كتاب تاريخ الليبرالية الضائع لهيلينا روزنبلات

 

كتاب تاريخ الليبرالية الضائع لهيلينا روزنبلات

المقدمة

(دراسة تاريخ الكلمة ليست مضيعة للوقت ابدا.

—لوسيان فيبر) – 1930

“الليبرالية” هي كلمة أساسية وواسعة الانتشار في مفرداتنا، لكن الليبرالية هي أيضًا مفهوم مثير للجدل إلى حد كبير. يرى البعض أنها هدية الحضارة الغربية للبشرية، والبعض الآخر يعتبرها سبب تراجعها. تنهال كتابات لانهاية لها لمهاجمتها أو للدفاع عنها، وبالكاد يمكن لأي شخص أن يبقى محايدًا. يتهمها النقاد بقائمة طويلة من الخطايا، يقولون إنها تدمر الدين والأسرة والمجتمع، وإنها متساهلة أخلاقياً ومتعجرفة، إن لم تكن عنصرية، جنسية، وإمبريالية، والمدافعون أكيد يقولون إن الليبرالية مسؤولة عن أفضل ما لدينا- أفكارنا حول العدالة والعدالة الاجتماعية والحرية والمساواة.

لكن الحقيقة هي أننا مشوشون بشأن ما نعنيه بالليبرالية. يستخدم الناس المصطلح بجميع أنواعه بطرق مختلفة وغالبًا دون قصد، وأحيانًا عن قصد. ويتحدثون عن بعضهم البعض، مستبعدين أي احتمال للحوار، وسيكون من الجيد معرفة ما نتحدث عنه عندما نتحدث عن الليبرالية.

مقدمة

في هذا الصدد، نادرًا ما تكون التواريخ المتاحة عن الليبرالية مفيدة، اذ غالبًا ما تكون متناقضة، ووفقا لإحدى الروايات الحديثة على سبيل المثال، أن الليبرالية نشأت من المسيحية، لكن وفقًا لآخر، نشأت الليبرالية من خلال صراعها ضد المسيحية. ولكن يبرز من بين الباحثين عن اصولها وتطورها فيرجعوا بأصولها الى جيل من المفكرين العظام وكثيرا ما يتم تجنيد جون لوك كأب مؤسس لكن البعض الآخر يتحدث عن هوبز أو مكيافيلي بدلاً من ذلك وآخرون يذكرون أفلاطون أو حتى يسوع المسيح، كما ان البعض الآخر يضيف اسم آدم سميث وقائمة الاقتصاديين. يجب الاقرار أن أيا من هؤلاء المفكرين الأوائل لم يعتبروا أنفسهم ليبراليين أو تبنوا أي شيء يسمى ليبرالية، حيث لم تتوفر لهم هذه الكلمة أو المفهوم. وغني عن القول إن مفاهيمنا عن الليبرالية ستختلف وفقًا لاختيارنا للمفكرين الرئيسيين وكيف نقرأهم. من المرجح أن يكون الشخص الذي يبدأ بـ مكيافيلي أو هوبز منتقدًا لليبرالية، والشخص الذي يبدأ بيسوع المسيح سيكون على الأرجح مدافعا عنها.

لا أهدف في هذا الكتاب إلى مهاجمة الليبرالية أو الدفاع عنها، بل التأكد من معناها وتتبع تحولاتها بمرور الوقت. احاول توضيح ما الذي يعنيه مصطلحا “ليبرالي” و “ليبرالية” للأشخاص الذين استخدموهما، وأسلط الضوء على كيفية تعريف الليبراليين لأنفسهم وما الذي قصدوه عندما تحدثوا عن الليبرالية، وهذه قصة لم تُروى من قبل.

يعترف معظم العلماء بوجود مشكلة في تعريف الليبرالية، اذ يبادرون للاعتراف بأنها مصطلح زلق أو بعيد المنال. لكن الغريب هو أن معظمهم يشرع بعد ذلك في وضع تعريف شخصي لها ثم يقوم بعد ذلك ببناء تاريخ يدعمه.

الليبرالي يعني انه يفضل “الحكومة الصغيرة”، بينما في أمريكا يشير إلى تفضيل “الحكومة الكبيرة”. ويدعي الليبراليون الأمريكيون اليوم أنهم هم الليبراليون الحقيقيون ومن المفترض أن يكون جميع هؤلاء الأشخاص جزءًا من نفس التقليد الليبرالي.

النهج الذي اتبعته يؤدي إلى بعض الاكتشافات المدهشة. إحداها مركزية فرنسا في تاريخ الليبرالية. لا يمكننا الحديث عن تاريخ المفهوم دون النظر إلى فرنسا وثوراتها المتعاقبة. ولا يمكننا تجاهل حقيقة أن بعض المفكرين الأكثر عمقا وتأثيرا في تاريخ الليبرالية كانوا فرنسيين. اكتشاف آخر هو أهمية ألمانيا، التي يتم عادة التقليل من مساهماتها في تاريخ الليبرالية، هذا اذا لم يتم تجاهلها بالكامل، الحقيقة أن فرنسا هي التي اخترعت الليبرالية في السنوات الأولى من القرن التاسع عشر وأعادت ألمانيا تشكيلها بعد نصف قرن، اما أمريكا فقد استحوذت على الليبرالية فقط في أوائل القرن العشرين، وعندها فقط أصبحت تقليدًا سياسيًا أمريكيًا.

سنرى أن العديد من الأفراد غير المعروفين نسبيًا اليوم قدموا مساهمات كبيرة في الليبرالية. ابتكر اللاهوتي الألماني يوهان سالومو سيملر الليبرالية الدينية، كما ابتكر النبيل الفرنسي شارل دي مونتاليمبيرت مصطلح “الديمقراطية الليبرالية”. ومع ذلك، ساهم لاعبون رئيسيون آخرون في المجلة الأمريكية New Republic حيث استوردوا المفهوم ونشروه في أمريكا.

يلعب جون لوك وجون ستيوارت ميل، دورا اساسيا في هذا السياق، فقد ناقشوا الفرنسيين والألمان واستوحوا منهم الكثير، وتحدثوا مباشرة إلى معاصريهم، من اجل معالجة مشاكل عصرهم، وليس عصرنا. بالإضافة إلى ذلك، سأسلط الضوء على الشخصيات التي ساهمت عن غير قصد في تاريخ الليبرالية، مثل نابليون، والمستشار النمساوي كليمنس فون مترنيخ، والعديد من الشخصيات المضادة للثورة، الذين أجبروا الليبراليين على صقل معتقداتهم وتطويرها.

أخيرًا، سأوضح ما أعتقد أنه حقيقة حاسمة ضاعت من التاريخ، لقد كان معظم الليبراليين أخلاقيين، ليبراليتهم لا علاقة لها بالنزعة الفردية او التفرد الذي نسمعه اليوم، لم يتحدثوا أبداً عن الحقوق دون التأكيد على الواجبات. اعتقد معظم الليبراليين أن الناس لديهم حقوق لأن عليهم واجبات، وكان معظمهم مهتمين بشدة بمسائل العدالة الاجتماعية، لقد رفضوا دائمًا فكرة أنه يمكن بناء مجتمع قابل للحياة على أساس المصلحة الذاتية وحدها، وحذروا إلى ما لا نهاية من مخاطر الأنانية. دعا الليبراليون بلا هوادة إلى الكرم والنزاهة الأخلاقية والقيم المدنية، هذا بالطبع لا يجب أن يؤخذ على أنه يعني أنهم مارسوا دائمًا ما بشروا به أو ارتقوا إلى قيمه.

كما أسعى أيضًا إلى إظهار أن فكرة أن الليبرالية هي تقليد أنجلو أمريكي يهتم في المقام الأول بحماية الحقوق والمصالح الفردية وهو تطور حديث جدًا في تاريخ الليبرالية، إنه نتاج حروب القرن العشرين وخاصة الخوف من الشمولية خلال الحرب الباردة. ولقرون عديدة قبل هذا، كان الليبرالي يعني شيئًا مختلفًا جدًا، كان يعني أن تكون مواطناً له عقلية مدنية؛ اي إدراك المرء لأهمية اتصاله بالمواطنين الآخرين والتصرف بطرق تؤدي إلى الصالح العام.

منذ البداية، كان هوس اغلب الليبراليين منصبا على ضرورة الإصلاح الأخلاقي، لقد وجدوا ان لهم مشروعا أخلاقيا، ويكشف هذا الاهتمام بالإصلاح الأخلاقي على تفسير اهتمامهم المستمر بالدين، والهدف الآخر لهذا الكتاب هو إعادة ضبط مناقشاتنا لإفساح المجال لهذه الحقيقة المهمة. احاول ان أبيّن أن الأفكار والخلافات الدينية دفعت المناقشات حول الليبرالية منذ البداية، كما أنها استقطبت الناس داخل معسكرات معادية. كان وصف أحد أقدم الهجمات على الليبرالية بأنها “بدعة دينية – سياسية”، فحدد ذلك التوجه لقرون قادمة، حتى يومنا هذا، الليبرالية ملزمة بالدفاع عن نفسها ضد اتهامات لا هوادة فيها بالدين والفسوق.

وحقيقة ان الليبراليين رأوا في أنفسهم مصلحين أخلاقيين لا يعني أنهم كانوا بلا خطيئة. كشف الكثير من الأعمال الحديثة عن جانب مظلم من الليبرالية، فقد كشف العلماء عن النخبوية والتحيز الجنسي والعنصرية والإمبريالية للعديد من الليبراليين. ويتساءلون كيف يمكن لأيديولوجية مكرسة لحقوق متساوية أن تدعم مثل هذه الممارسات البشعة؟ أنا بالتأكيد لا أنكر الجوانب الأكثر قبحًا لليبرالية، ولكن حين أضع الأفكار الليبرالية في سياقها الزمني، أستطيع ان أروي قصة أكثر دقة وتعقيدًا.

على الرغم من أنني اتحدث عن الليبرالية في أجزاء أخرى من العالم، إلا أنني أركز على فرنسا وألمانيا وبريطانيا والولايات المتحدة. قد يبدو هذا الاختيار تعسفيا أو مفرطا للبعض. بالطبع، ساهمت دول أخرى في تاريخ الليبرالية. لكني أعتقد أن الليبرالية ولدت في أوروبا وانتشرت من هناك. وبشكل أكثر تحديداً، فإن الليبرالية ترجع أصولها إلى الثورة الفرنسية، وحيثما هاجرت بعد ذلك، ظلت مرتبطة ارتباطًا وثيقًا بالتطورات السياسية في فرنسا.

البداية بفصل عن عصور ما قبل تاريخ الليبرالية، بدءًا من رجل الدولة الروماني سيسيرو وانتهاءً بالنبيل الفرنسي ماركيز دي لافاييت، في الفصل الأول، أشرح ما يعنيه أن يكون ليبراليًا عندما لم تكن كلمة “الليبرالية” موجودة بعد، ومن الجيد معرفة هذا التاريخ العميق لكلمة “ليبرالي، لأن كل من اعتبر نفسه او لقبها بكونه ليبرالي استمر على مدى القرون التالية في التعرف على هذا المثال القديم والأخلاقي، واستمرت القواميس في تعريف “الليبرالي” بهذه الطريقة التقليدية. في منتصف القرن العشرين، لا يزال الفيلسوف الأمريكي جون ديوي يصر على أن الليبرالية تمثل “التحرر والكرم، حول العقل والشخصية”. وقال إن الليبرالية لا علاقة لها “بتقديس إنجيل الفردية”. الفصل الأول يروي قصة كيف استخدمت الكلمة في البداية لتحديد الصفات المثالية للمواطن الروماني من مسيحية، ودمقرطة، واجتماعية، وتسييس، حتى استخدمت بحلول أواخر القرن الثامن عشر لوصف الدستور الأمريكي.

ثم يركز الجزء الرئيسي من الكتاب على أربعة أحداث رئيسية يتشابك فيها تاريخ فرنسا مع الليبرالية، أي ثورات 1789 و1830 و1848 و1870، والمناقشات العابرة للمحيط الأطلسي التي ولدتها هذه الثورات. تبدأ قصة الليبرالية بشكل فعلي في الفصل 2 الذي يروي صياغة الكلمة والخلافات التي أحاطت بها. بعض الموضوعات التي تمت مناقشتها في هذا الفصل هي علاقة الليبرالية بالنظام الجمهوري والاستعمار وعدم التدخل والقضية النسائية، وكلها موضوعات تم تطويرها بشكل أكبر في بقية الكتاب. ولعل أهم قضية على الإطلاق هي علاقة الليبرالية المشحونة بالدين، والتي تمت مناقشتها هنا أيضًا عندما تناولنا أصول السياسة الراديكالية للثورة الفرنسية، ويتناول الفصل 3 قصة تطور الليبرالية من عام 1830 إلى عشية ثورات عام 1848، مع إيلاء اهتمام وثيق لظهور إيديولوجيات سياسية جديدة مثل الاشتراكية من جهة، والاتجاهات المحافظة من ناحية أخرى.

يتناول الفصل الرابع فشل الليبرالية كما تصوره البعض في الاضطرابات التي حدثت عام 1848، وكيف سعى الليبراليون إلى معالجة هذا الفشل، لقد ركزوا بشكل كبير على مؤسسات مثل الأسرة والدين والماسونية فيما اعتبروه مشروعًا أخلاقيًا وتعليميًا في الأساس. ينتقل الفصل الخامس إلى موضوع الحوكمة الليبرالية، ويركز على نابليون الثالث، وأبراهام لينكولن، وويليام غلادستون ، وأوتو فون بسمارك ، على كيفية تكوين قيادتهم لأفكار جديدة حول العلاقة بين الأخلاق ، والتحرر ، والديمقراطية، ثم كيف ولدت فكرة “الديمقراطية الليبرالية”. ينظر الفصل السادس في ثورة فرنسا الرابعة عام 1870 وتداعياتها، ويصف معارك الجمهورية الفرنسية الثالثة ضد الكنيسة الكاثوليكية في محاولة لخلق ما أطلق عليه الجمهوريون النظام التعليمي الأكثر ليبرالية في العالم. يروي الفصل السابع كيف تم تصور الليبرالية الجديدة، الصديقة للأفكار الاشتراكية، في نهاية القرن التاسع عشر وكيف تم استحضار الليبرالية “الكلاسيكية” أو “الأرثوذكسية” كرد على ذلك.

وقد وقعت معركة عظيمة حول أي منها – الجديد أو القديم – كان يعبر عن الليبرالية “الحقيقية”. أخيرًا، يروي الفصل الثامن كيف دخلت الليبرالية إلى المفردات السياسية الأمريكية في أوائل القرن العشرين، وأصبح يُنظر إليها باعتبارها تقليد فكري أمريكي فريد، جرت صياغنه ايضا في مفهوم الهيمنة العالمية الأمريكية. لقد ناقش صانعو السياسة الآن ما تعنيه الليبرالية الأمريكية بالضبط فيما يتعلق بالشؤون الخارجية والداخلية، ثم أقدم في الخاتمة بعض الاقتراحات حول سبب اعتقادنا بأن الليبرالية تتركز بشكل أساسي على الحقوق الخاصة والخيارات الفردية، واناقش بعدها كيف جاءت أمركة الليبرالية في منتصف القرن العشرين لتطغى على التاريخ المعاد سرده في هذا الكتاب لدرجة أن العديد منا اليوم لا يتذكرونه على الإطلاق.

“www.yonadam.com سأبدأ بنشر فصول هذا الكتاب “تاريخ الليبرالية الضائع” تباعا على صفحتي وعلى موقع :”www.yonadam.com

قراءة في كتاب: الشهيدة السورية الأولى

قراءة في كتاب: الشهيدة السورية الأولى

أحمد العربي

أبريل 10, 2020

11٬086

سميرة جورج مبيض، باحثة أكاديمية وكاتبة سياسية سورية، تنتمي للثورة السورية. وكتاب (الشهيدة السورية الأولى) لسميرة جوزيف مبيض، له عنوان فرعي متمم: تاريخ عائلة مسيحية تحت اضطهاد حكم الأسد. يتابع الكتاب تاريخيًا قصة عائلة مبيض.

أولًا: اصول العائلة في لواء اسكندرون.

يبدأ الكتاب من تاريخ ١٩٣٦م، حيث تم سلخ لواء اسكندرون من سورية وإلحاقه بالدولة التركية، بناء على اتفاقات تقاسم الأراضي والموارد والمنافذ بين الدولة التركية ودول الانتداب عموماً ومن ضمنها الاحتلال الفرنسي لسورية. قبل هذا التهجير كانت عائلة مبيضين من سكان انطاكية ولهم فيها منزل كبير، كان يسكن فيها الاخوين يوركي وعائلته المكونة من سبعة أشخاص، وأخوه يعقوب مع عائلته المكونة من ثلاثة عشر شخصا. عند حصول الانسلاخ غادر يعقوب وعائلته الى بيروت، اما يوركي فقد غادر الى دمشق، وتركوا منزلهم الذي ستستخدمه الدولة التركية مركزا حكوميا. هذا التهجير الذي لم يأخذ بنظر الاعتبار مصالح وأمن واستقرار المجموعات البشرية التي أرغمت عليه ومن ضمنها هذه العائلة.

ثانيا: انتقال عائلة يوركي إلى دمشق.

انتقل يوركي وعائلته الى دمشق، لأن زوجته اصلا من دمشق، اسمها وديعة الدر، سكنوا في حي الصوفانية قرب باب توما، كان انتماء العائلة الى الطائفة الأرثوذكسية، لكنهم سجلوا أنفسهم ضمن الكنيسة الكاثولوكية، ليلقوا العناية والرعاية. فهم شبه لاجئين. وتوظف ثلاثة من أولاده في البريد مستفيدين من كون خالهم يعمل هناك. وتم تعديل كنيتهم في النفوس من مبيضين الى مبيض.

ثالثا: مسار حياة الابن جوزيف بيض.

كان يعمل الأب يوركي في الجمارك في راجو على الحدود السورية التركية. وعندما استقرت عائلته في دمشق عاد هو الى راجو لمتابعة عمله هناك، كان ابنه جوزيف من مواليد ١٩٢٥م، قد وصل الى سن السادسة عشر، ذهب مع والده ليعمل معه في الجمارك، تعرف هناك على فتاة من عفرين واراد الارتباط بها، رغم اختلاف الدين بينهم. لكن امه منعت ذلك عندما علمت بالأمر، ذهبت من دمشق الى راجو واحضرته الى دمشق ومنعت هذا الزواج، حاول جوزيف الانتحار، وبعد أشهر انصاع لأمر أمه وتزوج من فتاة دمشقية اسمها ملكة حلاق. استمرا متزوجين مدى الحياة، لكن حياتهم كانت هشّة

رابعا: عودة جوزيف وزوجته الى راجو.

عاد جوزيف الى راجو لمتابعة عمله في الجمارك، انجبت له زوجته سبعة أولاد، غسان وسميرة ونور وبطرس وبولس والياس وجورج، كما توفي طفلان في الصغر. كانت حياة اسرة جوزيف موزعة بين راجو وقطنا ودرعا، حيث ينتقل مع تغير مكان عمله. استمر ذلك حتى سنة ١٩٦٤م حيث انتهت استقرت العائلة في دمشق، في القصاع حي برج الروس.

خامسا: الاستقرار في دمشق ومسار حياة جورج.

عاش جورج والد الكاتبة د. سميرة في كنف عائلته متنقلا معها من راجو الى دمشق حيث عاش مع جدته لسنوات، التي وضعته في مدرسة لورد ثم نقلته الى مدرسة المعونة بعد أن أساءوا له وعيّروه بفقر العائلة. ثم الى مدرسة القلبين الاقدسين، ثم التحق بعائلته في قاره، دخل مدرسة الراهبات في قطنا عام ١٩٥٦م، ونال شهادة الكفاءة عام ١٩٦٧م، ثم التحق بمدرسة التجارة في العباسيين وحصل على شهادة البكالوريا. كان يضطّر أن يعمل ويدرس لكي يؤمن مصاريفه ولقمة عيشه. عمل في فرن وفي مطبعة ومراقب عمال وفي كازية. تأثر بخاله حنين حلاق الذي كان شيوعيا، لذلك التحق بالحزب الشيوعي. كان أول اعتقال له في منتصف الستينات وعمره ستة عشر عاما. لكونه شارك بمظاهرة بمناسبة يوم الأرض. وكاد يموت من رصاصة عام ١٩٦٧م عندما احتج على عدم تقديم السلاح لهم للدفاع أنفسهم ايام حرب حزيران، حيث ندد بذلك فأطلق أحدهم عليه رصاصة اخطأته. التحق بالخدمة العسكرية لكنه سُرّح من الجيش لوجود بقايا طلق ناري قديم في قدمه. تابع جورج اهتمامه السياسي، حيث ذهب إلى ألمانيا، والتحق بحركة فتح وكذلك بالصاعقة، كان متشوقا للمشاركة بمعارك أيلول الأسود عام ١٩٧٠م حيث حاربت الاردن الفدائيين عندها. ومنع حافظ الأسد الذي كان وزيرا للدفاع السوري وصول دعم الجيش والمتطوعين السوريين لمساندتهم. بعد ذلك دخل في العمل السياسي السري. وعمل بتجارة السيارات بين ألمانيا وسورية. وفتح أخيرا محلا للمجوهرات في ركن الدين. تزوج من ميمنت مقبعة من عائلة هُجّرت أيضاً من شمال سوريا في العشرينات من القرن العشرين من الأرمن الكاثوليك، كانت تربية د. سميرة واخواتها على القيم المسيحية والانفتاح الانساني والخير والعدالة والعمل، ورفض حكم البعث والعمل لحياة أفضل لكل الناس.

سادسا: النظام السوري منذ منتصف الستينات. وقضية قتل سميرة وإخوتها.

تشرح الكاتبة مرحلة دخول سورية منذ استلام حزب البعث السلطة في سورية في ستينات القرن الماضي، في عصر من الظلم والاستبداد والفساد والاستغلال، سيطر الجيش والامن على مقدرات الناس وانفاسهم، كان مجيء حافظ الأسد إلى الحكم عبر انقلاب ١٩٧٠م وهيمنته المطلقة على سورية، حيث اعتمد على التمييز وتنمية المشاعر الطائفية بين كل المكونات السورية، كان ظلمه للشعب مقدمة لظهور التطرف من كل الفئات، وكان النظام يدعي أنه حامي للأقليات ومنها المسيحيين، لكن فعله عكس ذلك، حيث خلق حالة مظلومية تدفع كل فئة للبحث عن حل للدفاع عن نفسها، أو تؤثر السلامة وتهاجر، وبذلك يتحقق للنظام التغيير الديمغرافي المطلوب، خاصة بعد أن وطّد علاقته بايران التي بالتزامها الديني الشيعي المتزمت كعقيدة للدولة، حيث التقى مع ادعاء القومية العربية المغطية لطائفيّة مقيتة عند النظام، مع السعي للتمدد في كل دول المنطقة من قبل ايران، اصبحت تخطط لتغيير ديمغرافي ضحيته الشعب السوري بكل مكوناته، وظهر هذا بعد اعوام الثورة السورية وتهجير السوريين بالملايين، والعمل على احلال الايرانيين محلهم، وتهجير مسيحيي سورية حيث هاجر أغلبهم تاركا الوطن للحفاظ على الحياة.

سابعا: شهداء عائلة مبيض.

لم يكن فقط جورج من اهتم بالشأن العام وكان مسيسا، ويرفض نظام حكم البعث والأسد، ويسعى لبناء نظام وطني ديمقراطي عادل، يعيش فيه كل مكونات الشعب متساوين وفي ظل القانون والحريات، ويعملون للحياة الافضل. لذلك كانت أخته سميرة مسيّسة مثله، درست التمريض وعملت في احدى المشافي لتعيل نفسها وتساعد العائلة. كان ذلك عام ١٩٧٥م، وصل خبر للعائلة ان ابنتهم سميرة وجدت مقتولة. ذهب الاهل الى مكان الحادث ثم الى الشرطة، كان هناك افادتان واحدة تقول ان سيارة دهستها وهربت، واخرى تقول انها قُتلت عن عمد في أحد الفروع الامنية، وان القاتل معروف ضبط وهو يحاول رميها من سيارته التابعة للأمن في الشارع، وهو عنصر في الأمن، تابعت العائلة القضية. كان التقرير الجنائي للشرطة العسكرية يقول: الوفاة سببها حادث سيارة، أما افادة الشهود فتقول: لا حادث بل قتل، وتقرير الطب الشرعي يتحدث عن قتل بليّ الرقبة لم يستسلم الاهل، قرروا رفع دعوى على رجل الأمن القاتل. حاولت السلطات أن تلعب بالمحاكمة وفشلت. تدخلت الكنيسة لتقنع العائلة بالتخلي عن الدعوى وفشلت. فما كان من الامن الا اعتقل ابنهم غسان واخفوه لمدة يومين، ثم استدعوا الأب للأمن وتم تهديدهم بقتل غسان ايضا، ان لم يسحبوا الدعوى عن رجل الأمن القاتل. استسلموا وأسقطوا الدعوى وبقي القاتل حرا. ومع ذلك بقي سر اعتقال سميرة وقتلها يؤرق العائلة، صحيح انها مسيّسة لكن ليس لدرجة القتل بهذه الطريقة، ولا دافع جنسي وراء قتلها، لأن تقرير الطبيب الشرعي يقول ان لا اعتداء جنسي عليها. وبعد مضي عشر سنوات على قتلها شهد أحد الأطباء أن سميرة اشتبهت في المشفى مكان عملها بوجود عقارات غير مُعروفة تعطى دون وصفات طبية لبعض الشخصيات المحددة، وبدأت تستعلم وتسأل عن الامر وتم اتخاذ قرار قتلها بناء على هذه الحادثة وقتلت.

اما الشهيد الثاني فكان بطرس مبيض اخاهم الآخر، فقد كان من معارضي النظام منتميا للحزب الشيوعي المكتب السياسي المعارض، اعتقل في أواخر السبعينات، وبعد سنتين من اعتقاله استدعى الأمن اهله، وسلمهم ابنهم بطرس، بحال يُرثى له ومصاب باضطرابات عصبية وفي حالة سيئة جدا. حاولوا علاجه ولم ينجحوا، ارسلوه الى المانيا للعلاج ولم يشفى، حاول الانتحار هناك واتم انقاذه، اُعيد الى سورية ووضع في مشفى الأمراض العقلية ابن سينا. كان يزوره الاهل كل اسبوع يجلسون معه قليلا ويأخذون له بعض الأغراض، كان يعيش في عالم آخر، رجّح الأطباء فرضية حقنه بعقارات مخربة للأعصاب اثناء فترة اعتقاله، أدّت لما هو عليه. توفيت والدته قبل وفاته بسبعة أعوام. وهو توفي في تاريخ ٢٠١٣م. بعد الثورة السورية بسنتين، حين كانت عمليات القصف بالغازات السامة قائمة على مناطق محيطة بابن سينا.

اما ثالث شهداء عائلة مبيض فهو غسان الذي كان يعمل صائغا. حيث رصده شريكه مع آخرين وقتلوه وسرقوا الذهب والمال، وكشف القاتل بالتحقيق، وحوكم وكاد يتبرأ بالرشاوي وبمحاولات حرف مسار القضية، لكن العائلة نقلت محاكمته من حمص الى دمشق وحكم على القتلة.

مسيحيي سورية تحت التهديد والتهجير.

تختم د. سميرة المبيض كتابها ان تراكم ما عاشه الشعب السوري في ظل حكم البعث وحافظ الأسد وبعده بشار ابنه، من ظلم واستبداد وتفرقة وطائفية، واستدعاء الإيرانيين للتصدي لثورة الشعب السوري عام ٢٠١١م، المطالب بالحرية والكرامة والعدالة والديمقراطية، ورد النظام العنيف القمعي عبر القتل والتهجير بحق الشعب، والتدمير للبلد، مستعينا بالإيرانيين على ذلك، محققا تغييرا ديمغرافيا، ادى لهجرة واسعة من سورية وكان أغلب مسيحيي سورية ممن غادر وتهجّر. تتحدث د سميرة ان احفاد مبيض المستقرين في سورية قد هاجروا ولم يبقى سوى ٢ بالمئة منهم في سورية. لقد ساعد النظام بسياساته على ولادة ونمو الجماعات الارهابية التي غطت نفسها بالإسلام. وأن النظام لم يحمي المسيحيين بل بالعكس دفع إلى تهجيرهم ليحل مكانهم الإيرانيين.

إن ما تقوله د. سميرة حول قول النظام انه يحمي الأقليات ومنهم المسيحيين هو ادّعاء كاذب وأن سياساته هي التي عممت الطائفية واوجدت الإرهاب وأدت لهجرة الشعب ومنهم المسيحيين الى كل بلاد الدنيا.

اكدت د. سميرة ان مسيحيي سورية رفضوا الانخراط في معركة النظام ضد الشعب، وبالتالي حاول عقابهم بتركهم دون حماية حقيقية كما يدعي ومثال ذلك ما حصل في معلولا عندما اُحتجزت راهباته كما أصبح يعلم العالم بأسره.

اكدت د. سميرة ان اسقاط النظام المستبد القاتل وبناء دولة المواطنة المتساوية الديمقراطية العادلة هي التي ستحمي الشعب السوري بكل مكوناته. هنا ينتهي كتاب د. سميرة.

ونعقب عليه بالقول:

٠ نحن أمام كتاب وثيقة، شهادة، مرافعة، واتهام، لنظام الإجرام في حق الشعب السوري عبر خمسين عاما. ما حصل مع عائلة مبيض نموذجا عن ما حصل مع مسيحيي سورية في هذه الفترة، ونموذج عمّا فعل بحق الشعب السوري كاملا.

٠ إن أهمية الكتاب الشهادة أنه من مسيحية سورية تتحدث عن خمسين عاما من الظلم، تفند كذب النظام وادعائه انه يحمي المسيحيين والأقليات. وتؤكد ان النظام وافعاله عبر خمسين عام وخاصة بعد ثورة ٢٠١١م كان وراء تدمير سورية وقتل شعبها وتشريدهم وخاصة الاقليات وبالأخص المسيحيين السوريين الذين فقدوا وطنهم في حملة تهجير جماعي لا يعلم الا الله متى تكون العودة الى سورية، وهل هي ممكنة دون اسقاط النظام الظالم وإحلال الحق والعدل والمواطنة والديمقراطية في سورية ولو بعد حين.