الديمقراطية

 

تعريف الديمقراطية

فالح عبد الجبار 

الديمقراطية نظام فريد للحكم. وهي في شكلها المعاصر نتاج للعصر الصناعي، آو عصر الحداثة المتميز بالعلمانية والمدنية والليبرالية. لقد استغرق نشوء وتطور هذه الحقبة قرونا.  في هذا البحث سوف نتفحص بعض المظاهر التاريخية لهذه العملية المديدة وغير المتكافئة بل المتناقضة وحتى المروعة فحصا يندرج
في شكل سرد للوقائع وتدقيق للمفاهيم.

التقدم والتراجع في الديمقراطية

كانت الرأسمالية الصناعية (العصر الصناعي) في القرن التاسع عشر لا تزال جزيرة صغيرة في خضم محيطات الإنتاج 1لفلاحي الصغير والإنتاج الحرفي الصغير. وعلى الغرار نفسه كانت الديمقراطيات استثناءات قليلة في وسط محيطات من النظم الأوتوقراطية أو السلطانية أو العسكرية، علاوة على الكيانات القبلية ما قبل السياسية. في أوائل القرن العشرين اخذت الديمقراطيات في التراجع والسبب أن العصر الصناعي كان في أزمة، ضحية لنموه وتفتحه بالذات. ولما كان هذا العالم يتشكل من وحدات أساسية هي الأمم، فإن اممأ منفردة سقطت ضحية لأزمة مستعصية أطلقت العنان لتمردات جماعية (اشتراكية) من
قوى اليسار او قومية دولتية من قوى اليمين (الدولتيه فكرة تضع الدولة فوق كل شيء وتسحق حتى شعبها باسم الحفاظ على الدولة كمبدأ أسمى). ودشنت هذه الأمم قطيعة مع التقاليد الليبرالية او كانت غير قادرة على إبقاء المؤسسات الديمقراطية الضعيفة أصلا. ونتيجة لذلك ظهرت الأنظمة الشمولية ومقلدوها في دول الأطراف. في تلك الفترة، اخذت الديمقراطية بالتراجع في العالم اجمع. ففي عام 1920 كان ثمة اكثر من 35 حكومة دستورية منتخبة؛ وفي عام 1938 لم يكن هناك غير 17. اما في عام 1944، فلم يبق غير 12

ديمقراطية من 64 دولة قومية في المعمورة. لقد جاء التهديد الكبير للديمقراطية من الأنظمة الشمولية اليمينية. وتبعأ لقول (هوبزباوم) ففي 1918 – 1920، قامت امتان اوروبيتان بحل الجمعية التشريعية؛ وفي العشرينيات من القرن العشرين، قامت بذلك ست دول؛ وفي 1930 تبعت ذلك المثال التدميري تسع دول. لقد حطم الاحتلال الألماني الكثير من الديمقراطيات؛ وما بقي في أوروبا كان: بريطانيا وفنلندة والسويد وسويسرا

وارلندة. بعد الحرب العالمية الثانية عاد بناء الديمقراطية بقوة في أوروبا الغربية في بلدان مثل إيطاليا والنمسا. ولكن كان ثمة تطور معاكس في طور التشكل في الوقت نفسه: سلسلة من التحولات اليسارية المدعومة من الجيش الأحمر في وسط أوروبا، راحت تقلد روسيا الستالينية، ومن بينها دول كانت سائرة في فلك المانيا النازية، وقد استنسخت قبل الحرب العالمية الثانيه وبعدها نموذجين اجتماعيين متعاكسين يميني ويساري يقومان على ذظام دولة الحزب الواحد المركزية.

مع اشتداد الحرب الباردة، اخذت الكثير من الدول في آسيا وافريقيا وبعض دول ما بعد الكولونياليه تتقلب على انظمة الحكم الليبرالية من الفترة الكولونياليه البريطانية والفرنسية، وتتخذ سبيل تطوير انظمة سياسية قومية عسكرية تسلطية. وكانت القوى العظمى منشغلة تمامآ في صراع الحياة والموت انشغالا أكبر من ان يصرفها إلى ترف التفكير في الديمقراطية. كانت القوى العظمى في غالب الأحيان مشغولة في إعداد الانقلابات العسكرية والمؤامرات السياسية واثارة الاضطرابات من اجل تطويق بعضها بعضا. في ظل مثل هذه الظروف الملائمة للتسلطية كنظام للحكم عززت السلطات المحلية والنخب المدنية والعسكرية في أكثر
الدول النامية سيطرتها الاستبدادية. لذلك انتكس نمو الديمقراطية في الكثير من دول “العالم الثالث” بفعل قوى وعوامل محلية وعالمية. ومرة اخرى كانت اوروبا استثناء. فمنذ 1974 بدأت النظم التسلطية في البرتغال واسبانيا واليونان بالتفكك حتى تداعت في الأخير.

فإذا كانت موجة الديمقراطية قد بقيت محدودة المدى بل حتى تكسرت بفعل ازدياد عدد الدول اللاديمقراطية

في أعقاب الحرب العالمية الثانية (1945)، فقد كانت موجة بناء الديمقراطية بعد الحرب الباردة (1991) هائلة. وعلى العكس من سابقتها، كانت الموجة الجديدة، بكلمات (هئتنغتون)، ليست أوروبية، بل عالمية،
حيث غطت حوالى 50 أمة، بما في ذلك الاتحاد السوفييتي السابق وحلفاءه الأوروبيين الشرقيين وآسيا وأمريكا اللاتينية وأفريقيا. وقد احتفى (فوكوياما) على نحو مثير بهذه الانعطافة التاريخية وفق التراث الهيجيلي الذي يفهم التحول على انه تقدم العقل في التاريخ وبالتالي مسيرة هذا التاريخ نحو نهايته؛ وكان
هذا احتفاء أيضأ بروح (آدم سميث) في تقدم الأسواق باعتبارها قوة تحرر مجانسة. عنى النقيض من ذلك، اعاد (هنتنغتون) صياغة مفهوم العالم الجديد وفق (كلاوزفيتز) بأنه حرب حضارات.

إننا الآن في عالم جديد، قرن جديد. لقد بدأ القرن العشرون متأخرأ في عام 1917، مع ثورة أكتوبر، لكنه انتهى مبكرأ في عام 1991 مع انهيار الاتحاد السوفييتي. انتهى القرن العشرون قرن المستعمرات والشمولية والدولتية — الفاشية التي تمردت على اختلالات وانتشار العالم الصناعي. وإذ تبدو هذه التمردات غير

مجدية بل دامية ورهيبة فقد كانت في الحقيقة إشارات تحذير ضرورية على ان النظام الصناعي يفتقر للتوازن، وأنه كان بحاجة إلى إعادة تنظيم. دعونا ننظر عن كثب.

المصادر الكبرى للتمرد على الديمقراطية

تكشفت المجتمعات الصناعية الحديثة الولادة عن ثلاث مشاكل رئيسية: أولا، التوزيع غير العادل للثروة في المجتمع مشفوعا بتصدعات وانقسامات اجتماعية حادة؛ وثانيا، علاقات مختلّة آو غير متوازنة بين الدول القومية يفرزها إلى رابحين وخاسرين، وثالثا، التوسع الامبراطوري، اي نشوء المستعمرات (الكولونيالية)، التي اذكت النزعات القومية الكارهة للأجانب.

وسنناقش ادناه هذه المظاهر بالتتابع.

أكدت الليبرالية الكلاسيكية على الحريات الاقتصادية والسياسية الفردية- بوجه الدولة الأوتوقراطية التدخلية (زمن الإقطاع). وخلال القرنين الثامن عشر والتاسع عشر كان المفكرون الاقتصاديون الليبراليون، مثل آدم سميث، او الفيزيوقراطيين الفرنسيين، يدعون إلى حرية التجارة والاقتصاد، لكنهم لم يدافعوا عن حرية التجارة فحسب، بل دعوا أيضأ إلى حكومة الحد الأدنى. وقد وضع سميث حجم الحكومة تحت رحمة قوانين العرض والطلب. ومنذ مطلعي القرنين السابع عشر والثامن عشر، راح المفكرون السياسيون الليبراليون يشددون على حقوق الإنسان الجوهرية (مثال ذلك فلاسفة العقد الاجتماعي)، ويشددون على كوابح وتوازنات لمنع الحكم الأوتوقراطي (حكم الفرد الواحد). إن أطروحات جون لوك في الحكم لا تزال تمثل المبادئ الأساسية للحكم الديمقراطي: الحكم بالتراضي وحكم الأكثرية، أما تقسيم السلطات والمؤسسات الوسيطة التي بحثها مونتسيكو فإنها تؤلف المكونات البنيوية للحكم الديمقراطي.

أدى تقدم الليبرالية إلى منح حق الانتخاب للطبقات المالكة أول الأمر، بينما أفقر التقدم الصناعي طبقات الفلاحين والحرفيين. وبالتوافق مع الفكر الليبرالي ولكن أيضا على الضد منه، وسعت المدارس الجماعية (الاشتراكية) الكلاسيكية في القرن التاسع عشر على نحو راديكالي (وربما قبل الأوان)، المبدأ الليبرالي في الحرية السياسية والمساواة ونقلته إلى المجال الاقتصادي، مؤكدة تعايش وتصارع الأضداد بين الفرد

والجماعة أو بين المصلحتين الخاصة والعامة. كما هاجمت الجماعية القاعدة الاجتماعية الضيقة لديمقراطية القرن التاسع عشر، التي استبعدت الطبقة الرابعة، من الفئات الحضرية وغير المالكة كما استبعدت النساء عن المشاركة السياسية.  كانت المدارس الديمقراطية مهتمة بتوزيع السلطة السياسية وتنظيمها.  أما المدارس
الجماعية فكان اهتمامها ينصب على توزيع السلطة الاقتصادية (الثروة). وكانت علاقات السلطة السياسية قائمة على توزيع الثروة الاجتماعية بحيث أن حكم الأغلبية والحكم بالتراضي فقد معناه لصالح المتحكمين بالثروة. سعت المدرسة الجماعية إلى علاج راديكالي طوباوي: إلغاء الملكية الخاصة والدولة، بالمعنى
الماركسي أو الفوضوي. وحين نسترجع هذا التاريخ نرى آن نقد المدرسة الجماعية للرأسمالية في القرن التاسع عشر وتمردها ضدها في القرن العشرين (الثورة الروسية في 1917) قد أجبر الليبرالية الصناعية على تعديل بعض قواعدها مثل إقامة نظام الضمان الاجتماعي (ما يسمى: دولة الرفاه) وتدخل الدولة في

الاقتصاد كما حصل ايام الرئيس الأميركي روزفلت صاحب “الصفقة الجديدة”، وذلك قبل أن تنظم الكينزية (نسة للاقتصادي الإنكليزي كينز 1882 – 1946) وتشرّع الحرب فيما بعد درجة من الحماية والتدخل الحكومي المنظم على النطاقين الوطني والعالمي. إن مبتكرات (كينز) وهي البنك الدولي (WB) وصندوق
النقد الدولي (IMF)، لاتزال معنا حتى هذا اليوم. كذلك حال نظام الضمان الاجتماعي (دولة الرفاه) وحق الاقتراع الشامل وحكم القانون.

هناك تيار آخر مناوئ للديمقراطية جاء من مصدر آخر. انه الاشتراكية القومية الدَوْلَتيّهْ في القرن العشرين، المتمثلة في النازية والفاشية ذات الطابع العنصري القومي العدواني التي كشفت بضراوة عن مظهر محتدم في العصر الصناعي الليبرالي: إن النظام العالمي المؤلف من دول قومية يرتكز على توازنات قوى مختلة،
حافلة بالتنافس الاقتصادي الشرس والتنافس السياسي والحروب التجارية. وسبب ذلك ان العصر الصناعي مستحيل من دون وجود أسواق دولية وتجارة عالمية. وهو نمط عالمي واقع في شرك الحاجة الماسة إلى وحدات قومية باعتبارها وسائل فاعلة للتنظيم والتحكم. ولكن العلاقات بين الدول كانت أبعد ما تكون عن

الديمقراطية وعبر الكثير من التاريخ الحديث، لا يكاد يكون ممكنا أن توصف هذه العلاقات الدولية بأنها ديمقراطية. ولعل هناك الآن الكثير من القيود والتوازنات التي تقلل من التصادمات في العلاقات الدولية، لكن هذه كانت غائبة على نحو مروع في مستهل القرن العشرين.

كانت هذه مفارقة، وهي لا تزال قائمة إلى حد ما.  لقد عمم العصر الصناعي نظام الدولة – الأمة باعتبارها كيانات سياسية قابلة للديمومة الاقتصادية. ولكن العصر الصناعي لم يكن ولم يستطع ان يوفر الشروط اللازمة للسير الهادئ لهذا النظام. كانت بعض الأمم أقوى وأكثر تقدما من الأخرى؛ وليست هناك سوى دول
قليلة تسيطر على الأسواق العالمية ومصادر المواد الأولية، كي تلبي حاجات الإنتاج الرأسمالي المتوسع باطراد. ان ولادة ضرورة الدولة – الأمة أطلق النزعة القومية ووضع في خدمتها أنظمة الاتصال الهائلة للتعبئة في المدينة وحتى التعبئة في الريف. كانت الأمم المهزومة (مثل المانيا) او الدول المقصّاة (مثل إيطاليا) في الحرب العالمية الأولى قد عملت سريعأ على الانتقام. لقد شكّلت

فكرة “المجال الحيوي” الألمانية أو سعي إيطاليا إلى استعادة مجد الامبراطورية الرومانية حافزين لاندلاع الحرب العالمية الثانية التي أودت بحياة اكثر من 50 مليون إنسان.

إن هذا النمونج (الألماني والإيطالي) من النزعة القومية المتطرفة هو في جانب منه احتجاج ضد اللامساواة في النظام العالمي للدول القومية كما انتجته المرحلة الصناعية المبكرة. وكان ذلك أيضا تمردا نخبويا ضد نقاط ضعف النظام السياسي الليبرالي، الذي كان، من وجهة نظر خصومه من انصار أولوية الدولة -الأمة، قد أضعف إرادة الأمة، وسمح لفئات الطبقة المؤيدة للجماعية بأن تمزق الوحدة الوطنية. ان الازدراء الذي
نظر به (بنيتو موسوليني) و (أدولف هتلر) إلى “الأرقام المحضة للدهماء” يشير إلى مقدار نفورهما من الحكم الليبرالي او من الصراع الطبقي للمدرسة الجماعية.

أخيرا هناك ميدان آخر للصراع الذي نتج عن قيام العصر الصناعي الليبرالي وهو الكولونياليه: إن مبدأ قيام الأمم، المبني على أساس اللغة والدين أو الإرادة السياسية الجماعية، قد أطلق العواطف القومية والحركات الاجتماعية بين الكثير من الجماعات المرشحة لأن تؤلف أمة بذاتها، ضد الامبراطوريات الأوتوقراطية

القديمة المتعددة القوميات (مثل الامبراطورية |لعثمانية) او ضد الحكم الكولونيالي في العالم. لقد بدأ هذا التوجه في المستعمرات خلال القرن التاسع عشر، ولكنه لم يتطور كليأ قبل
حلول القرن العشرين.

توجد في العالم اليوم نحو 8000 مجموعة لغوية وهذا يعني ان ثمة 8000 كيان قومي يمكن ان ينشأ نظريا؛ على ان لدينا اقل من 200 دولة، ولا نكاد نجد دزينة من الدول ممن تدعي التجانس الاثني – العرقي” او “القومي” (رغم ان الأسد في سوريا يصر على اضافة دولة متجانسة الى القائمة) لا بد من التذكير أن القرن العشرين قد دشن سياسة ما بعد الحرب العالمية الأولى بتعميم مبدأ الأمم، او مبدا القوميات: وهو حق تقرير المصير.

مثال ذلك أن الرئيس الأمريكي (وودرو ويلسون) والرئيس السوفييتي حينها (فلاديمير إلتش لينين)، تبنيا هذا المبدأ من وجهتي نظر متناقضتين، الأول نحو دعم الديمقراطية الليبرالية والآخر نحو تعزيز الثورة
الجماعية باعتبارها صيغة من الديمقراطية الاجتماعية.

لم تكن حروب المستعمرات جديدة. كانت الحرب الأمريكية من اجل الاستقلال او النضالات الأمريكية اللاتينية من اجل الاستقلال في القرن التاسع عشر قد سبقت منذ وقت طويل الموجات الآسيوية والأفريقية في الثورة ضد الكولونيالية٠ لكن العالم بات أكثر تعقيدا. إن النزاعات العرقية والدينية تطوق العالم

الثالث الآن. واوروبا نفسها لم تكن بمنأى عن الأزمة. ذلك ان يوغسلافيا السابقة والاتحاد السوفييتي السابق تفككا إلى مكوناتهما القومية مؤخرا ليس إلا. غير أن “الامم” الجديدة التي تشكلت في اغلب دول العالم الثالث فاقدة للحيوية الاقتصادية والنضوج المؤسساتي والتكوينات الاجتماعية – الاقتصادية (اي الطبقات الفاعلة) او القيم الثقافية الضرورية للحكم المستقر ناهيك عن الحكم الديمقراطي.

تفكير جديد

إن المشاكل الأساسية التي اطلقت هذه الاتجاهات والميول الثلاثة المناهضة لليبرالية خلال القرن العشرين لاتزال تعيش معنا إلى حد ما : وهي تضاد المصلحة الخاصة للفرد مقابل المصلحة العامة للجماعة، وتضاد الفرد مقابل الدولة، وتضاد الأمة مقابل الأمة، وتضاد الأمة مقابل العالم. وحتى يومنا هذا فإن ثمة من يفضل مثال دولة الرفاه (الخدمات الاجتماعية) ودولة التنمية على دولة الحريات اي الدولة الديمقراطية، كما ان هناك من يضع الأولوية للأهداف القومية على بناء الديمقراطية كما هو الحال في الكثير من بلدان الشرق الأوسط.

ترى هل اقترب العالم من معالجة تلك المشاكل الني أشعلت الكثير من الحروب والنزاعات الأهلية والتطهير ١لعرقي وبقية الكوارث التي قد تصنع الأمم او تحطمها؟ ثمة ألوان عدة من الكتابات النقدية تفيد ان العالم يعاني من مشاكل اساسية عدة هي: أولا، تعزيز الديمقراطية حيث البنى السياسية هشة، تسلطية أو غير ليبرالية (اي الدعوة إلى إصلاح سياسي)؛ ثانيا، تطوير اقتصاديات سوق مدعمة بشبكات ضمان اجتماعي لتخفيف الفقر (إصلاح اقتصادي)؛ ثالثأ، التحرك إلى الأمام نحو قيام حكومة عالمية لتجاوز فوضى العولمة. وهذه الدعوات والمظاهر متداخلة. إن العالم يكبر ويصغر في الوقت نفسه. إنه يصغر لأن العولمة قد ضغطت

السلسلة الكاملة للكيانات القومية في وحدة منفردة من التحليلات: العالم.

 وهو يكبر لأن العولمة تستمر في زيادة عدد الوحدات القومية وتعزز التجمعات العرقية وحتى الهويات
الاجتماعية لأصغر من ذلك.

إن الموجة الجديدة لبناء الديمقراطية في تسعينيات القرن الماضي، المشار إليها من قبل، قد خلقت نقطة بداية مفيدة من اجل دفع هذه الجوانب المتعارضة إلى نوع من الوفاق. ولعل توسيع وتعزيز الديمقراطية توفر قاعدة نحو الحل السلمي للنزاعات. إن الديمقراطية لم تمنع الحرب بين الأمم، لكنها اوقفت الحروب بين الديمقراطيات. إن انتشار الأسواق الموحدة القائمة على قواعد قانونية تقدم مثل هذه الفرصة. ولكن الأسواق الحرة تماما ليست هي البداية. إن شبكات الضمان الاجتماعي، التي يهاجمها الآن بعض الليبراليين
الجدد، ضرورية ولا يجوز استبعادها.

لقد أنتح التوسع السريع في نماذج واجراءات الديمقراطية في عالم ما بعد الحرب الباردة غزارة في الأدب المكتوب حول الديمقراطية وبناء الديمقراطية. إن النقاش حول التنميط السياسي قبل التسعينيات كان يركز على الاختلافات بين الأنظمة التسلطية والعسكرية والسلطانية والشمولية. أما الآن فإن السجال ينحصر

كليا تقريبا حول أنواع الأنظمة الديمقراطية.

ويعرض (ديفيد هيلد) في كتابه (نماذج الديمقراطية- David Held, Models of Democracy) على سبيل المثال تسعة أنماط من الديمقراطية يتفرع بعضها إلى أجناس فرعية، وهي عموما قائمة طويلة بما يثير الدهشة وقابلة للتوسيع : الديمقراطية الناشئة (أي الجديدة والضعيفة) والديمقراطية الانتخابية والديمقراطية اللاليبرالية، والديمقراطية النخبوية وما إلى ذلك.

ثمة كثرة من الكتابات تركز على ماهية الديمقراطية من عدمها. لكن من المؤكد أن تنوع الإجراءات والترتيبات الديمقراطية يحتم علينا تعريف وتشذيب فهمنا لماهية الديمقراطية وكيفية عملها. وقد ابتكرت المؤسسة الأمريكية للديمقراطية سلسلة من المعايير لتحديد البلد الذي هو حر سياسيا او حر جزئيا او ليس حرا. إن النقاش الآن هو ضمن الديمقراطية، وإن الغزارة في الأدب الذي يركز على الديمقراطية لا يقارن الا بالغزارة المشابهة حول نظام العولمة ومذاهب العولمة. وهذه علامة صحية. إن الدعوات لبناء حكومة كونية او تنظيم أسواق كونية او علاقات دولية تمس بعدا جوهريا من ابعاد التحول الديمقراطي وإن طبيعة

العلاقات بين امة واخرى، لا تزال تحمل الكثير من سمات الماضي الاستقطابي التصادمي، وليس سمات عالم ديمقراطي او بانٍ للديمقراطية. ويبدو أننا ننسى ان المصطلح الإنكليزي “International ” اهو في الحقيقة مكون من مقطعين الأول “inter” ويعني (ما بين)، والثاني ” national ” اي (قومي). وعليه فإن هذا

المصطلح يشير إلى ان لدينا عالما مبنيا من دول قومية؛ وأن الديمقراطية ضمن كل واحدة منها مشروطة بعوامل تقع داخل هذه الوحدة، وعوامل اخرى تقع خارجها. وينبغي ان نفهم دعوة (اتزيوني) “Emitai Etzioni, From Empire to Community ” حيث يطرح المقاربات الجديدة للعلاقات الدولية وكيفية

قيام شكل معين من الحكومة العالمية على هذا الأساس، وكذلك النقاشات عن تأثير العولمة على الدولة – الأمة. هذان المظهران من العالم الحديث معروفان جيدا منذ القرن الثامن عشر. لقد درس (عمانوئيل كانط) الفيلسوف الألماني في بحثه “انحو سلام دائم” منطلق الحرب والسلام بطريقتين: كونه نتيجة للمنافسة
الشرسة بين دولتين قوميتين أو أكثر، وكونه خيارات ديمقراطية للشعوب القاطنة في وحدة قومية، اي الرعايا الذين يذهبون إلى الحرب ويتحملون أعباءها الدموية. إن الدول عند (كانط) تبدو أشبه ب (توم سوير) للروائي (مارك توين): صبي عاق سيئ السلوك. ومثل هؤلاء الصبيان بحاجة الى ضبط، وزجر او حبس ان اقتضت الحاجة. اقترح (كانط) انشاء هيئة عامة للضبط سماها: عصبة للأمم، أي مؤسسة عالمية لمراقبة الحرب والسلام، واستغرقت البشرية أكثر من قرن كي تصل الى هذا المثال. وقد تداعت عصبة الأمم الأولى بعد الغزو الايطالي لأثيوبيا عام 1936 ولا تزال الأمم المتحدة التي تشكلت في اتفاق (سان فرانسيسكو) عام 1945 حاضرة حتى اليوم، على الرغم من تعطلها في أيام الحرب الباردة. ان نظاما ديمقراطيا كونيا يتطلب وجود حكومة عالمية، ولا يزال علينا انتظار تحولات ديمقراطية في الصين وكوريا الشمالية والشرق الأوسط. اما الجانب الآخر الذي ناقشه (كانط) فهو المظهر الداخلي للدولة -الأمة، أي المسؤولية والاختيار في الأمم نفسها. لقد أكد ان لاختيار الحر سيحدّ من فرص الحرب. ومهما تبدو هذه الفكرة مثالية، فان فيها شيئا من الحقيقة. هذان الجانيان يتمم أحدهما الآخر دون فكاك.

كيف تكون الديمقراطية وكيف لا تكون

لقد اضحى تعريف الديمقراطية امرا إشكاليا. والتعريف عويص، نحن معتادون على أن نقول ان هذا ليس بديمقراطية، أي ان نقول إن الشيء ليس كذا، وإن المنظومة ليست كيت. ولكن هذا لا يخبرنا شيئا عن ماهيتها في الحقيقة. نحن نقول مثلا إن لون المادة، وهو واحد من محمولات عديدة، ليس احمر ولا ابيض او اسود. إن هذا النفي تد يستمر إلى نهاية طيف اللون المحتمل والتركيبات المحتملة حش نصل عبر صور نفي لا حصر

لها إلى اللون المطلوب. ولكن حين نقرر بان اللون أبيض فنحن ننفي في الواقع وجود كل الألوان الأخرى وتركيباتها المحتملة. لذلك ففي المنطق الكلاسيكي لم يكن النفي تحديدا منطقيا (لا تعريف)، بينما التحديد (التعريف) كان نفيأ شاملا للخواص والمحمولات والشروط ليست ذات العلاقة بالأساس لشيء معين

او جوهر معين. وما ينطبق على الأشياء المفردة، يمكن ان ينطبق على النظم المعقدة. من بين المحاولات المثيرة لتعريف ماهية الديمقراطية من عدمها نجد أن كتابات (فيليب س٠ شميتر) و (تيري لين كارل): “كيف تكون الديمقراطية وكيف لا تكون”، مفيدة في هذا الباب، وأن تحليل الديمقراطية إلى أجناس مقارنة نجد أفضل شرح له في كتاب (هيلد): “انماط الديمقراطية” ٠

إن الديمقراطية التمثيلية الدستورية التي تشمل كل الطبقات والجماعات والأعضاء في وحدة حديثة من التنظيم السياسي أي الدولة – الأمة، هو نظام جديد ينتمي إلى مرحلة متقدمة من العصر الصناعي ولا سابق له قبل هذا العصر. أما أنظمة التمثيل الضيقة فقد سبقت بظهورها الديمقراطية الحديثة، وكذلك مسالة تقسيم السلطات وأيضا نظام القضاء المستقل أو التعددية. إن استقلالية التنظيم الاجتماعي عن الدولة هي أيضا ميزة سبقت نشوء الديمقراطية. مثال ذلك، في العصر الزراعي كان المجتمع منظمآ في جماعات متشظية منفصلة،

ومغلقة، آو منظمآ على شكل دولة – المدينة، التي كان مراتبها البطرياركية مستقلة. لكن هذه التنظيمات الاجتماعية لم تستبعد المساواة السياسية فحسب بل أخضعت الفرد وقيدته بأغلال الانتماء القربة أو المحلي. لم يكن للغرباء اوالعبيد الحق في الاقتراع في (أثينا)؛ وكذا كان حال النساء والطبقات غير المالكة في

الديمقراطيات المبكرة. لقد انتجت المرحلة الصناعية وعززت مجتمعا يقوم على طبقات وجماعات

مفتوحة، متغيرة ومتحركة، على أساس المساواة السياسية التي لا تلغي التفاوتات الاقتصادية والاجتماعية . إن الديمقراطية ليست مثلا أو مبادئ مجردة قد يطبقها المصلح النبيل أو لا يطبقها. هذه المبادئ في شكلها التجريدي هي مجرد تمثلات فكرية للبنى الاجتماعية والاقتصادية والسياسية المؤسساتية والثقافية والقانونية

الي تشتغل على ثلاثة مستويات:

أولا: إنها نظام من علاقات معقدة بين أعضاء وجماعات وطبقات مجتمع ما، يتمتع فيه ويعترف فيه كل فرد أو جماعة أو طبقة بالمساواة أمام القانون على أساس حقهم في حرية النشاط الاقتصادي المنظم في عقود وفي حرية المشاركة السياسية وفي حرية المعتقدات الدينية. إن عبارة “إنسان – واحد – صوت – واحد” تعبر عن المظهر السياسي للمساواة الشاملة.

ثانيا: إنها نظام من العلاقات المعقدة بين المجتمع، في كليته، والدولة، أو، بكلمات أخرى، بين المجتمع المدني، والمجتمع السياسي، بناء على احتكارين: إن المجتمع المدني هو حقل الملكية والنشاط الاقتصادي والثقافة؛ وإذ المجتمع السياسي هو ميدان احتكار وسائل العنف المشروعة وإدارة القضاء دفاعا عن الحياة والملكية والثقافة والحريات ضد أي انتهاك لها سواء أكان داخليا أم خارجيأ٠ إن العقد الاجتماعي ينص على أن، المجتمع المدني يتنازل عن حقوقه في حماية الحياة والملكية إلى “الدولة حاملة السيادة”، وكذلك يموّل هذه الدولة عبر الضرائب ويحتفظ بحقه في محاسبتها وتغييرها .

ثالثا: إنها نظام تقسيم وظائفي – مؤسساتي داخل المجتمع السياسي، أي في بنية الدولة، مثال ذلك أن كل واحدة من مكونات الدولة تقوم بوظيفة محددة بوضوح، ولكن هذه الوظيفة منفصلة مؤسساتيا: مثل السلطة التنفيذية والسلطة التشريعية والسلطة القضائية . ولكل مؤسسة تنفيذية او تشريعية او قضائية نصيبها من السلطة . ويقف على هرم السلطة التنفيذية الرئيس ورئيس الوزراء او العرش ومجلس الوزراء. وربما يكون للمؤسسة التشريعية مجلسان (العموم واللوردات في بريطانيا؛ أو مجلس الشيوخ ومجلس النواب في الولايات المتحدة) والقضاء منظم أيضا في نظام من المحاكم والمؤسسات التي تعمل بمجموعها على كبح

السلطة التنفيذية أو تضع القيود والكوابح الناظمة ذاتيا لعملها كذلك. هذا التقسيم العمودي والأفقي للسلطة هو الأسلوب الذي ابتكر أصلا لمنع تمركز السلطة . لقد أكد (مونتسيكو) أن السلطة لا تكبح إلا بالسلطة.  وكذلك فعل ماديسون في بحوثه الاتحادية (الفيدرالية).

إن النظام الديمقراطي القائم على العقد الاجتماعي، وحكم القانون، والحكم بالرضى او التوافق وحكم الأكثرية، حكم دولة المؤسسات ودولة التمثيل الشامل ودولة تقسيم السلطات، المعرضة للمحاسبة والانتقال السلمي للسلطة، لم تظهر هكذا جاهزة؛ بل ولدت في الحقيقة إثر حروب أهلية، وثورات شعبية وحروب قارية
وعالمية.  وإذ تتفق النظريات السياسية والاجتماعية عموما على ظهور هذا النمط من الديمقراطية الجامعة مع ولادة العصر الصناعي، فإن هذا لا يعني ان أي تحول نحو المجتمع الصناعي الحديث سوف يقود في الحال، في ظل أي ظرف، إلى بناء الديمقراطية. والدليل التاريخي يبرهن ان مثل هذا الادعاء هو إما تجريد فارغ اوادعاء ايديولوجي. إننا نعلم من التاريخ الحقيقي كيف ان النظم الملكية الأوروبية المطلقة قد ابدلت بالبونابرتية التسلطية (فرنسا) او بالفاشية (الشمولية اليمينية)، اوبالستالينية السوفييتية (الشمولية اليسارية)، او الأنظمة العسكرية(اليونان).

إن القادمين المتأخرين للعصر الصناعي حولوا اقتصادهم ومجتمعهم تحت سيطرة انظمة اوتوقراطية إصلاحية، مثال ذلك (ميجي) اليابان، او الاتحاد والترقي العثماني، او الأنظمة التسلطية، كنظام بسمارك في المانيا القرن التاسع عشر. وبقيت اوتوقراطيات الماضي تجرجر اذيالها حتى بواكير القرن العشرين في روسيا واليابان والامبراطورية العثمانية.

وحيثما نضجت الديمقراطية اتخذت مسالك عدة: ففي بريطانيا قادت الأرستقراطية الميالة للحلول الوسطية والطبقة الوسطى القوية والدولة الضعيفة في القرن السابع عشر إلى ثلاثية اجتماعية قوامها العرش – اللوردات – العموم. وفي فرنسا افضى حال الطبقة الوسطى القوية وضعف النبلاء بإزاء الدولة القوية في أواخر القرن الثامن عشر إلى انفجار ثوري ازاح كلّا من النبلاء والعرش. لقد كانت الديمقراطية الفرنسية راديكالية وشاملة وفورية. وقد وقعت ضحية راديكاليتها، وتطلب ما يقارب قرن من الزمان من الجمهوريات المتعاقبة كي تستقر. ولكون إنكلترا جزيرة منعزلة، ولكنها أمة ذات تجارة بحرية نابضة، كان لديها جهاز حكومي ضعيف؛ وكانت فرنسا دولة مفتوحة بريا وتحتاج إلى جيش قوي وبيروقراطية كفوءة. على العكس من ذلك، كانت أميركا بلدأ شاسعأ له ارض واسعة، تحولت إلى بلد مكتف ذاتيا من الفلاحين وارباب العمل، حيث الجماعات المحلية منظمة على النمط الأثيني من الديمقراطية المباشرة. وعلى نقيض المدن الأوروبية المكتظة كان بإمكان المدن الأمريكية الصغيرة ان تجمع “العامة من الناس” في الساحة المركزية للنقاش والانتخاب والمصادقة على كل ما يبتغيه المجتمع) ٠ بقي النبيل الفرنسي (اليكسىس دو توكفيل) مذهولا امام المشهد الأمريكي: كل شيء يتحرك، ولكن ليس ثمة محرّك ظاهر، هكذا لاحظ. لقد بدأت الديمقراطية الأمريكية بمجتمع مدني قوي، لم يكن مقسما إلى نبلاء وعامة على الغرار البريطاني، أو على الغرار الفرنسي ذي الطبقات الثلاث: النبلاء والأكليروس و”الطبقة الثالثة” (المالكون في المدن). كان لأميركا مجتمعاتها المحلية القوية ودولة ضعيفة مركزيا (بيروقراطية صغيرة العدد، وجيش صفير العدد). أشار

(توكفيل) في واحدة من صياغاته المأثورة انه حينما يتطلب الأمر إقامة مشاريع عامة في امريكا، مثلا، كان ثمة دائما جمعية او رابطة مساندة له، وفي انكلترا ثمة دومأ لورد او ارستقراطي، وفي فرنسا، كان ثمة دائمأ الدولة (الحكومة).

ما تخبرنا به هذه المسالك المختارة هو آن تطور العصر الصناعي كان متفاوتا؛ وان نتائجه لم تكن دائما ديمقراطية؛ ولم يكن السبيل نحو الديمقراطية معبدا، وان التواريخ القومية والعالمية تحدد وتيرة وشكل بنية ونشوء النظام الديمقراطي.

فإذا كان العصر الصناعي هو عصر رأسمالية – السوق العقلانية والديمقراطية، فيمكن لنا قول ما يلي:

أولا: إن المجتمعات الزراعية أو ما قبل الصناعية تدخل إلى العصر الصناعي في مراحل مختلفة من تطور هذا الأخير: في الثورةالصناعية الأولى، أو الثانية أو الثالثة، نزولا إلى مرحلة المعلوماتية والروبوتات والأتمتة، أي الحقبة التكنونيوترونية.

ثانيا: إذ المجتمعات ما قبل الحديثة تدخل إلى العصر الصناعي من مختلف مراحل تطورها هي: فبعضها يتمتع ببنية سياسية مركزية؛ وآخرون لا يزالون في مرحلة بدوية ما قبل سياسية. قارن مثلا العراق تحت الحكم العثماني أو خلال الانتداب البريطاني في عشرينيات القرن العشرين ومجتمع الجزيرة العربية ما
قبل نشوء المملكة السعودية العربية الذي كان من دون سلاطين.
ثالثأ: إن هذا التحول نحو العصر الصناعي الذي يمكن أن نسميه أيضا المجتمع التجاري، أو المجتمع الرأسمالي، قد يتخذ أشكالا عدة: أ – الرأسمالية الخاصة، أي الطبقة الوطنية أو الطبقة الخاصة الأجنبية من أرباب العمل؛ أو، ب – رأسمالية الدولة، أي الدولة بوصفها رأسماليا جماعيا؛ ج- رأسمالية المحسوبية (خليط
من الطبقة الفاسدة ولكن المتماسكة من موظفي الدولة وأصحاب رأس المال الخاص)؛ د – رأسمالية القرابة، المبنية على العوائل الكبيرة التي تقف على قمة الهرم السياسي لنظام يحمل السمات الإرثية.

إن الرأسمالية الخاصة المعززة برأس المال الخاص الفردي أو المتشارك (شركات مساهمة)، كان كقاعدة، موائمآ للتطور الديمقراطي؛ بينما رأسمالية – الدولة (مثل ميجي في اليابان في القرنين

التاسع عشر والعشرين، وألمانيا بسمارك في القرن التاسع عشر، وروسيا ستالين في ثلاثينيات القرن العشرين، لإيراد بعض الأمثلة) لم تكن ملائمة لهذا التطور شانها شان رأسمالية المحسربية التي تميز الحكم التسلطي في بعض الدول النامية (مثل مصر واندونيسيا في ظل حكم سوهارتو)؛ او رأسمالية القرابة التي هي نظام فرعي للحكم الإرثي (كدول الخليج والبعث في العراق). إن النخبة الحاكمة، كالعائلات الملكية أو المشايخ، (كما هي الحال في الخليج)، او الجماعات القرابية الحاكمة (كما هي الحال في العراق في ظل البعث) تستخدم موقعها في السلطة والمال العام لتطور أعمالا تجارية عقلانية (متأسسة على الحساب

الاقتصادي) أو لاعقلانية (من خلال الأتاوات المنتزعة والاحتكار المدعم من السلطة)، وبذلك يستعملون السلطة السياسية لجمع الثروة، وليس العكس. كلا هنين الشكلين يفضيان إلى اندماج السلطتين السياسية والاقتصادية في أيدي القلة، ويخلقان طبقات وسطى راضخة، مطواعة فاقدة لأي استقلال، وهو الشرط الاجتماعي الذي يكبح التطور الديمقراطي.

وستكون النتيجة النهائية لكل هذه الأنماط هي إما ظهور مجتمع اقتصاد سوق مؤسساتي قوي أو ضعيف، أي مجتمع إما مستقل عن المجتمع السياسي، او خاضع له، مجتمع اقتصادي متميز عن الدولة وعن اقتصادها الأوامري.

رابعا: إن الانتقال إلى العصر الصناعي أو إلى الاقتصاد التجاري الحديث يتضمن، كقاعدة عامة، تدمير وتحويل أشكال الملكية وأشكال الثقافة وأساليب الحياة ومنظومات القيم ما قبل الحديثة بأشكال جديدة. مثل هذا التغير الاجتماعي — الاقتصادي يطلق حمم تنا حرات اجتماعية وسياسية وثقافية عارمة.  إن المجتمعات المتقدمة، التي تتوافر على طبقات ناضجة قليلا أو كثيرا، وثقافة وتكوينات اجتماعية — اقتصادية حضرية قوية، وطبقات وسطى وعليا ناضجة، وطبقة نبلاء أو أرستقراطية مالكة، وعمال حضر تعير في العادة في مار سياسي يختلف كثيرا عما كان لدى المجتمعات الحرفية والزراعية ذات السكان البدو والمدن الضعيفة.

وحيثما تتبلور طبقات حضرية قوية وموحدة، وفوق كل شيء طبقات وسطى مالكة لرأس المال والأرض، فإن للديمقراطية الدستورية فرصة للارتقاء. أما إذا كان العداء بين هذه الطبقات
الحضرية الجديدة (العمال وفئات دون الطبقة الوسطى ضد الطبقات الوسطى والعليا) شرسا جدا فإن المجتمع يضعف بأجمعه إزاء الدولة، حتى لو كانت هناك طبقة وسطى قوية. وعموما فإن التوازنات وعلاقات القوى بين الطبقات العليا الحديثة والأرستقراطية المالكة والفلاحين (ثم فيما بعد) العمال الصناعيين

الحضريين، هي التي تحدد اتجاه التطور الديمقراطي ودرجته.

أما حين يحدث الانتقال إلى العصر الصناعي من مستوى متدن جدا في التطور الاجتماعي الاقتصادي، من الاقتصاد البدوي – الحرفي والتجارة البدائية بعيدة المسافات (وتمثل الجزيرة العربية أفضل مثأل لها) يكون نشوء الديمقراطية غاية بعيدة المنال.

خامسا: إن الانتقال التاريخي إلى العصر الصناعي قد يتوافق مع انطلاق توجهات قوية نحو بناء – الأمة، الأمر الذي قد يعرقل أو يساند بناء الديمقراطية “إيطاليا (مازيني)، ويابان (الميجي)، وألمانيا (بسمارك)” وإن للدول ذات العرق الواحد فرصا أفضل من الدول المتعددة الأعراق التي قد تعاني من اضطراب مزمن.

تمثل كل هذه النقاط الخمس مزيجا من المقاربات السوسيولوجية والاقتصادية والسياسية والثقافية لمسالة نمو وبناء الديمقراطية. وقد اصيح (بارنغتون مور جونيور) المثال التقليدي للمقاربة السوسيولوجية. وتتلخص اطروحته في جملة واحدة:

وجود طبقة وسطى قوية يعني الديمقراطية. اما المقاربة السياسية للديمقراطية فتركز على طبيعة الدولة ونسبية استقلالها او بنيتها المؤسساتية. وهذه رؤية (ثيدا  سكوتشبول) في كتابها: “الدولة والثورات الاجتماعية”. ان وجود الدول الضعيفة، كما كان الحال في بريطانيا القرن السابع عشر، او الدول القوية، كما هو الحال في فرنسا الملكية إبان القرن الثامن عشر، يحدد طريق الديمقراطية او ألتطور السياسي

اللاديمقراطي. اما المقاربات الثقافية فهي متوفرة الا انها تظل قاصرة عن التفسير. ذلك ان الثقافات هي نظم من المعاني الدفاقة والمتغيرة. إن المقاربة الثقافية مفيدة فيما لو تخلصت من ثنائية فيبر الشرق – الغرب (العقلانية واللاعقلانية)، أو الغرب والآخرين. ويذهب بعض الثقافيين الى السخف المنطقي في وسم ثقافات معينة بالميل الحتمي نحو الدكتاتورية؛ مختزلين الثقافة إلى الدين أو حتى إلى طائفة أو فئة من هذا الدين أو ذاك. لقد ازدرى عظماء فلاسفة اليونان الديمقراطية لأنها تضمنت المساواة بين النخبة المتعلمة والجموع

الجاهلة والعاطفية من المواطنين؛ وقد كان (أفلاطون) هو النخبوي الذي حلم ب “جمهوريته الفاضلة”، التي يديرها ملك – فيلسوف.
في العوامل الخمسة آنفة النكر حاولنا التأسيس لما هو اساسي لنشوء الديمقراطية: وهي العلاقة بين الدولة

والمجتمع. إن النماذج المتنوعة لهذه العلاقة يمكن ان تختصر في
ثلاثة احتمالات مجردة: إما ان تكون الدولة قوية جدا فتصبح بذلك سيدة المجتمع المدني؛ او ان الدولة في حالة توازن مع المجتمع المدني وأخيرا ان تكون الدولة أضعف من المجتمع المدني. ونعتقد ان النموذجين الأخيرين فحسب يتيحان نمو الديمقراطية، أو ما يسميه (روبرت داهل) حكم المراكز المتعددة (Polyarchy).

حاولنا فيما تقدم ان نكشف النمو المتفاوت لمختلف الأمم التي يتوجب عليها أن تحل مشكلة بناء الديمقراطية بعد آن أصبحت هذه فرضا عالميا.  إن لبعض الأمم ميزة وترفأ في النمو المتدرج للمظاهر المختلفة للحكم الديمقراطي خلال قرون من مؤسسات ومعايير وإجراءات.  مثل هذه الأصول تعود في منشئها إلى القرن الثالث عشر ممثلا في “العهد الأعظم- Magna Charta ” او الوثيقة البريطانية التي أكره فيها النبلاء

الانكليز الملك جون على إقرارها عام 1215، والى الجمهوريات الإيطالية في العصر الوسيط التي تميزت بإرساء نظم اولية للانتخابات (بالقرعة) وتقسمها المبكر للسلطات ومحاسبة الدولة؛ وكذلك البرلمان الفرنسي ذو الثلاث طبقات الذي سبق ثوره 1789 بوقت طويل. او لنأخذ المجتمع الأمريكي الذي تبنى الديمقراطية الأثينية المباشرة التي نمت في القرن السابع العشر قبل حرب الاستقلال بوقت طويل. ونجد أمتع التحليلات لهذه العملية التاريخية في كتاب (اليكسيس دي توكفيل) “الديمقراطية في اميركا” او لدى (اهرنبرغ) في
“المجتمع المدني”، لقد استغرق الأمر عدة قرون قبل أن يتشكل وينضج نموذج حكم يقوم على الدستور ونظام التمثيل والمشاركة الشاملة التعددية وحكم القانون وبقية عناصر الحكم الديمقراطي المعترف بها عالميا. إن اي تحول من حقبة اجتماعية سياسية الى حقبة أخرى كان دائما يتم بالعنف وكان في بعض الأحيان مباغتا وغامضا. إن المساعي إلى إدخال “الطبقة الثالثة” في النظام السياسي ايام الملكية المطلقة، تطلب ثورتين في

بريطانيا وهما الثورة البيوريتانية عام 1654 والثورة المجيدة عام 1696، على الرغم من ان نوعا من التوافق والمساومات بين التاج والنبلاء والعموم (أي سكان المدن) قد ساعد في تسهيل ولادة الديمقراطية الدستورية الحديثة البريطانية. آما الفشل في الوصول إلى مثل هذه التوافقات في فرنسا في القرن الثامن عشر
بين التاج والنبلاء والطبقة الثالثة جعل الأخيرة تتطرف وانتهى الأمر إلى ثورة دامية. وكان ظهور “الطبقة الرابعة” في اواخر القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين وسط الفئات الحضرية غير المالكة، ومطالبتها بالمشاركة السياسية قد ادى إلى إشعال لاضطرابات التي قوضت الديمقراطيات الناشئة في ألمانيا وايطاليا

القرن العشرين. ولعل فتح الباب امام النساء للمشاركة السياسية هو وحده الذي شكل انعطافه سلمية. إن الأمم، وهي في اغلبها غير أوروبية، وغير صناعية، الني تحتم عليها مواكبة النموذج العالمي للديمقراطية لم تتوفر لها في الحقيقة مثل هذه الرفاهية في التدرج، يل ساقها الحظ العاثر إلى التطبيق السريع المشحون بالغموض والانعطافات الحادة، الجامحة سيئة العواقب. لقد تحتم على هذه الأمم ان تضغط كل المستويات والتدرجات لمثل هذا النمو في قفزة واحدة هائلة. لقد كان لا بد من اختزال الزمن، ولا بد أن يضغط النمو في سترة الضرورة الضيقة ٠ فبعضهم فشل جزئيا، او بعبارة ألطف، نجح جزئيا؛ وآخرون تهاووا او تأرجحوا؛ او ارتدوا نحو الخلف لينالوا هلاكهم. إن القرن العشرين مليء بجثث الأمم التي فشلت فيها الليبرالية، في كل من القارة القديمة (أوروبا) وفي البلدان النامية على حد سواء. وعلى المدى القصير يبدو نمو الديمقراطية دائريا: صعودا وهبوطا، اي نجاحا وإخفاقا. أما على المدى الطويل، يبدو المسار العام خطيا (أي استمرارية
متصلة). وكذلك فإن المسالك المؤدية إلى الديمقراطية متباينة. ثمة مقاربات سوسيولوجية دولتية وثقافية لدراسة المصائر السياسية للأمم من ناحية نشوء أو بناء الديمقراطية فيها. وإن هذه المقاربات وغيرها تشير بجلاء إلى تنوع المسالك للوصول إلى هذا الهدف: الديمقراطية.

إن التوسع الراهن في الإصلاح الديمقراطي، المنفتح في ظل الظروف المتنوعة على نحو لانهائي وطنيا وإقليميا وعالميا، وفي مجتمعات متنافرة ومتباعدة من ناحية تكويناتها الثقافية والاجتماعية، قد ادى إلى ظهور أدوات دقيقة لفحص نمو الديمقراطية وتحليل عواملها. إن مؤلفي كتاب “الديمقراطية في البلدان النامية”، مثلا، يناقشون في سفرهم الكبير مجموعة من المتغيرات السياسية المؤسساتية والاجتماعية كي يقارنوا بين قارات أفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية أو كي يقارنوا بين دول منفردة داخل الإقليم الواحد او القارة الواحدة. إنهم يدرسون الإرث الكولونيالي والثقافة السياسية، والشرعية، والمؤسسات والبنى السياسية والعلاقات بين الدولة –المجتمع (المجتمع المدني) والمحيط الخارجي.

كيف تبدو الديمقراطية في بداية القرن الحادي والعشرين؟

انطلاقا من (فيليب س. شميتر) و (تيري لين كارل)، فإن الديمقراطية، أو “حكم تعدد المراكز” كما يعرفونها مستعملين اصطلاح (روبرت داهل)، “اهي نظام للحكم يحاسب فيه المواطنون حكامهم عن أعمالهم” ويتنافس فيه المواطنون بصورة غير مباشرة عبر ممثليهم المنتخبين.

الديمقراطية لا تتضمن نظاما مؤسساتيا واحدا وحيدا، بل تتآلف بالأحرى من انماط عديدة ولها ممارسات متنوعة، يعني ان العناصر الرئيسة التي تعرف الديمقراطية هي:
إنها نظام للحكم يتأسس على قواعد مدونة (دستور) لإشغال المناصب في الحكومة وخضوع الحكام للمحا سبة والاعتراف بسلطتهم فقط اثناء احتلالهم لمنا صبهم الرسمية. وتتميز الديمقراطية بوجود ميدان عام يقرر

المعاير الجماعية والاختيارات الملزمة لكل المجتمع والمسندة بقوة الدولة. إن المواطنين هم العنصر الأكثر تميزا في الديمقراطيات، اي الاعتراف بكل أعضاء المجتمع باعتبارهم اعضاء متساوين من دون اي تقييد على اشغالهم المناصب الحكومية او مشاركتهم السياسية تبعا إلى معايير العمر والجنس والطبقة والعرق والتعليم والملكية، والقدرة على دفع الضرائب؛ إن المنافسة عامل اساسي في الديمقراطية الحديثة من ناحية صنع القرار، والانتخابات المنتظمة وحق المواطنين في التأثير على السياسة العامة بالتماس وسائل أخرى (الجمعيات والحركات الاجتماعية وما شابه)؛ وقاعدة حكم الأكثرية (أكثر من 50 ٪ ) أو حكم الأكثرية الموصوفة (الثلثين) لحماية حقوق الأقليات، أو لحماية الترتيبات الدستورية. إن الأكثرية الموصوفة تتطلب لوائح للحقوق المدنية، أو الكونفدرالية آو الفيدرالية أو التوافقية (التوافقية والتشاركية هما صيغتان لسير النظام السياسي تقوم الاولى على عدم اتخاذ قرار من الأغلبية بدون موافقة الجماعات الصغيرة، اما التشاركية فتتعلق بإقرار السياسات الاقتصادية على أساس موافقة ثلاثية والمكونة من الدولة وارباب العمل ونقابات العمال) وكل صيغة من هذه الصيغ تحتاج إلى امور معينة (قرارات، تعديلات دستورية او ما شابه ذلك) بعيدا

عن مفهوم الأكثرية البسيطة؛ والتعاون بين الفاعلين السياسيين لصوغ قرارات جماعية. فضلا عن ذلك ثمة إطار إجرائي، تتكون أدنى عناصره من:

1- السيطرة على القرارات السياسية للحكومة مسندة دستوريا إلى الهيئات المنتخبة.

2- المسؤولون المنتخبون يختارون في انتخابات متكررة وعادلة تستبعد القسر نسبيا.

3 – يحق لكل البالغين من الناحية العملية انتخاب المسؤولين.

4 – كل البالغين من الناحية العملية لهم الحق في إشغال المواقع الانتخابية في الحكومة.

5- للمواطنين الحق في التعبير عن أنفسهم من دون خوف من التعرض إلى عقوبة.

6- للمواطنين الحق في البحث عن مصادر بديلة للمعلومات. فضلا عن أن المصادر البديلة للمعلومات موجودة ومحمية من قبل القانون.

7-  للمواطنين أيضأ الحق في تشكيل جمعيات أو منظمات مستقلة نسبيا، يما في ذلك الأحزاب السياسية المستقلة والجمعيات الخيرية.

إزاء هذه المعايير، فإن الكثير من الديمقراطيات الناشئة(حديثة الظهور) كانت فاشلة او شبه فاشلة او محدودة النجاح.

وهنا نجد ان لأغلب الدول النامية سجلا سيئا مثلها مثل القليل من دول وسط أوروبا. أما الشرق الأوسط فهو أشد قتامة.

وبحسب قياسات نادي الحرية لتقييم حال الحريات السياسية (PR) والحريات المدنية (CL) فان تدرجات الحرية هي كما يلي:
من بين 19 دولة من ضمنها كل الدول العربية وإيران وتركيا واسرائيل، ثماني دولي منها حرة جزئيا و6 ليست حرة وواحدة فقط حرة هي إسرائيل. ومن الدول الست التي وصفت بأنها “ليست حرّه” تفتقد كلها الحرية إلى درجة كبيرة او تغيب عنها الحريات السياسية والمدنية. وكان العراق والسعودية العربية وسوريا وليبيا من بين أسوآ الحالات. إن للسعودية وليبيا تاريخا طويلا من البيئة البدوية ما قبل السياسية كما عاشت في ظل نظم حكم وراثية سلطانية كاريزمية. في عام 1971 انضمت ليبيا إلى مجموعة دول السلطة العسكرية التسلطية. أما العراق وسوريا فينتميان إلى مجموعة نظام الحزب – الواحد. وتحكم السودان حكومة تسلطية عسكرية في الوقت الحالي ولها ماض يشبه الحكم الوراثي الذي قام في ليبيا أيضا. وباستثناء الكويت وتركيا والأردن، فإن كل الدول المحيطة بالعراق ذات طبيعة متشابهة من انعدام الديمقراطية.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *