الألم الجميل

الألم الجميل

د. عبد الغفار مكاوي

بساطة نبيلة وعظمة هادئة… هكذا وصف (فنكلمان) -الأثري الألماني، وأحد مؤسسي تاريخ الفن الحديث، وأكبر من جعل الدعوة الى تذوقه والاهتداء بمثله الفنية والخلقية رسالة حياته-  الفن القديم، وجعل هاتين الصفتين طابع الرسم والنحت عند الاغريق والرومان. انه يقول في كتابه “محاكاة الأعمال الاغريقية في الرسم والنحت” : “مثل ما تبقى أعماق البحر هادئة في كل حين، مهما غضب السطح وثار، كذلك يكشف التعبير المرتسم على الأشكال الاغريقية، مع كل ما يضطرم في نفوس أصحابها من عواطف، عن نفس عظيمة متزنة”.

ولم يجد (فنكلمان) شيئا يوضح به قوته خيرا من تمثال (لاوكون). ولاوكون هو أمير طروادة وكاهن أبوللو او بوسييدون. ويقال ان سوفوكليس كتب عنه مسرحية ضاعت فيما ضاع من مسرحياته.

اما حكايته -كما يرويها فرجيل في ملحمته الأنيادة- فهي انه عارض معارضة شديدة في سحب حصان طروادة المشهور الى داخل اسوار المدينة وحذر أهلها منه ويقال ان أثينا عاقبته على ذلك، فزحفت عليه حيّتان ضخمتان من جزيرة تينيدوس، فقتلتاه مع ولديه.

وقد خلته تلك المجموعة من التماثيل المرمرية المعروفة باسمه والمحفوظة الآن في متحف الفاتيكان، وهي تصوره مع ولديه يصارعان الموت. وتنسب التماثيل الى فنانين ثلاثة من رودوس هم – أجيساندر، وبوليدوروس، واثينودوروس- صنعوها في النصف الثاني من القرن الأول الميلادي. ويقال انها كانت معروضة في قصر الامبراطور تيتوس، وكانت تحفة النحت والرسم القديمين.

هذا البطل الاغريقي الذي تلتف حوله الحيّة الضخمة وتعتصر جسده القوي الجميل، وتصارع الحياة فيه صراعا غير متكافئ، يحتفظ مع كل العذاب الذي يقاسيه بنفس هادئة ومتزنة وعظيمة. هذه النفس الصامدة الجليلة لا يعبر عنها الوجه وحده بل يعبر عنها الجسد كلّه. فالألم الذي يشدّ كل عضلة ووتر، نكاد نحسّ به ولو لم ننظر الى الوجه او سائر الأعضاء- ذلك لأن كل عضلة وكل عرق في هذا الجسد قد أوشك ان يصبح وجها معبرا عن ألم فظيع ولكنه جميل. انه ألم لا يغضب ولا يصرخ تلك الصرخة المفزعة التي أطلقها “فرجيل” على لسانه. ففتحة فمه لا تسمح بها، بل تكاد تجعل منها تنهدة اشفاق او توجع، وهو الم عظيم، يترك آثار العذاب والنبل على الشكل كله بنفس القوة وبنفس الاتزان. لاوكون يتعذب، ولمنه يتعذب مثل “فيلوكتيتيس” في مسرحية سوفوكليس المشهورة. تعاسته تمس شغاف القلب، ولكننا حين ننظر اليه نتمنى لو كان في قدرتنا ان نتحمل بعض العذاب الذي يتحمله.

لابد ان الفنان الاغريقي، كما يقول فنكلمان، قد أحس بالعظمة في نفسه قبل ان يطبعها على المرمر، ولابد ان وجدانه كان يجمع بين احساس الفنان وحكمة المفكر، وان الحكمة قد مدت يدها للفن ونفخت في الأشكال الفنية هذه الروح النبيلة الجليلة. والا كيف نفسر هذا التعبير العظيم عن النفس العظيمة، وهو شيء يزيد عن ان يكون مجرد تكوين للطبيعة او تشكيل للحجر؟ الأن (لاوكون) يتألم الألم الذي يمزق الجسد ولا يصرخ؟ أم لأنه يحتفظ بهدوء الروح، شأن الرواقي الذي لا يبالي بينما تشدد الحية قبضتها عليه وتمعن فيه لدغاً وتعذيبا؟ لو صرخ (لاوكون)، لكان بذلك صادقا مع نفسه وطبيعته البشرية، فالصراخ والبكاء لن يكونا دليلا على ضعفه، بل على قوته. وهل منعنا بكاء الأبطال في ملاحم هوميروس وصراخهم من الاعجاب ببطولتهم، ألم يتعهد الشاعر العظيم ان يظهر ضعفهم البشري في أكثر من موقف لا يملك الانسان فيه الا ان يبكي او يصرخ، فيزاد عظمة لأنه يزداد صدقا؟ لقد رفعتهم اعمالهم فوق طبيعة البشر، ولكن احساسهم جعلهم دائما اوفياء لطبيعة البشر. وما أكثر أبطاله المحاربين الذين يسقطون على الارض مجروحين وهم يصرخون ويبكون: ان (فينوس) نفسها تصرخ صراخا عاليا، و(مارس) الحديدي حين تمسه حربة (ديوميدس) يصرخ صرخة مفزعة لا يقدر عليها عشرة الاف محارب، وابن (نسطور) الحكيم يقول في الاوديسة: “انني لا أخجل من البكاء”. فالشاعر يعطي الطبيعة المعذبة حقها في الشكوى والبكاء والصراخ، ويظهر ابطاله في المواقف التي تستلزم الضعف. ولم يكن (هوميروس) وحده في ذلك، فالشعراء والشعراء المسرحيون لا يخجلون من الصراخ والبكاء على السنة ابطالهم.

ولم يمنع الصراخ والبكاء (فيلوكتيتيس، ولا أوديب، ولا هرقل) في موقف الموت من الظهور على المسرح في هالة من النبل والجلال. ولقد قيل ان (سوفوكليس) كتب مسرحية عن (لاوكون) ضاعت فيما ضاع من مسرحياته المفقودة. ولا شك في انه قد اظهره على المسرح وهو يبكي ويتأوه ويصرخ.

فاليوناني قد أحس وخاف، ولم يخجله ان يعبر عن المه وحزنه، ولم يمنعه الضعف البشري من مواصلة سعيه الى الشرف ولا حال بينه وبين أداء الواجب. لقد استطاع ان يبكي وان يظل شجاعا، واستطاع ان يحقق اعمال الأبطال دون ان يتنكر لضعف البشر. فهل نصف (لاوكون) بالعظمة لأنه لا يصرخ؟ وهل نصفه بالنبل لأن فتحة فمه أضيق من ان تطلق صيحة الألم ” وهل يكفي ان يمتنع عن البكاء ويكتم الصراخ في صدره لكي نقول انه يتألم ألما جميلا؟ لابد ان هناك سببا آخر جعل هذا التمثال يعبر عما سميناه بالألم الجميل… ولا بد ان نلتمس هذا السبب في هذه الجملة الموجزة الصادقة التي أطلقها ذلك الباحث المتحمس للروح اليونانية حين تحدث عن “البساطة النبيلة والعظمة الساكنة”.

اذا صح ما يقال في الخرافة او في التاريخ من ان الحب هو الذي قام بالمحاولة الاولى في الفنون التشكيلية، فلا شك في انه هو الذي حرك يد الفنان القديم كما حرك نفسه. لم يكن الرسم عند الاغريقي القديم محاكاة للأجسام أيا كانت هذه الأجسام، بل محاكاة للجميل منها فحسب، ولم يكن يكتفي بتصوير هذا الجمال او يقنع من مشاهديه بلذة التأمل فيه، بل كانت غاية لفن عنده هي الجمال نفسه، وكان الجمال بمثابة الغشاء الخارجي الذي يعبر عن الكمال الباطن في الأشياء.

كان الجمال عند الإغريق القدماء هو القانون الأعلى في الفنون.

وقد نضحك الآن حين نسمع ان الفنون كانت خاضعة للقوانين التي يخضع لها المواطنون، فلم السلطات حرجا في الزام الفنان بقواعد معينة لا يجوز له ان يحيد عنها. ومن المعروف ان القانون في مدينة طيبة كان يوصي الفنان بمحاكاة الجمال ويحرم عليه محاكاة القبيح، لا بل يهدده بالعقاب الصارم ان فعل! فقد كان المشرع يعتقد بحق ان الفنون لها اثرها البين على اخلاق الأمة، ولذلك فقد وجد من حقه ان يخضع هذا التأثير لسلطة القانون. كان يقول لنفسه دائما: اذا كان الجميلون يصنعون اعمدة جميلة، فان هذه تترك اثرها على اولئك، والدولة تدين للأعمدة الجميلة بوجود اناس يتصفون بالجمال. وكان يقول لها كذلك ان القانون لا سلطان له على العلوم، لان هدفها الأخير هو الحقيقة، والحقيقة ضرورة للنفس لا تستطيع ان تحيا بغيرها، ومن الظلم والطغيان ان يتدخل القانون في امر ما او يتحكم فيها أدني تحكم. اما الفن فغايته المتعة، ومن حق القانون ان يحدد للمواطنين ما يجوز من هذه المتع وما لا يجوز.

التزم الفنان القديم اذن بالجمال في كل ما صوره وعبر عنه، وحين كانت العواطف تعصف بالإنسان، فتبدو آثارها على الوجه والجسد في أقبح صورة من الالتواء والتعقيد، كان الفنان يمتنع كل الامتناع عن تصويرها او يردها الى الحد الأدنى من الجمال، ولذلك فليس عجيبا ان لا نراه يعبر عن الغضب او اليأس، فاذا اضطر الى التعبير عنهما خفف من حدتهما فصارا لديه تعبيرا عن الجد او الحزن الهادئ النبيل.

فاذا طبقنا هذا على تمثال (لاوكون) او بالأحرى على مجموعة تماثيله، وجدنا الفنان بين اثنتين: انه يواجه اقصى حد من الألم يمكن ان تحتمله طاقة انسان، وهو يريد في الوقت نفسه ان يعبر عن أقصى حد من الجمال يمكن ان يعبر عنه فنان. لقد وجد انه لا يستطيع ان يوفق بين الطرفين، فالألم البشع لابد ان يشوه الملامح ويفسد الخطوط والاعضاء، والجمال الحق لا يمكن ان يتم مع التشويه والافساد. ولذلك فقد اضطر ان يخفف هذا الالم الى اقصى حد ممكن، اضطر ان يجعل الصرخة التي تشوه معالم الوجه تنهدة لا تكاد فتحة الفم الضيقة تتسع لإطلاقها. بذلك استطاع ان يجمع بين الألم والجمال، وان يثير في النفس العطف على هذا المعذب الجميل، ولو انه تركه يصرخ او طبع على ملامح وجهه كل ما يتركه الصراخ البشع من تشويه والتواء، لحولنا عيوننا عنه، ولشعرنا بنفور واشمئزاز لا يغني عنه جمال الجسد او تجانس الأعضاء.

ان الفنان لا يختار من مشاهد الطبيعة المتغيرة امامه سوى لحظة واحدة، والرسام لا يختار غير جانب واحد من هذه اللحظة الواحدة. ولا بد له لكي يثبت هذه اللحظة الفريدة في تعبير يستحق المشاهدة والتأمل ان تكون لحظة خصبة ممتلئة بالحياة، ولا تكون خصبة او ممتلئة بالحياة حتى تترك للمخيلة فرصة الحرية والانطلاق ونحن لا نمل من النظر، لأننا لا نمل من الاضافة اليها بالفكر والخيال. وكلما نظرنا اليها خيل الينا اننا نرى فيها أكثر مما نعطيه. فاذا اثبت الفنان لحظة التعبير في أقصى درجاتها، لم نجد فرصة للتخيل او التفكير، وإذا اعطى العين اقصى ما تطلبه، قصّ جناح الخيال وأعجزه عن التحليق فوق الانطباع الحسي. فالفنان الذي جعل (لاوكون) يتنهد، جعلنا نسمع صرخته بالخيال. ولو انه أطلق فمه بالصياح لرأيناه بعين الخيال وهو يموت، ولما أحسسنا ازاءه بغير النفور والاشمئزاز، هذه اللحظة ينبغي ان تكون لحظة عابرة، لا تلبث ان تظهر حتى تختفي، ولو ان الفنان عبر عنها لاضطر الى التعبير عن ألم يخلو من أثر الجمال، عن ألم ينم عن نفس ضعيفة متخاذلة، لا عن نفس نبيلة تصمد للقهر والعذاب.

لنستمع الآن الى (فنكلمان) وهو يصف من مكان اقامته في روما تمثال (لاوكون): “لقد اعتبر هذا التمثال، من بين آلاف الأعمال الفنية المشهورة التي جلبت الى روما من مختلف الأماكن في بلاد اليونان، اعظم ما يمكن ابداعه في الفن، ولذلك فهو يستحق من الأجيال المنحطة التي اعقبته، والتي لم تستطع ان تنتج شيئا يمكن ان يقارن به ولو من بعيد، أعظم قدر من الالتفات والاعجاب. ان الحكيم يجد هنا بغية بحثه، والفنان يتعلم دروسا لا تنتهي. وكلاهما يمكنه ان يقتنع بان هذا التمثال يخفي أكثر مما تكشف عنه العين، وان عقل الفنان الذي أبدعه كان أسمي بكثير من عمله.

ان ل(لاوكون) طبيعة تعاني أشد ألوان الألم، صنعت لتعبر عن رجل يحاول ان يجمع قوة الروح التي يواجه بها هذا الالم.

وبينما ينفخ عذابه العضلات ويشد الأعصاب، تتجلى الروح المسلحة بالقوة في جبهته المتغضنة، ويرتفع الصدر بالنفس المحتبس وبمقاومة الاحساس الذي يوشك ان ينفجر لكي يضم الألم ويطويه. ان الشهقة الطويلة التي يكتمها والنفس الذي يجذبه يضنيان النصف السفلي من جسده ويجعلان جانبيه غائرين مما يتيح لنا ان نحكم على حركة أحشائه.

ومع ذلك فيبدو ان عذابه لا يقلقه بقدر ما يقلقه الألم الذي يقاسيه ولداه اللذان يرفعان وجهيهما اليه ويصرخان طلبا للنجدة. ذلك لأن قلب الأب يتبدى في العينين الحزينتين والتعاطف يبدو كأنه يسبح كغيمة من العطر. ان وجهه يتشكى، ولكن لا يصرخ، وعيناه تتجهان الى السماء بحثا عن النجدة. الفم ممتلئ حزناً والشفة السفلية متدلية تحت ثقل هذا الحزن. اما الشفة العليا المرتفعة الى أعلى فيمتزج فيها الحزن بالألم بالسخط على عذاب لا يستحقه ولا يليق به، ويظهر هذا السخط في انتفاخ الانف واتساع فتحتيهما وارتفاعهما.

اما الصراع الذي يدور تحت الجبهة بين الألم والمقاومة فقد صور بأكبر قدر من الحكمة وبدا كأنه قد تجمّع في نقطة واحدة، فبينما يدفع الألم بالحاجبين الى أعلى، تخفض مقاومة هذا الألم لحم العينين الى أسفل في اتجاه الرمش الأعلى، حتى ان ذلك اللحم يغطيه.

 ان الطبيعة التي لم يستطع الفنان ان يجملّها قد حاول ان يظهرها أكثر تفصيلا وعناء وقوة، وحيث يكمن أكبر قدر من الألم يتجلى كذلك أكبر قدر من الجمال. والجانب الأيسر، الذي تصب فيه الحية سمّها وهي تعضه بقسوة وغضب، هو الذي يبدو انه يقاسي، أشدّ ألوان العذاب لقربه من القلب. وهذا الجزء من الجسم يمكن ان يعد معجزة من معجزات الفن.

ان ساقي (لاوكون) تحاولان النهوض للخلاص من عذابه، وما من جزء من أجزاء الجسم يبدو في حالة سكون، بل ان الضربات الفنية الكبرى نفسها تشير الى جلد متصلب”.

فمن هو هذا الأثري الذي تحمس للمثل الأعلى في الفن، وأراد ان يجعل منه مثلا أعلى للإنسان؟ من هذا الذي أيقظ الروح اليونانية في ضمير الغرب، وجعل من محاكاة اليونان سرّ الأصالة ومن فنهم وحكمتهم منبع الإنسانية الحقة ؟ من هذا الذي راح يكافح وحده ليعيد القلوب والعقول الى المنبع الأصيل، ويبعث الحرارة والحياة في الشعلة اليونانية فتلتهب وتلهب من جديد؟ ” بالحرمان والفقر، وبالعناء والحاجة كان علي ان أشق طريقي، كنت دليلي ومرشدي في كل شيء تقريبا”.

حين خرج بعمله الأول الى الناس، تطلع اليه العالم الأوروبي الذي سادته حضارة الرومان في دهشة. فها هي صفحة جديدة من الرؤية والتربية قد بدأت، وها هو عصر خال قد عاد يؤثر من جديد، وها هو صوت اليونان يتردد في الأذان بكل انسانيته وجماله، ويلمع كالنجم الباهر الجديد في السماء. والزمن قد نضج لبعث الروح الاغريقية القديمة، وبعض الأصوات – كصوت مواطنه الكبير ليسنج- توجه الأنظار الى هذه الروح الأصيلة القوية وتكافح الروح الرومانية المسيطرة.

ان (فنكلمان) كان اول من وجد في نفسه القوة والحماس الكافيين لتحويل الدفة من الرومان الى اليونان: “ان أصفى منابع الفن قد تفتحت. سعيد من يعثر عليها ويتذوق ماءها. ان البحث عن هذه المنابع معناه السفر الى أثينا”.

لكن (فنكلمان) سيبحث عن أثينا وهو في روما، وستنشأ عقيدته اليونانية وايمانه بالماضي الاغريقي على الأرض الرومانية، وسينتصر على روما من روما نفسها. انه يعلم ان الكفاح سيكون شاقا، والمعركة على أرض تؤمن بروما وببعث الروح الرومانية منذ ثلاثة قرون ستكون معركة قاسية. قد تكون هذه السيادة الرومانية قد خمدت من الناحية السياسية. ولكنها لا تزال منذ عصر النهضة ذات تأثير حضاري كبير في ايطاليا وفرنسا. ولا يزال مجد روما القديمة وعظمة ماضيها يلمعان في كتابات شخصيات كبيرة مثل فولتير ومونتسكيو في فرنسا، وجيبون في انجلترا، وببرانيزي في ايطاليا. فأين تذهب كلمة فنكلمان عن البساطة الجميلة النبيلة في الفن اليوناني أمام هذا كله؟ وكيف له ان يؤكد الفن اليوناني، لا بل الفكرة اليونانية عن الحياة والانسان امام هذه السيطرة الرومانية التي تواجهه في كل مكان؟

ها هو في فبراير سنة 1758 يقول عن نفسه انه اليوناني الوحيد الذي يعيش في روما. وها هو يحاول من مكانه في هذه المدينة العريقة ان يكافح الروح الرومانية في الفن والتربية، ويكتشف الذوق اليوناني ويبشر به. انه لا يشغل نفسه بالفن ولا بالآثار لذاتها بل من أجل تأكيد قيمة الانسان وكرامته. انه يريد ان يسير على (طريق سقراط) فيجعل من نفسه مربيا للشباب بالمعنى الشامل لهذه الكلمة، ويهب حياته وجهده وكتاباته لإحياء ذلك النموذج الاغريقي الكامل للشباب حتى يكون قدوة حية لمواطنيه. “هذه هي حياة ومعجزات (يوهان فنكلمان)، المولود في (ستندال) من مقاطعة (التمارك) في بداية سنة 1718 “. تلك هي السطور التي يختتم بها فنكلمان خطابا يروي فيه قصة حياته لأحد اصدقائه الألمان في ديسمبر 1762. وكان قد ارسله اليه من روما، وطنه الجديد، الذي يريد ان يختم فيه أيامه.

ساقه طريق القدر اليها، وهو يعلم انه طريق مملوء بالعذاب، ولكنه لا يريد ان يفارقها، لأن فراقها هو فراق أعز الأحباب. لقد ذاق الفاقة والعبودية في صباه، وهو لذلك سعيد بالحرية التي نالها في روما، والمكانة المرموقة التي رفعه اليها علمه وحبه القوي الغامض للقدم والقدماء. وكلما زادت الصعاب التي كان عليه ان يواجهها، لمع نجمه في عيون الأوروبيين، وزاد احساسه بالكرامة والاباء. لقد تغلغلت روما في كيانه، كما سيقول عنه (جوته) فيما بعد وعرف طعم الحرية التي ستجعله يقول عن نفسه: ” انني فقير ولا أملك شيئا، ولكنني استمتع بحرية أبيّة، لا ابيعها بكنوز العالم كلها”. لقد عرف منذ البداية ان طريقه يسير به الى روما “مدرسة العالم العليا” وبلد الفن الكلاسيكي العظيم، والحياة الحرة من التجهم والادعاء. ولقد ساقه طريقه اليها ليرى ويقول ما لا يستطيع سواه ان يقوله او يراه، وليشبع شوق الشمال نحو الجنوب، ويبحث عن حياة أفضل وسعادة أبعد. عرف ان طريقه سيسوقه الى ايطاليا، بلد الفن القديم، او بلد الانسانية كما سيقول عنها فيما بعد، فلم يتردد في السير على هذا الطريق في رجولة واصرار. انه الآن في روما يرى الجمال ويحس انه يؤدي رسالته في بعث انسانية جديدة من خلال هذا الجمال الكلاسيكي القديم.

بدأ عهد جديد من الرؤية والتجربة عندما رأى (فنكلمان) لأول مرة بعض النماذج الأصلية من الفن الاغريقي. كان العلماء من قبله يقرأون ويقرئون، وها هو ذا يتأمل ويشاهد فيهتز من أعماق كيانه: تماثيل آلهة وأبطال يراها لأول مرة فتملأه احساسا بالعظمة والجلال. انه يرى الاله والبطل نفسه أمامه، بقوامه الفارع الجميل فلا يملك الا ان ينظر الى هذه التماثيل نظرة العابد المتبتل ويقول: “ان الآلهة والابطال تقف كأنها في اماكن مقدسة حيث يسود السكون”. وهو يحس امام هذه الأعمال التي تنكشف له كالوحي كأن على الانسان ان يتحول بكليته امامها: “ان الانسان يتجول بين تماثيل المرمر الجميلة بخطى أكثر وثوقا وبأفكار أكثر ثباتا”. وينظر الى تمثال الاله فيحس بالإنسان وكرامته، ويعرف ان الهدف الأسمى للفن لابد ان يكون هو الانسان نفسه.

انه يقف الآن امام تمثال الاله (ابوللو) فيشعر ان مشاهدته لهذا التمثال تربيه وترتفع به، وتحوله الى مرب ومعلم ومبشر بالمثل العليا للإنسان. ويتطلب منه وصف هذا التمثال مع تماثيل (لاوكون، وانتينوس، وفينوس) وغيرها ما تتطلبه كتابة قصيدة عن الأبطال من جهد وعناء. ويأتي هذا الوصف حقا كقصيدة عن الأبطال، مطبوعة بروح هوميروس، ممتلئة بالورع والاكبار لهؤلاء البشر الالهيين او هؤلاء الآلهة البشريين. ويزداد هذا الحماس للمثل الأعلى الذي يختزنه الجمال القديم بازدياد الحفريات في منطقتي (بومبي وهركولانوم) وخروج اعمال فنية الى النور من تحت ركام بركان (فيزوف)، تجعله يحس بسعادة لا تعادلها سعادة اخرى في سموها وصفائها، لنستمع اليه وهو يعبّر في عام 1764 عن الهزة التي اجتاحته امام تمثال اكتشف حديثا في تلك المنطقة: “لقد تم الكشف منذ بضعة ايام عن رأس (بيلاس)، يفوق في جماله كل ما يمكن ان تراه عين بشرية، وكل ما يخطر على قلب بشر او يجول في فكرهم. لقد وقفت جامدا كالحجر عندما رأيته”.

هذه الانتفاضة المتجددة التي راحت تنتابه امام كل تمثال جميل، وهذا الشوق الى الاتحاد بالجمال الالهي، كان يجعله يتجول بين التماثيل الاغريقية كأنه يتجول في معبد مقدس، وكلن يعيده الى نفسه التي هي مصدر كل جمال، ويشعره بالأصل الالهي الذي انحدر منه. وأصبح التبشير بالإنسانية الصافية المتجسدة في هذا الجمال الاغريقي رسالته التي يعيش ليعلنها لمواطنيه ولأوروبا كلها التي راحت تنظر اليه في دهشة واحترام واعجاب.

كان هذا (البروسي) قد تأهب زمنا طويلا للقاء القدماء في روما، ولم يكتف بالتعمق في لغة اليونان وآدابهم حتى أصبحت قراءة (هوميروس) كتابه الوحيد الذي لا يفارقه، بل ذهب الى هناك بعقل (القديم) واحساسه وكيانه. هذا الاحساس الوثني بالقدم، وهذا البحث الغريزي عن روح الاغريق وأفكارهم وعقائدهم، كان أشبه بالاستعداد الطبيعي الذي وجه حياته وملأه احساسا بالثقة في نفسه ورسالته، وأذاقه طعم السعادة والرضا والحرية على فردوسه الأرضي في عاصمة العالم القديم. وهذه الحرية كانت بدورها قوة اخرى قديمة تغلغلت في حياته الظاهرة والباطنة، وتفوقت على كل قوة سواها.

“أيتها الحرية المباركة التي استطعت اخيرا ان اذوق طعمها واستمتع بها كل الاستمتاع في كل خطوة اخطوها في روما” وهي نفس الحرية التي رأى فيها القوة الأساسية التي تشكل الفن الاغريقي، ونفس الحرية التي وجهت احساسه بالحياة ورسمت الطريق لكل اعماله العلمية. وكانت الصداقة الى جانب الحرية هما الهدف الأخير الذي حدد كل شيء في حياته، كما يقول في خطاب كتبه من درسدن قبل ان يغادر بلاده بلا عودة. انها الصداقة الاغريقية القديمة التي كانت تقوم بين الرجال، وهي نفس الصداقة الحسية التي كانت تربط سقراط بتلاميذه، وتجعل من البطل الشاب رمز القوة والعظمة والجمال. بهذا الاحساس الوثني بالصداقة البطولية سمى نفسه صديق كل الأصدقاء. ولعله حين قال ذلك كان يتوقع الصدمات التي ستصيبه من ورائه، ولعل الحب الذي تقوم عليه تلك الصداقة هو الذي جلب عليه الموت، فقدم حياته كالضحية التي يقدمها الوثني لآلهة الوثنيين. المهم انه ظل يستمع لصوت الحب الايروسي في كل ما تراه عينيه من آثار الفن القديم، وفي كل ما يسجله قلمه عنه.

هذه الكلمة الأورفية القديمة الحافلة بالأسرار تغلغلت في مذهبه عن الفن الاغريقي، وفي تمجيده للمثل الأعلى الكامن والذي تحقق في الجسد الشاب الجميل. كان هذا الجسد الجميل هو غاية الفن الاغريقي ومعناه، وكان همه كله ان يفتح عيون الناس عليه كما يظهر في تمثال ابوللو او غيره من الآلهة والأبطال.

هنا أحس (فنكلمان) بذلك الانسجام الذي يعلو على مدارك البشر ويربط الأشياء برباط الأزل وهنا أحس كذلك بالجمال المثالي الذي رأى كما رأى افلاطون من قبل انه كان في الله، وانه لا يهبط على البشر او يغمرهم بنوره الا لكي يذكرهم بالجمال الالهي الاصيل. ولم يكن (فنكلمان) وحده في ذلك، فقد سبقه اليه مواطنه العظيم (دورر)، ومعاصره (شافتزبري) وممثلو النهضة الايطالية، وكلهم تلاميذ افلاطون الذين يملؤهم الشوق للعودة الى المنبع الالهي القديم، والاحساس بكرامة الانسان وتفرده وانه العالم الصغير الذي ينبغي عليه دائما ألا يفقد صلته بالعالم الكبير. وكما يسود التجانس والانسجام ذلك العالم الكبير، كذلك ينبغي ان يكون هذا العالم الصغير عملا فنيا وكلا متجانسا تسوده كما تسود العالم الكبير قوانين الجمال والاخلاق والانسجام.

لم يكن هذا المثل الاغريقي القديم في الجمال شيئا يتصل بالفن وحده، بل كان بالنسبة ل (فنكلمان) مصدرا للقانون والمعيار، ومبعثا للقوة والارادة التي تحاول ان تبني الانسان وفق نموذج المثال الأعلى الكامل القديم.

ان انسان القرن الثامن عشر الذي ابتعد عن الطبيعة وأفسد عينيه بالقراءة كما أفسد اخلاقه بالرقة والتخاذل، يجب عليه ان يعود مرة اخرى الى المثل الأعلى الاغريقي القديم في الجمال والقوة والرجولة والشباب. فاذا كان الجمال هو جوهر الفن وغايته الأخيرة، فهو ايضا القوة التي ستوقظ في اعماق الانسان الاحساس بكرامته وقوته “والوهيته” فالجمال هو في نفس الوقت الخير. والجسد الجميل لا تسكنه الا نفس جميلة وفاضلة. هكذا يصبح الحب للفن – عند قارئ متحمس لأفلاطون ولمحاورته (فايذروس) بالذات! – حبا للإنسان بصفته أنبل المخلوقات. والمثال الذي كان يتغنى به في الفن والشكل لم يكن مثالا جماليا فحسب، بل كان مثالا اخلاقيا قبل كل شيء. ان القانون.. الفن هو قانون الانسان – كذلك الأمر عند فنكلمان وليسنج، وسيكون كذلك عند الروح الكلاسيكية كلها من بعد. فأعمال النحت القديم التي رآها فنكلمان لأول مرة في درسدن، ثم بعد ذلك في ليبزغ وبوتسدام لم تكشف له عن الجمال وحده، بل كشفت له عن قيمتها الأخلاقية، وقدرتها على شفاء الانسان الحديث من تمزقه، واعادته “كلا” متكاملا، بفضل ما فيها من بساطة نبيلة وعظمة هادئة، لا بل بفضل ما فيها من قداسة هذه الآلهة التي يحيط بها سكون أشبه بسكون المعابد، هذه الأجسام الجميلة النامية وهذه الخطوط والأشكال النقية البسيطة في الفن الاغريقي والروماني كما في النهضة الايطالية عند رفائيل ومدرسته، ليست متعة للعين والذوق فحسب، بل دليل الى تربية الانسان، ومرشد الى الأسلوب الحق في الحياة، والنظر النافذ الى جوهر الأشياء. ومن ثم لم تكن الروح اليونانية التي يصفها في كتابته، وبخاصة في كتاب حياته “تاريخ الفن القديم” ماضيا بعيدا يكشف عنه لمعاصريه، بل كانت عنده حاضرا مباشرا وقوة فعالة تستطيع ان ترجع الانسان الى حالة العظمة البسيطة، وتعيد له الكرامة المفقودة كما تدله على الطريق الى أصله الالهي وبالتالي الى صورة الانسانية الحقة والبساطة المقدسة كما كان يسميها الانسانيون من قبله.

كانت نقطة البداية عند فنكلمان هي حبه للجمال وللفن الاغريقي، اما هدفه الأخير، كما سيقول (هردر) فيما بعد، فهو احياء طريقة التفكير اليونانية الطبيعية الجميلة. الهدف اذن تربوي انساني، والمثل الأعلى هو الفن الاغريقي. لابد من خلق فن جديد على هدى هذا النموذج القديم، ولابد من تجاوز فن الباروك المتأخر و”الروكوكو” بكل ما فيهما من تهويل وافتعال، ولابد ايضا من تجاوز صورة الانسان فيهما. بهذه العقيدة الاغريقية ظهر اول كتب فنكلمان ” خواطر عن محاكاة الأعمال الاغريقية ” في الرسم وفن النحت ليشعل نورا جديدا ويقول كلمة حاسمة في الصراع الخالد بين القديم والجديد. ولم يتردد فنكلمان في الوقوف في صف القدماء، مؤمنا بأنه يمهد الطريق بذلك الى الذوق الحقيقي الصحيح. ولم تكن فكرة محاكاة القدماء فكرة جديدة كل الجدة. فقد عرف منذ عصر النهضة ان محاكاة الأعمال القديمة بما فيها من “بساطة نبيلة” هي التي ستفتح الطريق الى الفن الأصيل، وان على من يريد ان يصبح استاذا في فنه ان يبدأ بدراسة أعمال القدماء.

يبدو اذن ان فنكلمان لم يأت بجديد حين دعا في كتابه، لا بل في عنوان هذا الكتاب نفسه، الى محاكاة القدماء، وحين عبر عن عقيدته بهذه الكلمة المشهورة ” ان الطريق الوحيد امامنا لكي نصبح عظماء، بل إذا أمكن لنصبح اصلاء، هو محاكاة القدماء”- ولكن لمحاكاة التي قصدها لم تكن هي التقليد الأعمى، بل الاحتذاء النبيل والمحاكاة الخلاقة! مثل هذه المحاكاة إذا ما اهتدت بالعقل يمكن ان تصبح طبيعة جديدة، اصيلة ذاتية ويمكن ان تقف على قدم المساواة امام الأعمال القديمة. كذلك فهم رافائيل محاكاة القدماء، فأبدع أعماله الخالدة. وكان لابد من التفكير كما فكر الاغريقي، والخلق والابداع من نفس الدوافع التي دفعتهم على الخلق والابداع، والعودة الى أصول الحياة في الفن والرؤية والاحساس.

كان الهدف اذن من هذه المحاكاة هو الوصول – من معرفة الفن الاغريقي الى معرفة الانسان على وجه الاطلاق، ففي الذوق الجميل الذي لا نكاد نجده الا عند الاغريق، مع بعض الاستثناءات القليلة عند المحدثين، يكمن الأصل في الفضيلة ” وفي بناء الانسان”. لابد من السير على هذا الطريق الذي سار عليه العظماء في مختلف العصور “لكي بأنفسنا عن الأصل، ونعود الى المنبع نجد الحقيقة صافية غير ممتزجة بشيء، لابد من ترك الصورة الى الأصل، والجزء الى الكل، والتعقيد الى البساطة، والافتعال الى الطبيعة. بهذا يبعث الفن ويبعث معه الانسان من جديد. وتصبح العودة الى القديم مساوية للعودة الى الطبيعة والى الحالة الكاملة الأصيلة حين ارتسم الانسان في عقل الله مخلوقا شبيها به وخليقة له. ولن يصل الانسان الى هذه الصورة او هذا المثال الا عن طريق تأمل الفن الاغريقي والنحت على وجه الخصوص، فهو وحده الذي يستطيع ان يعيد اليه عظمته وكرامته، ويرسم له صورة الانسانية العارية الرائعة البسيطة، صورة هذا الانسان الاغريقي الحر الذي نشأ تحت سماء نقية صافية واكتسب جسده ” بالجمناستيك” والالعاب الأولمبية شكله المتسق النبيل، حتى تجسد مثال للجمال المطلق في هذا الجسد الجميل. الجمال اذن هو هدف الفن وجوهره. ولا يستطيع ان يحس بالفن القديم او يفهمه الا من يحس بالجمال ويفهمه. والعكس صحيح، فلن يستطيع ان يحس بروح الجمال الحق وقانونه الا من يحس بروح الفن الاغريقي او بالفن الذي نبع منه وتعلم عنه، كما هو الحال عند (رافائيل) و (منجس) ومن لم يتعرف على أفضل الأعمال القديمة فلا يصح له ان يطمع في معرفة الجمال الحق”. بذلك يرتبط إدراك قيمة الشكل الانساني الجميل بمعرفة الفن الاغريقي، ومعرفة النحت الاغريقي المقدس على وجه الخصوص. هنا يكمن مثل الجمال الأعلى الذي تبحث عنه اوروبا منذ عصر النهضة المبكر وهنا يكتسب حياته وقوته، ويصبح مرادفا لذلك الجمال الخلاق الذي يستمد قانونه وشكله من النحت الاغريقي. وها هو فنكلمان يعبر عن ذلك بقوله: ” اذا لم يصبح ذوق القدماء هو القاعدة التي يسير عليها الفنانون اليوم في امور الشكل والجمال فلن تكون هناك قاعدة يؤخذ بها”.

هذا المثل العلى في الجمال يمكن ان نفهمه حين نتأمل شكلا اغريقيا كاملا بلغ اقصى حد ممكن من الجمال اذ يصعب ان نجد مثل هذا الجمال في الطبيعة بنفس هذه الدرجة التي يظهر بها في بعض التماثيل. فروائع الفن الاغريقي تقدم لنا الطبيعة الكاملة النقية بعد ان تحررت من كل الحاجات البشرية واقتربت من الجمال المثالي او لنقل من الجمال الالهي. بهذا المبدأ الأفلاطوني نقل فنكلمان الجمال الأسمى في هذا العالم الى عالم آخر يفيض منه ويعود اليه. وبهذا أصبح الجمال البشري يقاس بالجمال الأسمى، ويحدد كماله بمقدار ما يقترب من ذلك المثال ويتفق معه في البساطة والتجانس.

وبهذا ايضا لا يكون الجمال مجرد فكرة استطيقية فحسب، بل كذلك عاملا اساسيا في تكوين الانسان والارتفاع بأخلاقه الى النبل والكمال. فاذا نظرنا الى تمثال شاب اغريقي لم نؤخذ بجمال الشكل وبساطة الخطوط وعظمة التكوين فحسب، بل استطعنا كذلك ان نحس فيه بالرجولة، والحرية، والنبل، والقوة، والقدرة على الحياة المرحة السعيدة. وهكذا لا نجد أنفسنا امام تمثال لشاب اغريقي بقدر ما نجد اننا نواجه رمزا انعكست عليه كل اشعة الروح اليونانية، وتجمعت فيه كل مثلها في الحياة والفكر والحضارة.

هكذا نجد فنكلمان يصف تمثال (أبوللو) فيصبح رمزا للروح الاغريقية وللحياة الحرة السعيدة التي عاشها هذا الشعب الذي لم يفقد شبابه ابدا. لنسمع معا ما يقوله عنه: “ان أسمى فكرة عن الشباب المثالي الرجولي قد صورت على نحو مدهش في أبوللو، حيث تتحد قوة السنوات الكاملة مع الأشكال الناعمة لأجمل ربيع للشباب” وهكذا يحس فنكلمان بسمو الجسد البشري والوهيته، ويتجول بين تماثيل الأبطال والآلهة كالكاهن الذي يبشر بعبادة الجمال. لقد رأى الاغريق وقد ألهوا الجسد، وجسدوا الاله، وأذابوا الجمال البشري والجمال الالهي في كيان واحد.

ولذلك فهو يرى ان واجبه يحتم عليه ان يبشر بهذا النبل والكمال الذي اكتشفه في الفن اليوناني، ليجعل منه نموذجا ومعيارا لما يصنعه الانسان في الحجر وفي الحياة على السواء.

وهكذا يصل فنكلمان الى عبارته المشهورة التي تجعل من تجربته الجمالية تجربة اخلاقية وتربوية، وتجسد الفكرة الانسانية في أكمل صورها حيث يقول: ” ان العلامة العامة المميزة لروائع الفن الاغريقي هي البساطة النبيلة والعظمة الساكنة في الوضع وفي التعبير على السواء. وكما تبقى أعماق البحر هادئة في كل الأحوال مهما غضب السطح وثار، كذلك يدل التعبير في التماثيل الاغريقية، مع كل ما يضطرم في نفوس أصحابها من عواطف، عن نفس عظيمة متزنة”.

ولم يجد فنكلمان ـ هذا المتصوف العاشق للروح اليونانية والجمال اليوناني – ما يوضح به مثله الأعلى في السكون والاتزان والتزام الحد في التعبير خيرا من تمثال (لاوكون) او مجموعة تماثيله. هنا استطاع الفنان ان يعبّر عن أبشع ألم في أجمل صورة فظهر الجمال في أسمى صورة حيث كان الألم في أقسى شدته. لم يثر لاوكون المعذب ولم يصرخ ولم يتطرف في اشارته او حركاته. بل ظل السكون يرف حوله على الرغم من العذاب البشع الذي يعصر جسده، والثعابين الضخمة التي تغرز انيابها فيه. بهذا عبّر الفنان عن الألم الذي يتجاوز طاقة البشر، ولكنه أبقى على الألم الذي لا يفقد النفس شيئا من الانسجام والسكون والاتزان، والذي يعبر عن كبرياء الروح وقوتها وصمودها مهما لقيت من ظلم او عذاب، لأنه يظل دائما ذلك الألم الذي لا نغالي إذا سميناه بالألم الجميل.

كان من نصيب هذا المؤرخ الأثري الألماني – الذي لقب عن جدارة بأب الروح الكلاسيكية – ان يرتفع من حضيض الفقر والظلام والعذاب الذي عرفه في شبابه الى قمة الجمال والشهرة والنور. لقد لبّى صوت الشوق الغامض الذي ظل يدعوه الى أرض الجنوب وشمسها ودفئها وفنها. وهناك في روما عاصمة العالم القديم، تعرف على الفن الاغريقي ووجد رسالة حياته في التبشير بالإنسانية الكاملة التي رآها في التماثيل الاغريقية. ولكن القدر الذي كتب له ان يذوق كل هذه السعادة التي تفوق قدرة الفنانين، لم يقدر له لن يضع قدمه على ارض الاغريق. بل لم يقدر له ان يضع قدمه على ارض صقلية، او يطل من قمة جبال (الأجرجنت) على بقايا معبد (سيجست) او يرسل بصره الى البحر، كما فعل مواطنه العظيم (جوته) في رحلته الايطالية فيما بعد.

فها هو في اواخر ايام حياته ينظر عبر بحر الجنوب الواسع الساطع الى شواطئ الجزر البعيدة حيث يرقد مثال الجمال الأسمى والانسانية الخالصة بعيدا كالأحلام. وها هو يختم كتابه الكبير تاريخ الفن القديم قائلا: “كما تتبع المحبوبة من على شاطئ البحر حبيبها المسافر بعينين دامعتين وبل أمل في اللقاء، ويخيل اليها انها ترى في الشراع المبتعد صورة المحبوب”. ولقد أودى بفنكلمان هذا الحماس الصادق المتدفق للفن القديم حين كان في طريقه الى وطنه – فقد لقي مصرعه في أحد فنادق (تريستا) على يد أحد الأفاقين – كان فنكلمان في موجة حماسه وحبه للفن الاغريقي قد عرض عليه بعض التحف والعملات الأثرية التي يحملها معه، وظن المجرم ان هذا الضيف يخفي كنزا ثمينا، فاغتاله على أبشع صورة. وسرعان ما انتشر النبأ في اوروبا وتلقاه المعجبون به في ذهول ووجوم. فقد هالهم ان ينتهي هذا المعلم الملهم والمبشر المتحمس بالروح اليونانية وبالمثل الانساني الذي اكتشفه في روائعها على هذه الصورة الأليمة. ولعلهم قد سألوا انفسهم ان كان في استطاعة الانسان عند مواجهة الموت ان يعبر عن الألم الذي يشعر به في لحظاته الأخيرة نفس تعبير لاوكون عن الألم الجميل.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *