاص لهذا الكائن الجديد الذي يدعى “مواطن” ولكن الاغريق من الطراز الكلاسيكي كانوا يصرون على ان: الاستبداد في المشرق لا يمكن اعتباره سياسة.

الواقع كان، بالطبع، أكثر تعقيدا، فقد خاض الاوليغارشيون والديمقراطيون معارك قاسية داخل المدن، والمزارعون وصلوا الى حافة الاملاق وفقدان المحاصيل سيدفعهم باتجاه العبودية. والمساواة داخل المدن لم يقابلها علاقات متساوية بين المدن مما جعل الحروب مزمنة.

لقد كان الاغريق انسانيون ولكن من صنف يختلف عن الانسانيين الذين صاغتهم المسيحية والمنتشرون اليوم في العالم الذي نعيش فيه، لان افتراضهم الاساسي حول الانسان ينطلق من كونه حيوان عاقل، وان معنى الحياة موجود في ممارسة العقلانية، وحين يرضخ الانسان لعواطفه فسينحدر وجوده الى نوع أدني، ان سر الحياة يكمن في معرفة الانسان لذاته، وارتقى مستوى الانسان حين بدأ يتداول في قضايا القانون والشؤون العامة فتوصل الى صياغة أرقى اشكال التعبير عن ذاته ولم يكن بمقدوره التمتع بذلك الا من خلال الحياة في مدينة.

ويتطلع الانسانيون غالبا نحو اسلافهم الاغريق، وكانت نظرتهم عن العالم تنطوي على استنتاج استثنائي، استنتاج يثير القلق حسب مقاييس العصر الحالي. اذ بما ان بعض الافراد اقل عقلانية من الآخرين فانهم، وحسب التقييم السائد لديهم، اقل انسانية، والعبيد بشكل خاص هم أكثر المتضررين من ناحية قواهم الذهنية مقارنة بالأسياد. لقد امتلك الاغريق خيالا رحبا واسعا لاكتشاف العالم ولم يواجهوا صعوبة في تخيل النساء وهن يقومون بأداء مهام متعددة: محاربات الأمازون، او الأمازونيات وهم شعب من النساء المقاتلات، وكنّ أول من سخّر الحصان لأغراض القتال كما تروي الأسطورة وتبرز الأمازونيات في عدد من الثقافات كالميثولوجيا الإغريقية. ثم هناك النساء اللواتي يدفعن ثمن الحرب بفلذات أكبادهن وبأزواجهن، وانتهاء الحرب يعني بالنسبة لهن أملا في استمرار الحياة الأسرية الهادئة المنتجة، لا شيء أبغض على قلب الثكالى من الأمهات والأرامل من الزوجات،أكثر من الحرب الضروس التي تختطف في وقت قصير أملا كبيرا في حياة كل واخدة منهن. كما ان مسرحية (ليسستراتي) هي واحدة من ثلاث مسرحيات كتبها “أريستوفانيس” مركزاً فيها على مشاكل المرأة في المجتمع الأثيني على عهده.

لم تنشأ القوانين والتوجهات السياسية للمدن الاغريقية من داخل قصر الطاغية او المستبد، بل من خلال الحوار الجاري الحر بين مواطنين متساويين داخل اروقة السوق التجارية التي كانت تستخدم ايضا كساحة للحوار والتداول في السياسة. لقد تمتع المواطنون الأغريق بالمساواة امام القانون (والمساواة كانت كلمة مرادفة للديمقراطية) وكذلك المساواة في حق الكلام امام الجمعية. وداخل مدينة كبيرة بحجم (اثينا) كان يحضر الاجتماعات الالاف من القادمين، وكان اغلب المتحدثون ينحدرون من الطبقة الارستقراطية اوممن درسوا فن الكلام او من النبلاء والجماعات المؤيدة لهم. في ظل هذه الديمقراطية كان يجري ملء الشواغر في المكاتب العامة عن طريق القرعة، اما المكاتب الرئيسية فكانت يشغلها أفراد منتخبون أو من العائلات المتنفذة. لقد كتب (ثيوسيديدس) عن حرب البيلوبونيز، ونتعرف عن طريقه على كيفية عمل الديمقراطية، فمثلا عندما يكتب عن حلقة للنقاش في (اثينا) حول موضوع ما، كموضوع معاقبة (الميتليين) الذين قاموا بثورة ضد هيمنة الأثينيين، حين طرح القائد الشعبي (كليون)، بعد الاحتلال العسكري، قضية الحكم بقتل الرجال وبيع النساء والاطفال كعبيد، ثم دعوته الى الواقعية التي عبر عنها بالقول ان من يريد بناء امبراطورية عليه ان يتهيأ لارتكاب الفظائع ، ولكن خصمه (ديودوتس) دافع عن الرحمة والاعتدال من منطلق ان القسوة ستؤدي الى اعمال عصيان ضد هيمنة اثينا والى صراع موت او حياة فانتصر طرحه الفكري والعقلاني هذا عند اختتام المناظرة. والمواطنون الذين كانوا يشاركون في النقاشات كانوا ينتمون الى عائلات تشكل الوحدات الانتاجية لذلك العالم القديم.

 (يتبع)

بحث موجز في تاريخ السياسة

القسم- ٢

لقد أدرك يونانيون المرحلة الكلاسيكية، من خلال وعيهم لأنفسهم، ان لهم ثقافة متميزة وانه من خلال وعيهم التاريخي لأنفسهم وللعالم من حولهم سيكون بإمكانهم ان يحددوا الاحتمالات الجديدة التي تقدمها الخبرة والتجربة البشرية، وهكذا تمت ولادة السياسة الى جانب التاريخ معاً، لأنهما يشتركان معاً في تحديد ماهية الانسان وما يستحق ان يتذكره التاريخ.

التاريخ ذاكرة لا تهدأ للكلمات والافعال، وكانت الكلمات بمثابة قاطرات الذاكرة، وعبر النشاط السياسي كان الناس يتخاطبون ويكلمون بعضهم البعض فتتطور لديهم مهارة الجدل والحوارالتي تتطلب القدرة على صياغة الأفكار وبناء هيكل للنقاش بالإضافة الى الاستعداد لفهم الجمهور وإدراك المشاعر المهيمنة على الطبيعة البشرية وغيرها من القضايا المرتبطة بهذه العملية. ولأول مرة في التاريخ جرى اتخاذ القرارات العامة تحت ضوء النهار وفي مجرى النقد المباشر من قبل الجمهور، واقتصر فن الخطابة على البارعين فقط من الأساتذة   او (السفسطائيون) الذين وضعوا أنفسهم في خدمة طموح الجيل اليافع من ابناء الارستقراطية وممّن استندت قوتهم على قدرتهم في التأثير على رأي الجمهور، لقد سرد (ثيوسيديدس) قصة حرب (البيلوبونيز) من خلال أقوال المشاركين فيها والتي تعتبر بمجموعها مرجعا في موضوعيّْ الحكمة السياسية والحماقة السياسية.

لقد اعتقد الاغريق ان كل شيء في هذا العالم موجود نتيجة لتصميم وهندسة مسبقة، حتى ان مدنهم تم تأسيسها من قبل اشباه آلهة كما هي الحال مع مدينة (اسبارطة) ومدينة (اثينا) التي شيدها (ثيسيوس)، وفي السياسة كان الاغريق يعتمدون على الناس ذوي الحكمة لإعادة الثقة بمدنهم حين يعم فيها الاضطراب كما حصل مع (سولون) في مدينة اثينا في بداية القرن السادس قبل الميلاد وحملت اصلاحاته على ميزتين انطبعت بهما السياسة الاغريقية، الميزة الاولى ان (سولون) كان حريصاً على بناء السياسة على اساس المقاطعات لكونها تعتبر مزيج من القبائل وعلاقات الولاء، بينما القاعدة الاجتماعية المعاصرة هي تجمّع غير متجانس من الناس على رقعة معينة من الارض، وهي تعلدل عن نفس النتيجة التي تنجم عن تفكك الولاءات الطبيعية داخل القبيلة والعشيرة والامة، بحيث يجري بعد ذلك تشجيع تلك المكونات بعد عملية التفكك والانحلال على اداء كل نشاط وفعل سياسي مبني على المصالح المشتركة العامة التي تتجاوز المصالح الخاصة لكل من تلك المكونات. اما الميزة الثانية فتتعلق بحرص (سولون) على مغادرة (اثينا) لمدة ١٠ سنوات مما سيتيح لسكانها الوقت الكافي لمراقبة كيفية عمل الدستور. وتعتبر هذا الحالة الاولى في مجال تطبيق مبدأ فصل السلطات، اذ ان الجوهري بالنسبة لمعنى السياسة هو انها نقطة التقاء عدد من الدوائر والمكاتب المجردة التي انيطت بها مهام معينة، ومن حيث المبدأ يمكن ان يقوم بهذه الوظيفة اي شخص يتحمل المسؤولية على العكس من النظام الاستبدادي الذي يعتمد في تسيير اموره على اشخاص يرتبطون بالطاغية.

علم السياسة يصبح ممكناً كعلم (على عكس الاستبداد) لأن السياسة تتبع وتسير وفق منهج خاص بها، رغم انها تصدر عن، وتبقى تحت رحمة، الطبيعة البشرية التي تنبثق عنها، اما مع الاستبداد فالحاكم الطاغية لا يمكن ان يخلفه الا وريث مجنون او مشوه، ولهذا فالاستبداد له ايقاع يترنح بين الصعود والهبوط ، مما يؤكد اعتقاد الإغريق ان الاستبداد، كأي تجمع للعبيد، ينتمي الى الجانب اللاعقلاني من الطبيعة، بينما الدساتير تنتمي الى الجانب العقلاني ولهذا يمكن دراستها دراسة اكثر علمية من الاستبداد، ويمكن تصنيفها حسب خصائصها التي تكشف الاتجاهات المهيمنة. في جميع الدساتير الحاكم اما ان يكون ملكاً او مجموعة من القادة الأقوياء او مجلس شعبي. اي ان الاحتمالات المتعلقة بالحاكم هي اما ان يكون فردا او عددا من الأفراد او جماعة من الافراد. واثناء المرحلة الكلاسيكية من السياسة الاغريقية كان الانقسام الاساسي هو بين الولايات الاوليغارشية التي كانت تفضل الثراء والسلطة القوية وبين الديمقراطيات التي كانت تستجيب لمصالح الفقراء.

توجه الفكر السياسي الاغريقي الى دراسة الاسس الدستورية وتعميم العلاقة بين الطبيعة البشرية والجماعات السياسية مستخدما لإجراء هذا التحليل اداة فعالة هي نظرية الدورات او الحلقات المتكررة، حيث الملكيات تنحل وتتفكك الى طغيان، والطغيان يتم الاطاحة به من قبل الارستقراطيات التي تتحلل وتتفكك بدورها الى اوليغارشيات تقوم باستغلال الجماهير حتى يتم الاطاحة بها من قبل الديمقراطيات التي تتحول بدورها الى فوضى يحكمها الرعاع، الى ان يبرز قائد قوي يفرض نفسه ملكا ومن ثم تعيد الدورة نفسها مرة اخرى، وقد استعرض (بوليبيوس)  هذا العلم السياسي في فترة لاحقة، وكان همّه الرئيسي ينحصر حول شرح وجهة نظر السياسة الرومانية لمعاصريه من الاغريق.

لقد أشار (فرنسيس بيكون) الى ان “المعرفة قوة”، ومعرفة ايقاع الدورة السياسية المذكورة استفزت فكرة ان هناك امكانية ايجاد مؤسسات قادرة على كسر ايقاع هذه الدورة السياسية وايقافها لصالح توفير استقرار طويل الأمد، ويكمن السرَ في كيفية ايقاف الدورة الهمجية من الانحدار والاستمرار ضمن مقدمتين: تنصّ الاولى على ان الحكومة تتكون من جملة من الوظائف يتم تصنيفها وتوزيعها بين عدد من المكاتب والهيئات المختلفة، بحيث ان القرارات التنفيذية تتطلب قيادة تستطيع اصدارها، اما المناقشات حول طبيعة الخطوات السياسية فتقتضي وجود جماعة او حلقة صغيرة من المواطنين ذوي الكفاءة والخبرة للتداول بشأنها، بينما يتوقف قبول تلك القوانين واستجابة الحكومة لها على مدى فعالية الطرق والوسائل المعنية باستشارة الناس والتفاعل معهم. اما المقدمة الثانية تنصّ على ان التوزيع السابق لوظائف الحكومة وهيئاتها يساعد على التوازن بين مصالح الأغنياء والفقراء ويمنع اي طرف من استغلال السلطة السياسية من اجل الاستغلال الاقتصادي ويشلّ الفساد. هذه هي نظرية التوازن الدستوري ودورها المركزي في الفكر السياسي الغربي.

لقد اعتبر (ارسطو) ان وجود بعض عناصر الديمقراطية هو ضرورة ملحة لوجود دستور متوازن واهتم (ارسطو) بمعرفة آليات التغيير السياسي: فاعتبر ان الثورات تنشب انطلاقاً من غياب العدالة وفي مجرى تحقيق المساواة. ومن خلال بحثه في قضية السياسة وقضية الأخلاق أطلق (ارسطو) سؤاله الساحر والآسر: هل المواطن الصالح هو انسان صالح؟ اذ ان بعض الحكام يطالبون مواطني بلدهم بارتكاب ممارسات سيئة وغير صحيحة.

السياسة لدى الاغريق، مثلها مثل كل شيء آخر في العالم الاغريقي، تم التنظير عنها وحولها بعمق لدرجة ان كل ما نردده لا يتجاوز حدود الامكانيات التي كشفت عنها التجربة الاغريقية وان الأحكام السياسية ليست سوى خيارات بين احتمالات محددة، لقد كان اختصاصهم هو رؤية كل ما هو مثالي: في الفلسفة، جمهورية افلاطون. وفي السياسة، دولة اثينا كما عبر عنها (بيركليس) ومثلما كتب
عنها (ثيوسديدس) في تاريخه عن الحرب (البيلوبونيزية)

السياسةفي العصر الروماني

السياسة في المرحلة الرومانية او حب الوطن
كانت السياسة في العصر الاغريقي مبنية على العقل، بينما اصبحت في المرحلة الرومانية مبنية على الحب، حب الوطن، او الحب لروما. لقد نظر الرومان الى مدينتهم بكونها عائلة واحدة وان (رومولوس) مؤسس روما هو أصل الجميع. وهذا يختلف اختلافا كليا عن الإغريق الذين لم تعني العائلة بالنسبة لهم (على المستوى الفلسفي) سوى مجرد تلبية لحاجات ذات طبيعة حيوانية تم تجاوزها بالحريات السياسية.
في المرحلة الرومانية وضع القديس (اوغسطين) الوطنية بمثابة الدليل الذي يجب ان يقود عواطف الرومان.
” جميل ومناسب ان يموت الانسان من اجل بلاده” هكذا قال الشاعر الروماني (هوراس) وأصبح هذا الموقف أنبل قضية في الإحساس السياسي. غير ان الظروف والاحوال تتغير دائماً، اذ انه بعد الحرب العالمية الأولى وبما حصدته من الضحايا البشرية، استخدمت نفس عبارة الشاعر تلك للتعبير عن السخرية وللإشارة الى الأعداد الغفيرة من الناس الذين وقعوا ضحايا لصراع السياسيين وخططهم العدوانية. اما كيف تحقق هذا التحول فهو لب القصيد.
كانت المدن الإغريقية حلقات ساطعة في تاريخ الغرب، اما روما فانفردت بكونها امتلكت الثبات والصلابة لتنمو وتصبح امبراطورية. وحين تهاوت اي واحدة من مدنها هبّ الناس لتشييد كنيسة تسعى للإحاطة بالعالم أجمع. وبينما كان الاغريق مولعين بالتفكير وابتكار النظريات اتصف الرومان بالرصانة والحذر لكونهم مزارعون وفلاحون محاربون لا تأخذهم الأفكار بعيدا كما حصل مع اسلافهم الإغريق.
لقد ورثنا الأفكار عن اليونانيين والممارسة عن الرومان، وكل منهما ترك تأثيرا مختلفا على شعوب اوروبا المعاصرة. فعلى سبيل المثال أصاب الألمان ولع وسحر خاص بالإغريق أكثر مما أصاب الانجليز والفرنسيين الذين لم ينظروا الى روما كنموذج اعلى يقتدى به. مع ذلك فقد استفاد جميع الأوروبيين من المفردات المتميزة التي ساعدتهم على اكتشاف الحياة السياسية، ومن تلك المفردات: السياسة من الاغريق، والمدنية والحضارة من الرومان. ويمكن القول ان صيغ السياسة الأمريكية هي ذات اصول رومانية. والمفردات الرومانية لها أولوية الاعتماد والتبني لان اللاتينية كانت اللغة المعتمدة في السياسة والمفهومة ليس لان روما حكمت العالم الغربي بل لأنها هيمنت لأكثر من ألف عام بعد ذلك وحتى ظهور الدولة الحديثة في القرن السادس عشر. يكثر الحديث عن سقوط الامبراطورية الرومانية، ولكن انهيار السلطة السياسية لروما (في الامبراطورية الغربية) كان يجري بالتزامن، ويسير يدا بيد، مع صعود الامبراطورية الروحية للبابوية. ان الشعوب التي عاشت في ما نسميه اليوم القرون الوسطى – من حوالي 400 وحتى 1500 م- كانت في حالة قناعة بانها ما زالت تعيش بين اطلال روما، بل حاولت احيائها، اذ ان (فرانك) ملك الفرنجة جرى تتويجه في روما عام 800 م ، وظلت الامبراطورية الرومانية المقدسة تعيش في الظل بشكل او آخر حتى تم الغاؤها من قبل نابوليون عام 1806 الذي كان يحضر في نفس الوقت لاستبدالها بسلالته هو، مع انه فرش فرنسا بالنصب الرومانية في كل مكان. ومع بداية العصر الحديث قدّم (ميكيا فيلي) السياسة الرومانية كنموذج تقتدي به اوروبا، وقد وصف ماركس الثورة الفرنسية بانها عرض تمثيلي بثياب رومانية.
روما التي سحرت الأوروبيين قدمت ايضاً عدد من النماذج من اجل الكشف عنها. لقد ابدى شاعر ايطالي من القرون الوسطى (دانتي) اعجابه بالإمبراطورية التي اعتبر انها وفرت السلام للعالم، بينما تحدث (ميكيافيللي)
عن فضيلة الجمهورية وضرورة الاعجاب بها. كلاهما استجاب لحكاية روما والمغامرات الرائعة التي قام بها شعبها من اجل ان يصبح العالم متمدنا. لقد وجدت روما، حسب الاسطورة، عام 753 من قبل (رومولوس) وتعاقب على حكمها الملوك حتى عام 509 ق م حين اجروا تعديلا جذريا على دستورهم وتم تبديل النظام الملكي الى نظام الجمهورية القنصلية
القنصل (بالإنجليزية: Roman Consul) أعلى المناصب في الجمهورية الرومانية ويمثل رئيس حكومة أو السلطة التنفيذية للدولة. ويوجد اثنين من القناصل كل سنة لحكم الجمهورية، لكل واحد منهما حق النقض.
وكان (غايوس ماريوس) عسكري وتم ترشيحه لمنصب القنصل 6 سنوات متواصلة في مخالفة للدستور الروماني
الوصول للمنصب
يعتبر الوصول لمنصب القنصل الروماني عبر الانتخاب المباشر من الشعب الروماني ومباركة وتصديق مجلس الشيوخ الروماني وان يكون عمره فوق ال40 سنة من الطبقة الاستقراطية.وهناك قنصلين يتم انتخابهم سنويا ولهما حق النقض الفيتو. ولهما صلاحيات واسعة وقت الحرب والسلم.وواجبات دينية. ويعملان إلى جنب.تحت مراقبة مجلس الشيوخ.

بداية وظيفة القنصل
بعد طرد اخر ملك روماني عام 509 ق.م وعدم وجود حاكم أثناء تولي مجلس الشيوخ السلطة تم إنشاء القنصلية مثل رئيس حكومة منتخبة في الحاضر. ليدير الجمهورية وتم الموافقة على حكم قنصلين كل سنة. والسبب حتى لا يتمكن اي قنصل من الحكم فترة طويلة ثم يقوم بانقلاب على السلطة المدنية ومجلس الشيوخ.وانتهاء مع بداية أول إمبراطور روماني أغسطس قيصر سنة 27 قبل الميلاد.

النقض واعادة الانتخاب
بما انه يوجد في كل سنة قنصلان لحكم الجمهورية تحت مراقبة مجلس الشيوخ، فان لكل قنصل من الاثنين حق النقض فكل واحد منهما يستطيع نقض أوامر زميله ولكن يمكنه الاستئناف أمام زميله وإسقاط الحكم, من أجل تجنب الصراعات. حتى لا يستأثر اي منهما بالحكم والسلطة. ولكن في نهاية المدة يكون هناك تقييم في المجلس عن أداء كل قنصل. المدة التي يقضيها القنصل في السلطة سنة واحدة غير قابلة للتجديد، ولكن يحق له العودة للأنتخاب بعد عشر سنوات.

أشهر القناصلة الرومان
بما أنه في كل سنة يحكم قنصلان الجمهورية, فعدد قناصلة روما اجتاز الالف قنصل, بين قنصل قوي ومنتخب يأمر وله حق النقض، وقنصل معين من قبل الامبراطور ليس له من الأمر شيء أثناء فترة الامبراطورية.

لكن هناك الكثير من القناصل من برز أثناء الجمهورية عندما كان الحكم للقناصل تحت مراقبة مجلس الشيوخ الروماني ومن ابرزهم:

1 شيشرون 2 سولا 3 غايوس ماريوس 4 سكيبيو الإفريقي 5 سكيبيو الأصلع 6 بومبيوس الكبير7 ماركوس روفوس 8 ماركوس أنطونيوس 9 فابيوس ماكسيموس
استمرار القناصل
بعد سقوط الجمهورية وقيام الإمبراطورية الرومانية استمر منصب القنصل ولكن بدون اي صلاحية أو سلطة والصلاحيات انتقلت للامبراطور. وبقي القناصل فقط ضمن التراث الروماني في فترة الامبراطورية، وكان يجري تعيينهم من قبل الامبراطور الذي كان يقوم ايضاً بتعيين الاقارب والاصدقاء ومن يريد تكريمه.

مقر حكومة القناصل هو في عاصمة الجمهورية روما ويجري مراقبته من قبل مجلس الشيوخ الروماني
الذي حافظ على التقاليد السياسية الرومانية. لقد تميزت السياسة الرومانية بانها اصبحت مثالا على حلّ المشاكل والمواجهات عن طريق عقد المعاهدات والاستجابة بالطرق الدستورية لتخطي كل الأزمات.
التاريخ الروماني يتمحور حول الأحداث التي جعلت الجمهورية الرومانية تتحول الى امبراطورية. لقد جرى اغتيال (يوليوس قيصر) من قبل (ماركوس بروتوس) و (كاسيوس) واتباعهما عام 44 ق.م مع انه تم القضاء عليهم من قبل (اوكتافيان) الذي استطاع ان يعيد صياغة الدستور ليعكس المستجدات الحديثة وليحكم الامبراطورية التي بقيت تحتفظ بالشكل الجمهوري لمدة 200 عام.
تعتبر روما النموذج المثالي لممارسة السياسة من قبل رجال يستحوذون على مراكز كانت تقيد عليهم استخدام السلطة، وحين يفكر الرومان في السلطة يتبادر الى ذهنهم كلمتين: potentia التي تعني القوة الجسدية، ثم potestas التي تؤكد على الحق القانوني والسلطة الملازمة له في مركز الحكم، بالإضافة الى ذلك فان الإمبريوم (باللاتينية: Imperium) هو اصطلاح من اللغة اللاتينية، يعني تقريباً “سلطة القيادة”. في روما القديمة، كان يتم تمييز أنواع السلطة والنفوذ المختلفة بمصطلحاتٍ مختلفة، وبالتالي فقد كانت وظيفة مصطلح الإمبريوم التعبير عن سيادة الدولة على الأفراد. [1] تختلف كلمة الإمبريوم اختلافاً هاماً عن مصلحي أوكتوريتاس وبوتيستاس اللَّذين يشيران إلى أنواعٍ مختلفة من السلطات التي كانت قائمة في الجمهورية والإمبراطورية الرومانية. يشير الإمبريوم بالدرجة الأولى إلى استعمال فردٍ للسلطات المفوَّضة إليه بدرجة أو بأخرى، وكان يُطلَق على الأشخاص الذين يُمنَحون سلطات الإمبريوم هذه اسم الحكام. كان الحكام بعض أعلى وأهم المسؤولين في الحكومة الرومانية، ورتبهم الرسميَّة في روما كانت الإيديل والبريتور والرقيب والقنصل وقائد الفرسان والدكتاتور.

في روما القديمة، كان يمكن استعمال الإمبريوم كاصطلاحٍ لإظهار صفات الشخص، كالغنى الذي يمتلكه أو كوسيلةٍ لقياس مقدار سلطته. كان يمكن استعمال الإمبريوم في هذا السياق بصورةٍ مطاطة، فقد كان يُدرَج في الأشعار حتى لو لم تكن عن مسؤولي الحكومة. كما أنه وبالنسبة للمجتمع الروماني، كان مصطلحاً يدلُّ على السلطة القانونية. فالرجل الذي يحظى بالإمبريوم (والمُسمَّى “إمبراتور”) كانت لديه بالواقع سلطة مطلقة يمكنه استعمالها في حدود كونه حاكماً أو حاكماً ثانوياً. كان يتميز بامتلاكه لحق النقض، وفي الآن ذاته كان يمكن أن ينقضه أي حاكم أو حاكم ثانوي بسلطة مساوية له، مثل قنصل زميلٍ له، أو بالأحرى، كان يحقُّ لمن يمتلكون إمبريوم مساوياً له أن يرفضوا قراراته.

ومع اتساع قوة روما وسلطتها وتحولها الى مركز يتطلع اليه العالم، قامت بغزو العالم الهيليني خلال القرن الثاني قبل الميلاد وشرح المؤرخ الاغريقي (بوليبيوس) هذا الأمر، موجها حديثه الى اليونانيين محاولا تفسير من سيكون سيد هذا العالم، ومؤكدا ان نجاح روما له علاقة بكون دستورها ليس ملكيا او ارستقراطيا او ديمقراطيا، بل لكونه يحتوي على كل تلك العناصر، ونتيجة هذا المركب :” يكون الدستور اتحادا قويا يستطيع الصمود في وجه المخاطر الطارئة، ومن المستحيل ايجاد صيغة افضل لدستور آخر”
لقد انتشرت سمعة روما بالاعتماد على قوة رصيدها الاخلاقي، فرشوة احد المسؤولين تعتبر بمثابة جريمة كبرى، وعلى مواطني روما ان يقفوا وراء تعهداتهم. لقد شعر (بوليبيوس) انه بحاجة الى تبرير تلك السمات الرومانية الى أقرانه من اليونانيين الساخرين بقوله: صحيح ان لدى الرومان معتقدات خرافية حول عقوبات ما بعد الموت، ولكنها طريقتهم لنشر الفضيلة. وكذلك اليهود الذين واجهوا الرومان ايضا في تلك الفترة شعروا نحوهم بالتقدير لأنهم لم يجدوا جنرالا رومانيا واحدا يتباهى ويدعي العظمة. في بداية تلك المرحلة الرومانية هيمن الشعور بحب الوطن، ولكن مع تسلسل الانتصارات وما تجلبه من ثروة صار معه الفساد ينخر جسم روما
واستشرى الطغيان الذي طالما اعتبره الرومان نظاما كريها وبغيضا، وتهاوت الحرية والفضيلة. الأدب الروماني ولاسيما أعمال (شيشرون) تركت أثرها على الأوروبيين لتقنعهم ان الفضيلة هي شرط للحرية.
غير ان (بوليبيوس) تجاهل اهم سمة تميز النظام الروماني عن العالم الاغريقي وهي: القناعة الرومانية بان المصلحة العامة لها الأولوية عن المنافع الخاصة بما فيها انقاذ الفرد لحياته، ولقد استعرض هذه الأخلاق العديد من ابطال القصص الرومانية، ثم اعتبر لاحقا كتاب من العالم الروماني ان التركيز على التعارض بين الشخص النبيل والشخص العامي هو شكل من حالات الضعف، غير ان (ميكيافيلي) في معارضته لمثل هذا الاستنتاج وضع اصبعه على السمات الرئيسية التي اتصفت بها التقاليد السياسية الغربية، واكد ان الصراع داخل الدولة ما دام يخدم مصلحة البلاد والشأن العام، فهو صراع يعكس اهتمام الرومان بالحرية وحماية الحقوق المدنية.
وهكذا، تستمد سياسة الرومان مقوماتها، مثلها مثل السياسة الاغريقية، ليس من خلال حكمة مثالية مطلقة، بل من خلال تنافس المصالح والنقاش الفعلي الجاري في حياة المجتمع.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *