كيف صاغ بوتين المجتمع الروسي

كيف صاغ بوتين المجتمع الروسي

مايكل كيمايج

في عام 1839 سافر الارستقراطي الفرنسي، (الماركيز دي كوستين) الى روسيا ليتفهم ما هي ” امبراطورية القيصر” وبهذا كان ينافس ابن بلده الفرنسي الآخر (اليكسيس دي توكفيل) الذي ذهب ليدرس الديمقراطية في امريكا. وفي كتابه عن رحلاته في روسيا قدم تحليلا عن “روسيا الأبدية” حيث برع الروس بممارسة سلوك الخضوع والطاعة. اما من يرفض الاذعان فمصيره في (سيبيريا) التي تشكل “اداة لا غنى عنها لحضارة موسكو” كما ان الطغيان السائد في الوطن أجج الرغبة في توسيع الامبراطورية نحو الخارج. كتب (كوستين):”ان فكرة الغزو والاحتلال تعبر عن سرّ الطموح الروسي”.

ومن الأمور التي طغت على اهتمام (كوستين) هو زيف الإمبراطورية الروسية:” الروس يملكون اسماء كل الأشياء ولكنهم لا يملكون شيئاً في الواقع”. لقد بدأ (كوستين)، ذو النزعة المحافظة، رحلته كمدافع عن التحالف الروسي-الفرنسي، تحالف الأوتوقراطية المسيحية. لقد قادته رحلته الى تغيير رأيه حول القوى الكبرى التي على فرنسا ان تقيم صداقات معها.

العديد من استنتاجات (كوستين) لا تبدو خارج سياق التحليل الأمريكي والأوروبي لروسيا المعاصرة. كما ان ثلاثة من الكتب التي ظهرت عن روسيا مؤخرا تحاول، دون وعي منها، ان تقتفي آثار خطوات (كوستين)، والمؤلفون اعتمدوا على المادة التاريخية وعلى الملاحظة المباشرة لشرح (روسيا الأبدية) وليفسروا لغز هذه الدولة ورئيسها (فلاديمير بوتين)، ويحاول هؤلاء المؤلفون الكشف عن وصفة بوتين للاستبداد: استحضار ماضي روسيا العظيم، بدءا من انقاض الاتحاد السوفييتي وتاريخ ما قبل الثورة، فيقدم بوتين نفسه على انه يمثل الذروة في هذا الماضي ليفرض سلطانه كحاكم قوي باركه القدر.

ولكن المؤلفات الثلاثة تتجاوز المواضيع المتعلقة بالسمات النفسية لبوتين وايديولوجية نظامه وماكينة الدولة الروسية والجيش الروسي. جميعها تحاول تصوير روسيا وتعريفها كدولة تمسك بزمام المجتمع.

الفردوس المفقود

المؤلف (سيرهي بلوخي – Serhii Plokhy) في كتابه “المملكة المفقودة” يتفحص كيف قامت روسيا ببناء امبراطورية بتوظيف الخدع الايديولوجية. فمنذ بداية الأزمنة الحديثة احتاجت موسكو لتبرير توسعها باتجاه الغرب الى ابتكار ” اسطورة الأصول” التي تدعي ان موسكو باعتبارها ورثت الاتحاد “الروسي الكييفي “نسبة الى كييف” – Kievan Rus ” – وهو اتحاد اسطوري بين المسيحيين الأرثوذكس والسلافيين أطلقوا على مدينتهم اسم (روما الثالثة) بعد روما الأساسية ثم القسطنطينية. هذه المملكة المفقودة (Rus) تصادف الى حد ما (بيلاروس الحالية مع شرق اوكرانيا وجزء من روسيا الواقع غرب الأورال). وفي القرن الثامن عشر ومع توسع امبراطورية كاترين الثانية (كاترين العظيمة) نحو (بولندا) تحولت تلك الاسطورة الى سياسة يجري تطبيقها بقوة ومنهجية، وأطلق على الروس والبيلاروسي والأوكرانيون صفة الشعب الواحد له كنيسة ارثوذوكسية مشتركة وتاريخ واحد. وان احياء اسطورة (Rus) كما يقول (سيرهي بلوخي – Serhii Plokhy) كان يعتبر بمثابة قضية خاسرة منذ البداية، مع ان انصار النزعة السلافية كانوا يرغبون بالتكيّف والتوافق مع مشاعر البيلاروسي والاوكراني  القومية، غير ان من كان يخطط للسياسة الخارجية الروسية لم يشاركهم ذلك الرأي بل كانوا يهدفون الى فرض امبراطورية متجانسة وعلى الأوكرانيين والبيلاروس اما ان يعلنوا انهم (روس) او ان يعتنقوا الهوية البيلاروسية او الأوكرانية. ثم يتابع (بلوخي) في كتابه: “لكون الشعب الأوكراني هو الأكثر من بين الشعوب السلافية ميلا للمساواة والديمقراطية” فقد كانوا منفتحين على الشراكة مع روسيا ولكن ليس للهيمنة الروسية، وهكذا الهب اندفاع الإمبراطورية الروسية للتوسع المشاعر القومية الأوكرانية حتى نشوب الحرب العالمية الأولى.

  وبعد ان أطاحت الثورة البلشفية بالسلالة القيصرية وانهت بذلك الامبراطورية الروسية عام 1917، استنتج لينين ان الخطر الرئيسي الذي يهدد وحدة الدولة السوفييتية هو الشوفينية الروسية، واقترح ان تنتقل السلطة من موسكو الى الجمهوريات السوفييتية التي تأسست حديثا على أنقاض الامبراطورية الروسية، ويتوافق ذلك مع مشاعر القوميات الغير روسية. وبعد وفاة لينين عام 1924 تبنى خلفه ستالين ذلك النموذج شكليا او نظريا فحسب، اما في الواقع الفعلي فقد جعل الشوفينية الروسية جزءا لا يتجزأ من الامبراطورية السوفيتية الجديدة، اي كونفدرالية على الورق وليس في الواقع الفعلي. وخلال الثمانينات وبعد انهيار الاتحاد السوفييتي بقي التأثير الذي تركته رؤية لينين، الذي أصبح الأب الافتراضي والروحي للأمة الروسية. انتهى هذا الوضع الغير مستقر بانتهاء الاتحاد السوفييتي وتفككه وبالتالي الى استقلال أوكرانيا والبيلاروس. ولم يكن مريحا بالنسبة للروس وجود دولة او أمة اوكرانية لأن ذلك دليل ثابت على فقدانهم لمملكتهم. فروسيا لا يمكن ان تصبح امبراطورية بدون أوكرانيا، ولهذا السبب، يرى الكاتب (بلوخي)، ان بوتين قام باحتلال شبه جزيرة القرم بعد انتزاعها بالقوة من أوكرانيا عام 2014 وبعد ان أدت الاحتجاجات الى اسقاط الحكومة التي كانت تميل نحو روسيا. ويعتقد (بلوخي) ان روسيا لن تتوقف عند ذلك الحد، وبرأيه ان غريزة موسكو الامبراطورية تنذر بزعزعة منطقة شرق اوروبا بالكامل.

ويقدم الكاتب الثاني (شون واكر)، الصحفي في جريدة الغارديان البريطانية، تشخيصا مشابها عن الامبريالية الروسية في كتابه “الدوار الطويل” او (دوخة ما بعد السكر).

لقد ترك انهيار الاتحاد السوفييتي صدمة قوية لدى الشعب الروسي، ويكتب (واكر) قائلا انه عوضا عن معالجة الصدمة ” قام بوتين وحكومته باستغلالها مستخدما الخوف من عدم الاستقرار السياسي لقمع المعارضة الروسية كما اختزل الوطنية لتعبر فقط عن مساندة الزعيم بوتين، الذي اكثر من استعمال روايات مقتضبة وتبسيطية عن الحرب العالمية الثانية مفادها ان على روسيا ان تتوحد ضد التهديدات الخارجية”

ويستعرض (واكر) بالتفصيل عدة توجهات نحو روسيا أكثر توافقا مع الليبرالية الغربية، واحد منها هو فشل روسيا في محاسبة المسؤولين عن الجرائم المقترفة في المرحلة الستالينية. كما نشطت حكومة بوتين لتمحو من ذاكرة الناس (الغولاغ) وهي جرائم ستالين الكبرى. كما ان حكومة بوتين تجنبت تحمل المسؤولية عن جرائم الاتحاد السوفييتي الأخرى كالتهجير الجماعي للتتر من شبه جزيرة القرم خلال الحرب العالمية الثانية، او الاحتلال السوفييتي لأوروبا الشرقية. وبعد ان اصبحت الدولة الروسية عاجزة عن التعامل مع ماضيها لجأت الى تعميم الأساطير الاحتفالية، ففي عام 2005 قامت وكالة الأنباء (نوفوستي) التابعة للدولة بابتداع والترويج الشعبي لشريط باللونين البرتقالي والاسود للقديس (جورج) ويستند في شكله على ارفع الأوسمة العسكرية في فترة روسيا الامبراطورية، وكان الغرض منه الاحتفال بذكرى انتصار الاتحاد السوفييتي في الحرب العالمية الثانية. وفي عام 2008 اجرت الحكومة تعديلات على نمط العروض العسكرية الشائعة في الحقبة السوفييتية. حتى ان المؤلف والكاتب (واكر) يخشى ان يكون تعامل روسيا مع ماضيها السوفييتي الذي يترنح من سكرة الماضي هو ان تشرب المزيد من كأس الحنين الى تلك الحقبة. وهذه النظرية جعلت (واكر) يقدم تفسيرا للحرب في اوكرانيا يختلف عن تفسير (بلوخي)، فهذا يؤكد على رومانسية الوحدة بين الامبراطورية والشرق السلافي بينما يضع (واكر) السخرية من الكرملين في الواجهة. لقد عرض بوتين على الشعب الروسي فكرة ان الانتصارات الخارجية هي حاجة مركزية واساسية للمحافظة على لحمة روسيا ووحدتها، ولهذا كان على بوتين ان لا يقتصر على انتصار ستالين في الحرب العالمية الثانية، بل هو بحاجة الى انتصار من صنع بوتين، وقد حقق حلمه هذا باحتلال شبه جزيرة القرم.

اما الكاتبة (ماشا غيسين) فتضع الانتصارات الفارغة كمواضيع للمناقشة في كتابها “المستقبل هو التاريخ” والذي تحاول من خلاله ان تمسك بأهم التحولات خلال الأربعين سنة الماضية من تاريخ روسيا. (ماشا غيسين) مولودة في روسيا وهاجرت الى الولايات المتحدة في شبابها، وهي تتفق مع (بلوخي) بان الدولة الروسية تسير نحو الفاشية.

يرى بوتين، بعد قيامه بضمّ شبه جزيرة القرم، ان انهيار الاتحاد السوفييتي ترك الشعب الروسي منقسما وان روسيا “لا يمكنها ان تتخلى عن شبه جزيرة القرم وشعبها” ان تتركه يعيش في ظل حكومة اوكرانية جديدة مناصرة للاتحاد الأوروبي، ومثل هذه الخطابات البلاغية تذكر (غيسين) “بخطابات هتلر حول (السوديت) -الاقليم غرب التشيك مع الحدود الألمانية” ويشبه (بلوخي) ضم القرم الى روسيا بعملية “آنشلوس” وهي عملية ضم النمسا الى المانيا النازية عام 1938. ويتفق المؤلفون الثلاثة، ( بلوخي-واكر- غيسين) ان بوتين يعول على تعزيز الروح العسكرية من أجل الاحتفاظ بالسلطة، فقبل عام 2014 بمدة شوهت الدولة الروسية التاريخ من أجل الاساءة للغرب حين  اسبغت ثوب الفضيلة على الحروب الروسية، وما يستدعيه ذلك من مطالبة الشعب الروسي بالولاء.

(بلوخي) يطالب النخبة الروسية ” بان تقوم بتعديل الهوية الروسية بما يتطلبه العالم ما بعد الامبريالي”، اما (غيسين) فتنهي كتابها بإعطاء صورة مريعة عن موسكو في عام 2016 ووصفتها بكونها مدينة تشبه ” ملامح وملمس المقبرة” انها عاصمة بلاد تستعصي على عجائب الحضارة الليبرالية.

غير ان الفاشية والتوتاليتارية واروقة الموت كلها مواصفات مضللة عن روسيا المعاصرة، فهي تحجب العالم الذي جرى اغلاقه بإحكام، العالم الشعبي، الأساس الذي بنيت عليه الدولة الروسية بعد الحقبة السوفيتية، والذي تعبر عنه حكومة بوتين.

شعبية بوتين

لا يمكن التعرف على درجة شعبية بوتين الحقيقية. واعادة انتخابه كان استعراضا للامبالاة أكثر مما هو استعراض للحماسة، وكل معطيات وبيانات التصويت والانتخابات هي موضع شك في روسيا، ولكن من المؤكد والواضح ان بوتين يهيمن على الثقافة السياسية، لقد جلب معه الاستقرار الذي كان يتعطش له الروس قبل وصوله الى الرئاسة، رغم ان المفكر الفاشي الروسي (ألكسندر دوغين) أدرك ومنذ عام 2012 ان الاستقرار وضع مملّ، رغم ان الأيديولوجية القومية تصيب اصحابها بالانتعاش، والحكومة نجحت في صناعة الطاعة التي يجب ان تتحلى بها الأمة. ويسير نظام بوتين في خطى متقدمة لأنه يلتقي مع الثقافة الروسية في منتصف الطريق ولأن المجتمع يعزز نفس التوجهات التي تعتبر ان الحكومة مسؤولة في المبادرة اليها، كالتأكيد على الكرامة الروسية ورفض ان تكون تلميذا للغرب. ان (غيسين) تكتب عن مرحلة مبكرة من وجود الاتحاد السوفييتي حين كان السعي الى التعبير عن هوية وطنية روسية امرا مرفوضا تماما. وها هو بعد مئة عام يحاول المجتمع الروسي التعبير لإيجاد هوية وطنية بوجود بوتين او بدونه، هوية هي التي خلقت شخصية بوتين، أكثر مما ساهم هو في خلقها.

ان نقطة الضعف في كتابي (واكر) و (غيسين) هو اخضاعهما الثقافة للسياسة.

لقد جرى قمع الثقافة الروسية في ظل سلطة بوتين وتحويلها الى اداة للدعاية السياسية ولكن إذا اخذنا معايير التاريخ الروسي فهي ما زالت حرّة نسبيا وغير مسيسة، لا يمكن اختزالها الى موقف وحيد: اما ان تكون مع الكرملين او ضده. فالمسارح في موسكو وسان بطرسبورغ ما زالت تمتلك الحيوية المستقلة عن السياسة. ففي فيلم ” الطاغوت- Leviathan” عام 2014 الذي ينتقد نظام حكم بوتين والكنيسة الأرثوذوكسية الروسية، كان تمويله من قبل وزارة الثقافة الروسية، والعروض التلفزيونية الروسية العالية الجودة والتي تتفحص الماضي السوفييتي تتميز بالأصالة والجدّية.

ان تعقيدات هذه الثقافة تظهر في خصوصيات السياسة الروسية: فالمعارض القوي (الكسي نافالني) ما زال يعتقد ان شبه جزيرة القرم جزء من روسيا، بينما يوبخ الحزب الشيوعي الروسي الدولة الروسية التي اعقبت الدولة السوفياتية لأنها ارتكبت جريمة عدم لمساواة، كما ان هناك القوميون الروس الذين يكرهون بوتين لأنه لم يذهب بما فيه الكفاية في موضوع اوكرانيا. وهذه التناقضات تعكس تناقضات الشعب الروسي.

يدرك معظم الشعب الروسي مدى الفساد الذي يتخبط فيه قادتهم، ولكنهم ينظرون الى بلادهم باعتبارها مستقلة عن اوروبا الغربية والولايات المتحدة.

يعتبر معظم المواليد الجدد بعد عام 1991 في روسيا ان بلادهم تتمتع بخصوصية ثقافية يجب التمسك بها أكثر مما كان يتمسك به جيل الآباء والأجداد، مع العلم ان الشعب الروسي اليوم بكافة اجياله يدرك ان بوتين لم يفعل شيئا من أجل تحديث وتجديد روسيا، سوى استعراض القوة العسكرية واعادة ترتيب واجهة المعروضات. ولن تجدي كل البرامج التلفزيونية والمشاهد البراقة للأحداث الرياضية في اخفاء تأثير مساوئ الحكم او واقع الرجل القوي المهيمن على السلطة.

ان مصدر شعبية بوتين يأتي من ناحية السياسة الخارجية، وقد وجدت (غيسين) ان 88 ٪ من الشعب الروسي أيد ضم شبه جزيرة القم بعد الاستلاء عليها مباشرة، رغم انها تشكك بأرقام الاحصائية.

 لعل الشعور العام لدى الشعب بكونه ضحية، ثم الحنين الى الحكم الامبراطوري تساهم في تبرير الأعمال والنشاطات العسكرية في الخارج، وكذلك الأمر بالنسبة لقضية تحدي روسيا للغرب الذي تعود جذوره الى انهيار الاتحاد السوفييتي والى الحرب الباردة. بعض عناصر التحدي ظهرت في التاريخ الروسي، فمنذ القرن التاسع عشر وفي الافتتاحية الموسيقية التي عنوانها ” 1812″ ل (تشايكوفسكي) مثلا، والتي تحتفل بذكرى انتصار روسيا على غزو الجيش الفرنسي بقيادة (نابوليون)، يستعيد الروس صورة الغرب تلك، فيتحول الى غرب عدواني ومنافق. وترسخت هذه الصورة في التسعينيات مع توسيع حلف الناتو ومع بداية العقد الأول من هذا القرن، فطالما هدد هذا الحلف العسكري الكبرياء الروسية أكثر مما هدد أمنها، ويمكن اعتبار موقف بوتين في هذه الحالة يشبه موقف الفنان المبدع والقادر على جذب الانتباه نحو الكرامة المجروحة. لقد تحدى الغرب وهو مسرور في احداث جورجيا، سوريا، وأوكرانيا، فاستقطب تأييد الكثيرين ان لم يكن اغلب الروس لأنه قائد لا يتراجع.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *